المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفريغ شرائط حلية طالب العلم للشيخ بن عثيمين رحمه الله


رِواءْ
18 - 11 - 2009, 11:59 AM
بـــــــــــــــــــــــــشــــــــــــــــــــرى


هـــــــــــــــــــنـــــــــــــــــــــــــا


ســــــــيـــــــــــتم وضع تفريغ شرائط حلية طالب العلم للشيخ بن عثيمين رحمه الله

الله أسأل لى ولكنَ الاخلاص فى القول والعمل


سنبدأ على بركة الله فى تفريغ الباب الاول ثم الذى يليه الى حيث توقفت الآساذة وفاء حفظها الله

ام عبد الرحمن1
18 - 11 - 2009, 12:24 PM
جزاااااااااااااااااكن الله كللللللللللللل خير و رزقكن الفردوس الاعلى بلا حساب ولا سابقة عداب

رِواءْ
18 - 11 - 2009, 12:32 PM
جزاااااااااااااااااكن الله كللللللللللللل خير و رزقكن الفردوس الاعلى بلا حساب ولا سابقة عداب

جزانا واياكم كل خير

:)

رزقنى واياكِ الفردوس الآعلى بلا حساب ولا سابقة عذاب اللهم آمين


نفعنى الله واياكنَ



:)

رِواءْ
25 - 11 - 2009, 10:32 PM
القارئ:
الفصلُ الأوَّلُ :
آدابُ الطالبِ في نفسِه
أولاً العلْمُ عِبادةٌ :
أصلُ الأصولِ في هذه ( الْحِلْيَةِ )، بل ولكلِّ أمْرٍ مَطلوبٍ عِلْمُك بأنَّ العِلْمَ عِبادةٌ، قالَ بعضُ العُلماءِ : ( العِلْمُ صلاةُ السِّرِّ ، وعبادةُ القَلْبِ )
الشيخ:
نعم العلم عبادة لا شك بل هو من أجل العبادات وأفضل العبادات حتى أن الله تعالى جعله في كتابه قسيما للجهاد في سبيل الله الجهاد المسلح فقال جل وعلا: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} ليتفقهوا يعني بذلك ؟ الطائفة القاعدة { لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين )) فإذا رزقك الله الفقه في دينه والفقه هنا يعنى به العلم بالشرع فيدخل فيه علم العقائد والتوحيد وغير ذلك فإذا رأيت أن الله من عليك بهذا فاستبشر خيرا لأن الله تعالى أراد بك خيرا . وقال الإمام أحمد: العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته. قالوا: وكيف تصح النية يا أبا عبد الله؟ قال : ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره .
القارئ:
وعليه ؛ فإنَّ شَرْطَ العِبادةِ :
1-إخلاصُ النِّيَّةِ للهِ سبحانَه وتعالى ، لقولِه :{ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ...} الآيةَ .وفي الحديثِ الفَرْدِ المشهورِ عن أميرِ المؤمنينَ عمرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللهُ عَنْهُ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ : (( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ... )) الحديثَ .
فإنْ فَقَدَ العِلْمُ إخلاصَ النِّيَّةِ ، انْتَقَلَ من أَفْضَلِ الطاعاتِ إلى أَحَطِّ المخالَفاتِ ولا شيءَ يَحْطِمُ العِلْمَ مثلُ الرياءِ : رياءُ شِرْكٍ ، أو رِياءُ إخلاصٍ ومِثلُ التسميعِ ، بأن يَقولَ مُسَمِّعًا : عَلِمْتُ وحَفِظْتُ .

الشيخ:
كذلك إذا قال قائل بما يكون الإخلاص في طلب العلم؟ قلنا: الإخلاص في طلب العلم يكون في أمور:
1- أن تنوي بذلك امتثال أمر الله لأن الله تعالى أمر بذلك فقال: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} وحث سبحانه وتعالى على العلم والحث على الشيء يستلزم محبته والرضا به والأمر به.
2- أن تنوي بذلك حفظ شريعة الله لأن حفظ شريعة الله يكون بالتعلم والحفظ في الصدور ويكون كذلك بالكتابة كتابة الكتب
3- أن تنوي بذلك حماية الشريعة والدفاع عها لأنه لولا العلماء ما حميت الشريعة ولا دافع عنها أحد ولهذا نجد مثلا شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم الذين تصدوا لأهل البدع وبينوا بطلان بدعهم نرى أنهم حصلوا على خير كثير.
4- أن تنوي بذلك اتباع شريعة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنك لا يمكن أن تتبع شريعته حتى تعلم هذه الشريعة ، هذه أمور أربع كلها يتضمنها قولنا أنه يجب الإخلاص لله في طلب العلم .
القارئ:
وعليه فالْتَزِم التَّخَلُّصَ من كلِّ ما يَشوبُ نِيَّتَكَ في صِدْقِ الطلَبِ كحبِّ الظهورِ ، والتفوُّقِ على الأقرانِ ، وجَعْلِه سُلَّمًا لأغراضٍ وأعراضٍ من جاهٍ أو مالٍ أو تعظيمٍ أو سُمْعَةٍ أو طَلَبِ مَحْمَدَةٍ أو صَرْفِ وُجوهِ الناسِ إليك ، فإنَّ هذه وأَمثالَها إذا شَابَت النِّيَّةَ أَفْسَدَتْها وذَهَبَتْ بَرَكَةُ العلْمِ ولهذا يَتَعَيَّنُ عليك أن تَحْمِيَ نِيَّتَكَ من شَوْبِ الإرادةِ لغيرِ اللهِ تعالى ، بل وتَحْمِي الْحِمَى .
الشيخ:
صحيح ما قاله من وجوب حماية النية من هذا المقاصد السيئة فهو صحيح ومن طلب علما وهو مما يبتغى به وجه الله لا يريد إلا أن ينال عرضا من الدنيا لم يجد رائحة الجنة نسأل الله العافية ثم إن هذه المحمدة والجاه والتعظيم وانصراف وجوه الناس إليه ستجده إذا حصلت العلم حتى وإن كانت نيتك سليمة بل إذا كانت نيتك سليمة فهو قرب إلى حصول هذا لك.
القارئ:
وللعُلماءِ في هذا أقوالٌ ومَواقفٌ بَيَّنْتُ طَرَفًا منها في الْمَبْحَثِ الأَوَّلِ من كتابِ ( التعالُمِ ) ويُزادُ عليه نَهْيُ العلماءِ عن ( الطَّبُولِيَّاتِ ) وهي المسائلُ التي يُرادُ بها الشُّهْرَةُ .
الشيخ:
الطبوليات المسائل التي يراد بها الشهرة لماذا سميت طبوليات ؟ لأنها مثل الطبل لها صوت ورنين فهذا إذا جاء بمسألة غريبة عن الناس نعم واشتهرت عنه كأنها صوت الطبل فهذه يسمونها الطبوليات ولم أسمع بهذا لكن وجهها واضح .
القارئ:
وقد قيلَ: ( زَلَّةُ العالِمِ مَضروبٌ لها الطَّبْلُ )
وعن سفيانَ رَحِمَه اللهُ تعالى أنه قالَ : ( كُنْتُ أُوتِيتُ فَهْمَ الْقُرْآنِ ، فَلَمَّا قَبِلْتُ الصُّرَّةَ سُلِبْتُهُ ) .

الشيخ: يقول هذا سفيان يقول كنت أوتيت فهم القرآن فلما قبلت الصرة سلبته . الصرة يعني من السلطان لما أعطاه سلب فهم القرآن وهؤلاء هم الذين يدركون الأمور ولهذا يتحرز السلف من عطايا السلطان ويقولون إنهم لا يعطوننا إلا ليشتروا ديننا بدنياهم فتجدهم لا يقبلونها ثم إن السلاطين فيما سبق قد تكون أموالهم مأخوذة من غير حلها فيتورعون عنها أيضا من هذه الناحية ومن المعلوم أنه لا يجوز للعالم أن يقبل هدية السلطان إذا كان السلطان يريد أن تكون هذه العطية مطية له يركبها متى شاء بالنسبة لهذا العالم أما إذا كانت أموال السلطان نزيهة ولم يكن يقبل الهدية منه ليبيع دينه بها فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعمر: (( ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك)).
وغرض سفيان رحمه الله من ذلك التحذير من هذا وتبكيت نفسه على ما صنع.
القارئ:
فاستَمْسِكْ رَحِمَك اللهُ تعالى بالعُروةِ الوُثْقَى العاصمةِ من هذه الشوائبِ ، بأن تكونَ مع – بَذْلِ الْجَهْدِ في الإخلاصِ – شديدَ الخوفِ من نَواقِضِه ، عظيمَ الافتقارِ والالتجاءِ إليه سبحانَه .
ويُؤْثَرُ عن سُفيانَ بنِ سَعيدٍ الثوريِّ رَحِمَه اللهُ تعالى قولُه : ( مَا عَالَجْتُ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ نِيَّتِي ) .
الشيخ:
وفي معنى ذلك ما أدري هل هو قول آخر أو نقل بالمعنى يقول: ما عالجت نفسي على شيء أشد من معالجتها على الإخلاص وهذا بمعنى كلام سفيان لأن الإخلاص شديد ولهذا من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه فإنه يدخل الجنة وهو أسعد الناس بشفاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
القارئ:
وعن عمرَ بنِ ذَرٍّ أنه قالَ لوالدِه : يا أبي ! ما لَكَ إذا وَعَظْتَ الناسَ أَخَذَهم البُكاءُ ، وإذا وَعَظَهم غيرُك لا يَبكونَ ؟ فقال : يا بُنَيَّ ! لَيْسَت النائحةُ الثَّكْلَى مثلَ النائحةِ المسْتَأْجَرَةِ .
الشيخ:
الله أكبر هذا مثلٌ عظيم النائحة الثكلى يعني التي فقدت ولدها أي تبكي بكاء من القلب والنائحة المستأجرة ما يؤثر نوحها ولا بكاؤها لأنها تصطنع البكاء ولكن مثل هذا الكلام الذي يرد عن السلف يجب أن نحسن الظن به وأنهم لا يريدون بذلك مدح أنفسهم وإنما يريدون بذلك حث الناس على إخلاص النية والبعد عن الرياء وما أشبه ذلك وإلا لكان هذا تذكية للناس واضحة والله عز وجل يقول: { فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} لكن السلف رحمهم الله لعلمنا بمقامهم وإخلاصهم يجب أن نحمل ما ورد عنهم مما يحتمل هذا المعنى الفاسد أن نحمله على المعنى الصحيح.
- سؤال وارد يقول: إن إخلاص النية في عصرنا الحاضر صعب أو قد يكون مستحيلا لأن الذين يطلبون العلم ولا سيما الطلب النظامي يطلبون العلم لنيل الشهادة وهذا ليس لله فنقول إذا كنت تطلب العلم لنيل الشهادة فإن كنت تريد من هذه الشهادة أن ترتقي مرتقى دنيويا فالنية فاسدة أما إن كنت تريد أن ترتقي إلى مرتقى تنفع الناس به لأنك تعرف اليوم أنه لا يمكن للإنسان من ارتقاء المناصب العالية الموجهة للأمة إلا إذا كان معه شهادة فأنا الآن أقصد بهذه الشهادة أن أنال ما أنفع به الناس فهذه نية طيبة يعني ما تنافي الإخلاص الآن لو وجد عالم جيد في شتى فنون العلم لكن ليس معه شهادة لا يتمكن من تدريس الثانوي هذا هو الواقع . نعم لكن لا يأتي واحد ما يعرف كوعه من كرسوعه ومعه شهادة . نعم . يقبل في الجامعة مادام معه شهادة فالإنسان حسب نيته .
القارئ:
وَفَّقَكَ اللهُ لرُشْدِكَ آمِينَ .
الشرط الثاني- الْخَصْلَةُ الجامعةُ لِخَيْرَي الدنيا والآخِرةِ ( مَحَبَّةُ اللهِ تعالى ومَحَبَّةُ رسولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وتَحقيقُها بتَمَحُّضِ المتابَعَةِ وقَفْوِ الأثَرِ للمعصومِ. قال اللهُ تعالى : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } .

الشيخ:
لا شك أن المحبة لها أثر عظيم في الدفع والمنع إذ أن المحب يسعى غاية جهده في الوصول إلى محبوبه فيطلب ماذا؟ يطلب ما يرضيه وما يقربه منه ويسعى غاية جهده في اجتناب ما يكرهه محبوبه ويبتعد عنه ولهذا ذكر ابن القيم في روضة المحبين أن كل الحركات مبنية على المحبة كل حركات الإنسان وهذا صحيح لأن الإرادة لا تقع من شخص عاقل إلا بشيء يرجو نفعه أو دفع ضرره وكل إنسان يحب ما ينفعه ويكره ما يضره فالمحبة في الواقع هي القائد والسائق إلى الله عز وجل تقود الإنسان وتسوقه وانظر إلى الذين كرهوا ما أنزل الله كيف قال الله تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ } صارت نتيجتهم الكفر لأنهم كرهوا ما أنزل الله فالمحبة كما قال الشيخ هي الجامعة لخيري الدنيا والآخرة أما محبة الرسول عليه الصلاة والسلام فإنها تحملك على متابعته ظاهرا وباطنا لأن الحبيب يقلد محبوبه حتى في أمور الدنيا تجده يقلد محبوبه تجده مثلا يقلده في اللباس في الكلام حتى في الخط نحن نذكر بعض الطلبة في زماننا لما كنا نطلب كان يقلدون الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي في خطه مع إن خطه رحمه الله ضعيف ما تكاد تقرأه لكن من شدة محبتهم له. فالإنسان كلما أحب شخصا حاول أن يكون مثله في خصاله فإذا أحببت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإن هذه المحبة سوف تقودك إلى اتباعه صلوات الله وسلامه عليه ثم ذكر الآية التي يسميها علماء السلف يسمونها آية المحنة يعني الامتحان لأن قوما ادعوا أنهم يحبون الله فقال الله تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي } والجواب؟ (...) { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي } (...) الجواب المتوقع فاتبعوني تصدقوا في دعواكم لأن الآن الشرط والمشروط { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي } تصدقوا في دعواكم أنكم تحبون الله لكن جاء الجواب (اتبعوني يحببكم الله) إشارة إلى أن الشأن كل الشأن أن يحبك الله عز وجل هذا هو الثمرة وهو المقصود وإلا لكان { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي } يعني تصدقوا في دعواكم لكن جاءت { يُحْبِبْكُمُ اللهُ } لأن هذا هو الثمرة فالشأن كل الشأن أن الله يحبك جعلنا الله وإياكم من أحبابه لا أن تحب الله لأن كل إنسان يدعي ذلك وربما يكون ظاهرك محبة الله لكن في قلبك شيء لا يقتضي أن الله يحبك فتبقى غير حاصل على الثمرة .

القارئ:
وبالجُملةِ فهذا أَصلُ هذه ( الْحِلْيَةِ )، ويَقعانِ منها مَوْقِعَ التاجِ من الْحُلَّةِ .
فيا أيُّها الطُّلابُ ها أنتم هؤلاءِ تَرَبَّعْتُم للدَّرْسِ وتَعَلَّقْتُمْ بأنْفَسِ عِلْقٍ ( طَلَبِ العلْمِ ) فأُوصِيكُمْ ونَفْسِي بتَقْوَى اللهِ تعالى في السرِّ والعَلانيةِ فهي العُدَّةُ ، وهي مَهْبِطُ الفضائلِ ، ومُتَنَزَّلُ الْمَحَامِدِ وهي مَبعثُ القوَّةِ ومِعراجُ السموِّ والرابِطُ الوَثيقُ على القُلوبِ عن الفِتَنِ فلا تُفَرِّطُوا .

الشيخ:
نعم صدق رحمه الله وعفا عنه ويدل لهذا قول الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا } تفرقون به بين الحق والباطل وبين الضار والنافع وبين الطاعة والمعصية وبين أولياء الله وأعداء الله إلى غير ذلك وتارة يحصل هذا الفرقان بواسطة العلم يفتح الله على الإنسان من العلوم وييسر له تحصيلها أكثر ممن لا يتقي الله وتارة يحصل له هذا الفرقان بما يعطيه الله تعالى في قلبه من الفراسة قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( إن يكن فيكم محدثون فعمر)) فالله تعالى يجعل لمن اتقاه فراسة يتفرس بها فتكون موافقة للصواب فقوله تعالى: { يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا } يشمل الفرقان بوسائل العلم والتعلم والفرقان بوسائل الفراسة والإلهام أن الله تعالى يلهم الإنسان التقي ما لا يلهم غيره وربما يظهر لك هذا في مجراك في طلب العلم تمر بك أيام تجد قلبك خاشعا منيبا إلى الله مقبلا إليه متقيا له فيفتح الله عليك مفاتح ومعارف كثيرة ويمر بك غفلة ينغلق قلبك وكل هذا تحقيق لقول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ } ثلاث فوائد وإذا غفر الله للعبد أيضا فتح الله عليه أبواب المعرفة قال الله تعالى: { إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } وبعدها {وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ } ولهذا قال بعض العلماء : ينبغي للإنسان إذا استفتي أن يقدم استغفار الله حتى يبين له الحق لأنه الله قال { لِتَحْكُمَ } ثم قال {وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ }.


تمت المقابلة الصوتية بواسطة الآخ: محمد أبو زيد


يتبع ان شاء الله

رِواءْ
25 - 11 - 2009, 10:41 PM
لقارئ:
الأمر الثاني من آداب الطالب في نفسه
كنْ سَلَفِيًّا على الْجَادَّةِ ، طريقِ السلَفِ الصالحِ من الصحابةِ رَضِي اللهُ عَنْهُم ، فمَن بَعْدَهم مِمَّنْ قَفَا أَثَرَهم في جميعِ أبوابِ الدينِ ، من التوحيدِ والعِباداتِ ونحوِها مُتَمَيِّزًا بالتزامِ آثارِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتوظيفِ السُّنَنِ على نفسِك وتَرْكِ الْجِدالِ والْمِراءِ والْخَوْضِ في عِلْمِ الكلامِ وما يَجْلُبُ الآثامَ ويَصُدُّ عن الشرْعِ .
الشيخ:
هذه من أهم الأمور، أن الإنسان يكون على طريق السلف الصالح في جميع أبواب الدين من التوحيد والعبادات والمعاملات وغيرها.
كذلك أيضا يترك الجدال والمراء لأن الجدال والمراء هو الباب الذي يقفل طريق الصواب؛ فإن الجدال والمراء يحمل المرء على أن يتكلم لينتصر لنفسه فقط، حتى لو بان له الحق تجده إما أن ينكره، وإما أن يؤوله على وجه مستكره انتصاراً لنفسه وإرغاماً لخصمه على الأخذ بقوله؛ فإذا رأيت من أخيك جدالا ومراءً بحيث يكون الحق واضحا (ففر منه فرراك من الأسد) يعني بحيث يكون الحق واضحا ولكنه لم يتبعه ففر منه فرارك من الأسد، وقل ليس عندي إلا هذا واتركه.
وكذلك الخوض في علم الكلام، الخوض في علم الكلام أيضًا مضيعة للوقت لأنهم يتكلمون في أشياء من أوضح الأشياء، مر علي اليوم في دراسة بعض الطلبة يقول لك ما هو العقل؟
حدد العقل؟
عرف العقل لغة واصطلاحا شرعاً وعرفاً
هذا لا يحتاج تعريف، يحتاج العقل للتوضيح؟ ما يحتاج لكن أهل علم الكلام دخلوا علينا من هذه الأشياء ، ما هو العقل هذا؟ سبحان الله الظاهر إنه وهو يفكر في تعريف العقل صار مجنون نعم لأن هذا أمر واضح ما يحتاج إلى تعريف لكن هؤلاء أهل الكلام صدوا الناس عن الحق وعن المنهج السلفي البسيط بما يوردونه من الشبهات والتعريفات والحدود وغيرها وانظر كلام شيخ الإسلام رحمه الله في الرد على المنطقيين يتبين لك الأمر أو في نقض المنطق وهو مختصر وأوضح لطالب العلم يتبين لك ما هم عليه من الضلال . ما الذي حمل علماء جهابذة على أن يسلكوا باب التأويل في باب الصفات إلا علم الكلام لو كان كذا لكان كذا، لو كان مستو على العرش حقيقة لزم أن يكون محدودًا لماذا؟ لأن العرش محدود، لو كان يرى لزم أن يكون في جهة وإذا كان في جهة لزم أن يكون جسما وهلم جرا يعطونك من هذا الكلام الذي يضيعك وهم يظنون أنهم يهدونك سواء السبيل فإذن من المهم لطالب العلم أن يترك الجدال والمراء وأن يسلك ما يرد على ذهنه من الإيرادات إذا قلنا كذا فكيف يكون كذا اترك هذه الأشياء لا تتنطع اجعل علمك سهلا ميسرا يعني الأعرابي يجي ببعيره يسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن مسائل الدين وينصرف بدون مناقشة لأنه ليس عنده إلا التسليم أما المناقشات والمراء والجدال فهذا يضر الإنسان فالشيخ أبو بكر جزاه الله خير يعني ألمح إلى هذا الأمر وما يجلب الآثام ويصد عن الشرع .
القارئ:
قالَ الذهبيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى :
( وَصَحَّ عن الدَّارَقُطْنِيِّ أنه قالَ : ما شيءٌ أَبْغَضَ إليَّ من عِلْمِ الكلامِ . قلتُ: لم يَدْخُل الرجُلُ أبدًا في علْمِ الكلامِ ولا الْجِدالِ ولا خَاضَ في ذلك، بل كان سَلَفِيًّا ) اهـ.
الشيخ:
يعني بذلك الدارقطني يعني يبغضه مع أنه ما دخل فيه لكن لما له من نتائج سيئة وتطويل بلا فائدة وتشكيك فيما هو متيقن وإرباك للأفكار وهجر للآثار ولهذا ليس شيء فيما أرى أضر على المسلمين في عقائدهم من علم الكلام والمنطق وكثير من علماء الكلام الكبار أقروا في آخر حياتهم أنهم على دين العجائز ورجعوا إلى الفطرة الأولى لما علموا من علم الكلام قال شيخ الإسلام رحمه الله في الفتوى الحموية : وأكثر من يخاف عليه الضلال هم المتوسطون من علماء الكلام لأن من لم يدخل فيه فهو في عافية منه ومن دخل فيه وبلغ غايته فقد عرف فساده وبطلانه ورجع وصدق رحمه الله وهذا هو الذي يخاف عليه في كل علم يخاف من الأنصاف الذين في عرض الطريق لأنهم لم يروا أنفسهم أنهم لم يدخلوا في العلم فيتركوه لغيرهم ولم يبلغوا غاية العلم والرسوخ فيه فيضلون ويضلون لكن علم الكلام خطير لأنه يتعلق بذات الرب عز وجل وصفاته ولأنه يبطل النصوص تماما ويحكم العقل ولهذا كان من قواعدهم أن ما جاء في النصوص من صفات الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أقره العقل فهذا نقره بدلالة العقل لا بدلالة السمع (انظر أعوذ بالله)
القسم الثاني: نفاه العقل فيجب علينا نفيه دون تردد لأن العقل نفاه ولكن عقل من؟ قال الإمام مالك رحمه الله: ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟ أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل؛ أخذنا قوله وتركنا من أجله الكتاب والسنة؟! هذا لا يمكن.
القسم الثالث: ما لم يرد العقل بنفيه ولا إثباته فمن قال إن شرط الإثبات دلاله العقل قال يُرَد لأن العقل لم يثبته ومن قال: إن من شرط قبوله ألا يرده العقل قال أنه يقبل وأكثرهم يقول إنه يرد ولا يقبل لأن من شرط إثابته أن يدل عليه العقل وبعضهم توقف قال : إذا لم يثبته العقل ولم ينفه فالواجب علينا أن نتوقف وكل هذه قواعد ما أنزل الله بها من سلطان ضلوا بها وأضلوا والعياذ بالله وارتبكوا وشكوا وتحيروا ولهذا أكثر الناس شكا عند الموت هم أهل الكلام عند الموت والعياذ بالله يترددون هل الله جوهر أم عرض؟ هل هو قائم بنفسه أو بغيره؟ هل يفعل أو لا يفعل؟ هكذا عند الموت فيموت وهو شاك نسأل الله السلامة والعافية لكن إذا كانت طريقته طريقة السلف الصالح سهل عليه الأمر ولم يرد على قلبه شك ولا تشكيك ولا تردد نعم .
القارئ:
وهؤلاءِ هم ( أهلُ السنَّةِ والجماعةِ ) الْمُتَّبِعون آثارَ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم كما قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رَحِمَه اللهُ تعالى :
( وأهلُ السنَّةِ : نَقاوةُ المسلمينَ، وهم خيرُ الناسِ للناسِ ) اهـ .
الشيخ:
لكن يا إخوان اعلموا أن من المتأخرين من قال: إن أهل السنة ينقسمون إلى قسمين: مفوضة ومؤولة، وجعلوا الأشاعرة والماتردية وأشباههم جعلوهم من أهل السنة وجعلوا المفوضة هم السلف فأخطأوا في فهم السلف وفي منهجهم لأن السلف لا يفوضون المعنى إطلاقا بل قال شيخ الإسلام رحمه الله : إن القول بالتفويض من شر أقوال أهل البدع والإلحاد واستدل لذلك بأننا إذا كنا لا ندري معاني ما أخبر الله به عن نفسه من أسماء وصفات جاءنا الفلاسفة وقالوا أنتم جهال نحن الذين عندنا العلم ثم تكلموا بما يريدون وقالوا المراد من النص كذا وكذا ومعلوم أن معنى للنص خير من توقف فيه وأنه ليس له معنى فانتبهوا لهذا أن بعض الناس يرى أن أهل السنة والجماعة يدخل فيهم المتكلمون من الأشاعرة والماتريدية وغيرهم ويقسم أهل السنة إلى قسمين مفوضة ومؤولة ثم يقول من العجب العجاب: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم. سبحان الله كيف تكون طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم وهل يمكن أن تكون طريق أعلم وأحكم وليست أسلم؟! بل يلزم من كون طريقة الخلف أعلم وأحكم أن تكون أسلم بلا شك لأن شخصا يقول هذا النص له معناه وأنا أؤمن به أعلم بلا شك وأحكم من شخص يقول: والله ما أدري هو عندي بمنزلة ألف باء تاء ... ما أدري فلا سلامة إلا بالعلم والحكمة العلم بالحق واتباع الحق الحكمة اتباع الحق والعلم (...) فهذا تناقض عظيم ولهذا كان القول الصحيح في هذه العبارة أن طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم جعلنا الله وإياكم على هذه الطريقة .نعم.
القارئ:
فالْزَم السبيلَ { وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } .
الشيخ:
يلزم من كوننا نحث الطلبة على منهج السلف تحريضهم على معرفة منهج السلف أليس كذلك؟! فنطالع الكتب المؤلفة في هذا كسير أعلام النبلاء وغيرها حتى نعرف طريقهم ونسلك هذا المنهج القويم أما أن نقول نتبع السلف ولا أدري ماذا يفعلون فهذا ناقص بلا شك .


تمت المقابلة الصوتية بواسطةالآخ: محمد أبو زيد

تم التهذيب بواسطة الآخت زمزم

يتبع ان شاء الله

رِواءْ
25 - 11 - 2009, 10:46 PM
القارئ:
مُلازَمَةُ خَشيةِ اللهِ تعالى
التَّحَلِّي بعِمارةِ الظاهِرِ والباطِنِ بخشْيَةِ اللهِ تعالى: مُحافِظًا على شعائرِ الإسلامِ وإظهارِ السُّنَّةِ ونَشرِها بالعَمَلِ بها والدعوةِ إليها دَالًّا على اللهِ بعِلْمِكَ وسَمْتِكَ وعَمَلِكَ مُتَحَلِّيًا بالرجولةِ والمساهَلَةِ والسمْتِ الصالحِ . ومِلاكُ ذلك خَشيةُ اللهِ تعالى ، ولهذا قالَ الإمامُ أحمدُ رَحِمَه اللهُ تعالى : ( أَصْلُ الْعِلْمِ خَشْيَةُ اللهِ تَعَالَى )
الشيخ:
وهذا الذي قاله الإمام أحمد صحيح أصل العلم خشية الله وخشية الله هي الخوف المبني على العلم والتعظيم ولهذا قال الله تعالى: { إنما يخشى الله من عباده العلماء } فالإنسان إذا علم الله عز وجل حق العلم وعرفه حق المعرفة فلا بد أن يقوم في قلبه خشية الله لأنه إذا علم ذلك علم عن رب عظيم عن رب قوي عن رب قاهر عن رب عالم بما يسر ويخفي الإنسان فتجده يقوم بطاعة الله عز وجل أتم قيام { إنما يخشى الله من عباده العلماء } قال العلماء : والفرق بين الخشية والخوف أن الخشية تكون من عظم المخشي والخوف من ضعف الخائف الخوف يكون من ضعف الخائف وإن لم يكن المخوف عظيما ولهذا يخاف الصبي من فتى أكبر منه قليلا لكن الأكبر من هذا الفتى يخاف من هذا الفتى أم لا؟ يا جماعة الصبي الصغير له سنتان يخاف من صبي له ست سنوات صحيح؟ طيب ، لعظم المخوف وأم لقصر الخائف؟ لقصر الخائف (طيب) هذا الذي له ست سنوات يخاف ممن له عشر سنوات إذن ليس عظيما فالفرق بين الخشية والخوف أن الخشية تكون من عظم المخشي والخوف من نقص الخائف ولهذا بعض الناس يخاف من لا شيء لأنه رعديد تعرفون الرعديد؟ جبان يخاف من كل شيء ولهذا يضرب المثل بالرجل يقال هو يخاف من ظلاله يمشي مثلا في القمر فيرى الظلال فيقول هذا واحد يلاحقني ثم يهرب وهذا الظلال معه رجليه وهو يقول أنا نجوت من هذا الرجل لأنه جبان فالحاصل أن الخشية أعظم من الخوف ولكن قد يقال خَفِ الله { فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } وهذا في مقابلة فعل هؤلاء الذين يخافون من الناس .
القارئ:
فالْزَمْ خَشيةَ اللهِ في السرِّ والعَلَنِ فإنَّ خيرَ الْبَرِيَّةِ مَن يَخْشَى اللهَ تعالى، وما يَخشاهُ إلا عالِمٌ، إِذَنْ فخيرُ البَرِيَّةِ هو العالِمُ ولا يَغِبْ عن بَالِكَ أنَّ العالِمَ لا يُعَدُّ عالِمًا إلا إذا كان عامِلًا ولا يَعْمَلُ العالِمُ بعِلْمِه إلا إذا لَزِمَتْه خَشيةُ اللهِ .
الشيخ:
قوله وفقه الله : لا يعد عالما يعني: عالما ربانيا وأما كونه عالما ضد الجاهل فهذا يقال، يقال إن الذي ألف المنجد رجل نصراني وفيه من معرفة اللغة العربية شيء كثير وإن كان غلطات كثيرة وأشياء تؤخذ عليه من الناحية الدينية لكن العالم الذي يعمل بعلمه هو الذي يصدق عليه أنه عالم رباني لأنه يربي نفسه أولا ثم يربي غيره ثانيا .
القارئ:
وأَسْنَدَ الْخَطيبُ البَغداديُّ رَحِمَه اللهُ تعالى بسَنَدٍ فيه لَطيفةٌ إسناديَّةٌ برِوايةِ آباءٍ تِسعةٍ فقالَ : أَخبَرَنا أبو الفَرَجِ عبدُ الوَهَّابِ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ الحارثِ بنِ أَسَدِ بنِ الليثِ بنِ سُليمانَ بنِ الأَسْوَدِ بنِ سُفيانَ بنِ زَيدِ بنِ أُكَينةَ بنِ عبدِ اللهِ التميميُّ من حِفْظِه ، قالَ : سَمِعْتُ أبي يقولُ : سَمِعْتُ أبي يَقولُ : سمعتُ أبي يَقولُ : سَمِعتُ أبي يَقولُ : سَمِعْتُ أبي يَقولُ : سَمِعْتُ أبي يَقولُ : سَمِعْتُ أبي يَقولُ : سَمِعْتُ أبي يَقولُ : سَمِعْتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ يقولُ : ( هَتَفَ العلْمُ بالعَمَلِ ، فإنْ أَجابَه وإلا ارْتَحَلَ ) اهـ .
وهذا اللفظُ بنَحوِه مَرْوِيٌّ عن سُفيانَ الثوريِّ رَحِمَه اللهُ تعالى .
الشيخ:
إذن لا بد من العمل بما علم لأنه إذا لم يعمل بعلمه صار من أول تسعر بهم النار يوم القيامة
وعالم بعلمه لم يعملن = معذب من قبل عباد الوثن
هذه واحدة إذا لم يعمل بعلمه أُرث الفشل في العلم وعدم البركة ونسيان العلم لقول الله تعالى : { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم من بعد مواضعه } بعدها ؟ { ونسوا حظا مما ذكروا به } وهذا النسيان يشمل النسيان الذهني والعملي قد يكون بمعنى ينسونه دينيا أوينسونه يتركونه لأن النسيان في اللغة العربية يطلق بمعنى الترك أما إذا عمل الإنسان بعلمه فإن الله تعالى يزيده هدى قال الله تعالى: { والذين اهتدوا زادهم هدى } ويزيده تقوى ولهذا قال: { وآتاهم تقواهم } إذا عمل بعلمه ورثه الله تعالى علم ما لم يعلم ولهذا روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. وتروى هذه اللفظة العلم يهتف بالعمل (يعني يدعوه) فإن أجابه وإلا ارتحل. ما الذي يرتحل ؟ العلم وهذا واضح لأنك إذا عملت بالعلم تذكرته كلما عملت وأضرب لكم مثلا برجل عرف صفة الصلاة من السنة وصار يعمل بها كلما صلى هل ينسى ما علم ؟ لا ينسى لأنه تكرر عليه لكن لو ترك العمل به نسي وهذا دليل محسوس على أن العمل بالعلم يوجب ثبات العلم ولا ينساه . نعم .



يتبع ان شاء الله

رِواءْ
25 - 11 - 2009, 10:49 PM
القارئ:
الأمر الرابع دوامُ الْمُراقَبَةِ .
التحَلِّي بدوامِ المراقَبَةِ للهِ تعالى في السرِّ والعَلَنِ سائرًا إلى ربِّك بينَ الخوفِ والرجاءِ فإنهما للمسلِمِ كالْجَناحَيْنِ للطائرِ .
فأَقْبِلْ على اللهِ بكُلِّيَّتِكَ ولْيَمْتَلِئْ قلْبُك بِمَحبَّتِه ولسانُك بذِكْرِه والاستبشارِ والفرْحِ والسرورِ بأحكامِه وحُكْمِه سبحانَه .
الشيخ:
نعم . فمن المهم دوام المراقبة لله وهذا من ثمرات الخشية أن الإنسان يكون مع الله دائما يعبد الله كأنه يراه يقوم للصلاة فيتوضأ وكأنه ينفذ قول الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } يقوم يتوضأ وكأنه ينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يتوضأ ويقول من توضأ نحو وضوئي هذا كمال المراقبة وهذا أمر مهم وقوله: (يكون سائرا بين الخوف والرجاء فإنهما للمسلم كالجناحين للطائر). هذا أحد الأقوال في هذه المسألة
وهي هل الأولى للإنسان أن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء أو يغلب جانب الخوف أو يغلب جانب الرجاء ؟
- الإمام أحمد رحمه الله يقول : ينبغي أن يكون خوفه ورجائه واحدا فأيهما غلب هلك صاحبه
- ومن العلماء من يفصل ويقول : إذا هممت بطاعة فغلب جانب الرجاء إنك إذا فعلتها قبل الله منك ورفعك بها درجات من أجل أن تقوى وإذا هممت بمعصية فغلب جانب الخوف حتى لا تقع فيها فعلى هذا يكون التغليب لأحدهما بحسب حال الإنسان
- ومنهم من قال إنه بحسب الحال على وجه آخر فقال : أما في المرض فيغلب جانب الرجاء لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه )) ولأنه إذا غلَّب في حال المرض جانب الخوف فربما يدفعه ذلك إلى القنوت من رحمة الله في حال الصحة يغلب جانب الخوف لأن الصحة مدعاة للفساد كما قال الشاعر الحكيم:
إن الشباب والفراغ والجدة = مفسدة للمرء أي مفسدة
يعني مفسدة عظيمة والذي أرى أن الإنسان يجب أن يعامل حاله بما تقتضيه الحال وأن أقرب الأقوال في ذلك أنه إذا عمل خيرا فليغلب جانب الرجاء وإذا هم بسيء فليغلب جانب الخوف هذا أحسن ما أراه في هذه المسألة الخطيرة العظيمة (طيب) إذا قال قائل تغليب جانب الرجاء هل يجب أن يكون مبنيا على سبب صالح للرجاء أو يكون رجاء المفلسين ؟ الأول يعني إنسان مثلا يعصي الله دائما وأبدا ويقول رحمه الله واسعة هذا غلط لأن إحسان الظن بالله ورجاء الله لا بد أن يكون هناك سبب ينبني عليه الرجاء وإحسان الظن وإلا كان مجرد أمنية والتمني كما يقول عامة أهل نجد يعني العوام من أهل نجد يقولون : التمني رأس مال المفاليس، تعرفون المفاليس ؟ من هم؟ الذين ليس عندهم شيء (...) وعندي أموال وأشياء عظيمة (...) هكذا حكيت لنا والله أعلم هل تصح أم لا، لكن يعني حال الأولين وبلاهتهم يعني يمكن أن تكون هكذا والله أعلم . نعم .


يتبع ان شاء الله

رِواءْ
25 - 11 - 2009, 10:56 PM
القارئ:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وبعد قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه حلية طالب العلم .
الأمر الخامس من آداب الطالب في نفسه
خَفْضُ الْجَناحِ ونَبذُ الْخُيلاءِ والكِبرياءِ :
تَحَلَّ بآدابِ النفْسِ من العَفافِ والحِلْمِ والصبرِ والتواضُعِ للحَقِّ وسكونِ الطائرِ من الوَقارِ والرزانةِ وخَفْضِ الْجَناحِ مُتَحَمِّلًا ذُلَّ التعلُّمِ لعِزَّةِ العِلْمِ ذَليلًا للحَقِّ .
الشيخ:
قوله: (تحل بآداب النفس من العفاف والحلم والصبر والتواضع للحق) لأن المقام يقتضي هكذا أن يكون عند طالب العلم عفة عما في أيدي الناس وعفة عما يتعلق بالنظر المحرم وحلم لا يعاجل بالعقوبة إذا أساء إليه أحد وصبر على ما يحصل من الأذى مما يسمعه إما من عامة الناس وإما من أقرانه وإما من معلمه فليصبر وليحتسب، والتواضع للحق وكذلك للخلق، يتواضع للحق بمعنى أنه متى بان له الحق خضع له، ولم يبغ بدله، نعم، ولم يبغ لسواه بديلا وكذلك للخلق فكم من طالب فتح على معلمه أبوابا ليست على بال منه ولا تحقرن شيئا وقوله: سكون الطائر من الوقار والرزانة وخفض الجناح هذه أيضا ينبغي لطالب العلم أن يبتعد عن الخفة سواء كان في مشيته أو في تعامله مع الناس وألا يكثر من القهقهة التي تميت القلب وتذهب الوقار بل يكون خافضا للجناح متأدبا بالآداب التي تليق بطالب العلم وقوله : متحملا ذل التعلم لعزة العلم . هذا جيد يعني : أنك لو أذللت نفسك للتعلم فإنما تطلب عزها بالعلم فيكون تذليلها بالتعلم لأنه ينتج ثمرة طيبة .
القارئ:
وعليه : فاحْذَرْ نَواقِضَ هذه الآدابِ فإنَّها مع الإثْمِ تُقيمُ على نَفْسِكَ شاهدًا على أنَّ في العَقْلِ عِلَّةً . وعلى حِرمانٍ من العلْمِ والعملِ به ، فإيَّاكَ والْخُيلاءَ فإنه نِفاقٌ وكِبرياءُ وقد بَلَغَ من شِدَّةِ التَّوَقِّي منه عندَ السلَفِ مَبْلَغًا.
الشيخ:
صحيح الخيلاء هذه تحدث للإنسان طالب العلم وللإنسان كثير المال وللإنسان سديد الرأي وكذلك في كل نعمة أنعم الله بها على العبد ربما يحصل عنده خيلاء والخيلاء هي الإعجاب بالنفس مع ظهور ذلك على هيئة البدن كما جاء في الحديث (( من جر ثوابه خيلاء )) فالإعجاب يكون بالقلب فقط فإن ظهرت آثاره فهو خيلاء وقوله : (فإنه نفاق وكبرياء) أما كونه كبرياء فواضح وأما كونه نفاقا فلأن الإنسان يظهر بمظهر أكبر من حجمه الحقيقي وهكذا المنافق يظهر بمظهر المخلص الناصح وهو ليس كذلك.
القارئ:
ومن دقيقِه ما أَسنَدَه الذهبيُّ في تَرجمةِ عمرِو بنِ الأسودِ العَنْسِيِّ الْمُتَوَفَّى في خِلافةِ عبدِ الْمَلِكِ بنِ مَرْوانَ رَحِمَه اللهُ تعالى : أنه كان إذا خَرَجَ من المسجدِ قَبَضَ بيمينِه على شِمالِه فُسِئَل عن ذلك ؟ فقال : مَخافةَ أن تُنافِقَ يَدِي
قلتُ : يُمْسِكُها خَوفًا من أن يَخْطُرَ بيدِه في مِشيتِه ، فإنَّ ذلك من الْخُيلاءِ. اهـ .
الشيخ:
صحيح يخطر بيده يعني يحركها تحريكا معينا يدل على أنه عنده كبرياء وعنده خيلاء فيقبض بيمنه على شماله لئلا تتحرك .
القارئ:
وهذا العارِضُ عَرَضَ للعَنْسِيِّ رَحِمَه اللهُ تعالى .
واحْذَرْ داءَ الْجَبابِرَةِ (الْكِبْرَ)؛ فإنَّ الكِبْرَ والحرْصَ والحسَدَ أوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللهُ به ، فتَطَاوُلُكَ على مُعَلِّمِكَ كِبرياءُ، واستنكافُكَ عَمَّن يُفيدُك مِمَّنْ هو دونَك كِبرياءُ، وتَقصيرُك عن العمَلِ بالعِلْمِ حَمْأَةُ كِبْرٍ وعُنوانُ حِرمانٍ .
العلْمُ حربٌ للفَتَى الْمُتَعَالِي = كالسيْلِ حرْبٌ للمكانِ الْعَالِي
الشيخ:
احذر داء الجبابرة وهو الكبر وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأجمع التفسير وأبينه وأوضحه فقال: ((الكبر بطر الحق وغمط الناس)) .
وبطر الحق: هو ردُّ الحق، وغمط الناس: يعني احتقارهم وازدرائهم.
وقوله: (إن الكبر والحرص والحسد أول ذنب عُصي الله به) يريد فيما نعلم لأننا نعلم أن أول من عصى الله عز وجل هو الشيطان حين أمره الله تعالى أن يسجد لآدم لكن منعه الكبرياء، {أبى واستكبر} وقال: { أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} ، وقال: {هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} وقال لما أمره ربه أن يسجد- قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} ، فقوله: (إنه أول ذنب عُصي الله به) يعني باعتبار ما نعلم، وإلا فإن الله تعالى قال للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} ، قال أهل العلم: إنما قال الملائكة ذلك لأنه كان على الأرض أمة من قبل آدم وبنيه، كانوا يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. ثم ذكر أمثلة، قال: (تطاولك على معلمك كبرياء) التطاول يكون باللسان ويكون أيضاً بالانفعال، قد يمشي مع معلمه وهو يتبختر، ويقول فعلت وفعلت، وكذلك أيضاً استنكافك عمن يفيدك من علومه كبرياء، وهذا أيضاً يقع لبعض الطلبة إذا أخبره أحد بشيء وهو دونه في العلم يستنكف ولا يقبل.
(تقصيرك عن العمل بالعلم حمأة كبر، وعنوان حرمان) نسأل الله العافية، يعني هذا نوع من الكبر، ألاّ تعمل بالعلم.
وقوله: (العلم حرب للفتى المتعالي) يعني أن الفتى المتعالي لا يمكن أن يُدرك العلم، لأن العلم حرب له، (كالسيل حرب للمكان العالي)، صحيح؟ نعم، المكان العالي ينفض عنه السيل يميناً وشمالاً ولا يستقر عليه.
القارئ :
فَالزَمْ – رَحِمَكَ الله- اللُّصوقَ إِلى الأَرْضِ، وَالإِزْراءَ عَلى نَفْسِكَ، وَهَضْمِها، وَمُراغَمَتِها عِنْدَ الاسْتِشْرافِ لِكِبْرياءٍ أَوْ غَطْرَسَةٍ، أَوْ حُبِّ ظُهورٍ، أَوْ عُجُبٍ.. وَنَحْوِ ذلكَ مِنْ آفاتِ الْعِلْمِ الْقاتِلَةِ لَهُ، الْمُذْهِبَةِ لِهَيْبَتِهِ، الْمُطْفِئَةِ لنِورِهِ، وَكُلَّما ازْدَدَتْ عِلْماً أَوْ رِفْعَةً في وِلايَةٍ، فَالزَمْ ذلكِ؛ تَحْرُزْ سَعادَةً عُظْمى، وَمَقاماً يُغْبِطُكَ عَلَيْهِ النّاسُ، وَعَنْ عَبْدِ الله بن الإِمام الْحُجَّة الرّاوِيَةِ في الْكُتُبِ السِّتَةِ بَكْرٍ بن عَبْدِ الله الْمُزْنّي- رَحِمَهُما الله تَعالى- قال: سَمِعْتُ إنْساناً يُحدِّث عَنْ أَبي، أَنَّهُ كانَ واقِفاً بِعَرَفَةَ، فَرَقَّ، فَقال: (لَوْلا أَنّي فيهمْ؛ لَقُلْتُ: قَدْ غُفِرَ لَهُمْ)، خَرَّجَهُ الذَّهْبِيِّ، ثُمَّ قال:
(قُلْتُ: كَذلِكَ يَنْبَغي لِلْعَبْدِ أَنْ يُزْري عَلى نَفْسِهِ وَيَهْضُمُها) اهـ.
الشيخ:
وهذه العبارات التي تطلق عن السلف، من مثل هذا يريدون به التواضع، وليسوا يريدون أنهم يُغَلِّبون جانب سوء الظن بالله عزوجل أبداً، لكنهم إذا رأوا ما هم عليه خافوا وحذروا وجرت منهم هذه الكلمات، وإلا فإن الأولى بالإنسان أن يُحسن الظن بالله ولا سيما في هذا المقام، في مقام عرفة الذي هو مقام دعاء وتضرع إلى الله عزوجل، ويقول مثلاً: إن الله لم ييسر لي الوصول إلى هذا المكان إلا من أجل أن يغفر لي لأني أسأله المغفرة، والله تعالى يقول: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، لكن تظهر مثل هذه العبارات من السلف من باب التواضع وسوء الظن بالنفس لا بالله عزَّ وجل.


يتيع ان شا ءالله

رِواءْ
25 - 11 - 2009, 11:00 PM
القارئ :
الأمر السادس: القناعة والزهادة
التَّحَلِّي بالقَناعةِ والزَّهادةِ ، وحقيقةُ الزهْدِ ( الزهْدُ بالحرامِ والابتعادُ عن حِمَاهُ ، بالكَفِّ عن الْمُشتَبِهَاتِ وعن التَّطَلُّعِ إلى ما في أيدي الناسِ )
الشيخ :
التحلي بالقناعة من أهم خصال طالب العلم يعني أن يقتنع بما أتاه الله عزوجل ولايطلب أن يكون في مصاف الأغنياء والمترفين لأن بعض طلبة العلم وغيرهم تجده يريد أن يكون في مصاف الأغنياء والمترفين فيتكلف النفقات في المأكل والمشرب والملبس والمفرش ثم يثقل كاهله بالديون وهذا خطأ بل عليك بالقناعة فإنها خير زاد للمسلم .
وأما الزهادة فيقول حقيقة الزهد : الزهد بالحرام والابتعاد عن حماه بالكف عن المشتبهات وكأنه أراد بالزهد هنا الورع لأن هناك ورعاً وزهداً، والزهد أعلى مقاماً من الورع لأن الورع ترك ما يضر في الآخرة والزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، وبينهما فرق الفرق الذي بينهما المرتبة التي ليس فيها ضرر وليس فيها نفع فالورِع لا يتحاشاها والزاهد يتحاشاها ويتركها لأنه لا يريد إلا ما ينفعه في الآخرة.
القارئ :
ويُؤْثَرُ عن الإمامِ الشافعيِّ رَحِمَه اللهُ تعالى : ( لو أَوْصَى إنسانٌ لأَعْقَلِ الناسِ صُرِفَ إلى الزهَّادِ )
الشيخ :
الله أكبر يعني في الوصية لو قال: أوصيت لأعقل الناس، يصرف إلى من؟ إلى الزهاد لأن الزهاد هم أعقل الناس حيث تجنبوا ما لا ينفعهم في الآخرة, وهذا الذي قاله رحمه الله ليس على إطلاق لأن الوصايا والأوقاف والهبات والرهون وغيرها ترجع إلى معناها في العرف فإذا كان أعقل الناس في عرفنا هم الزهاد صرف لهم وإذا كان أعقل الناس هم ذوو المروءة والوقار والكرم بالمال والنفس صرف إليهم .
القارئ :
وعن مُحَمَّدِ بنِ الحسَنِ الشيبانيِّ رَحِمَه اللهُ تعالى لَمَّا قِيلَ له : أَلَا تُصَنِّفُ كتابًا في الزهْدِ ؟ قال : ( قد صَنَّفْتُ كِتابًا في البُيوعِ ) .
يعني: (الزاهدُ مَن يَتَحَرَّزُ عن الشُّبُهاتِ والمكروهاتِ في التجاراتِ وكذلك في سائرِ الْمُعاملاتِ والْحِرَفِ) اهـ .
الشيخ :
لما طُلب منه أن يصنف في الزهد قال: قد صنفت كتاباً في البيوع لأن من عرف البيوع وأحكامها وتحرز من الحرام واستحل الحلال فإن هذا هو الزاهد .
القارئ :
وعليه فليكنْ مُعْتَدِلًا في مَعاشِه بما لا يُشِينُه بحيثُ يَصونُ نفسَه ومَن يَعولُ ولا يَرِدُ مَواطِنَ الذلَّةِ والْهُونِ .
وقد كان شيخُنا مُحَمَّدٌ الأمينُ الشِّنقيطيُّ الْمُتَوَفَّى في السابع عشر من شهر ذي الحجة عام 1939هـ رَحِمَه اللهُ تعالى متَقَلِّلًا من الدنيا وقد شاهَدْتُه لا يَعرِفُ فِئاتِ العُملةِ الوَرَقِيَّةِ وقد شافَهَنِي بقولِه :
( لقد جِئْتُ من البلادِ – شِنقيطَ – ومعي كَنْزٌ قلَّ أن يُوجدَ عندَ أحدٍ وهو ( القَناعةُ )، ولو أرَدْتُ المناصِبَ لعَرَفْتُ الطريقَ إليها ولكني لا أُوثِرُ الدنيا على الآخِرةِ ولا أَبْذُلُ العلْمَ لنَيْلِ المآرِبِ الدُّنيويَّةِ ) فرَحِمَه اللهُ تَعَالَى رَحمةً واسعةً آمِينَ .
الشيخ :
آمين . هذا الكلام من الشيخ الشنقيطي وأشباهه من أهل العلم لا يريدون بذلك تزكية النفس إنما يريدون بذلك نفع الخلق وأن يقتدي الناس بهم وأن يكونوا على هذا الطريق لأننا نعلم هذا من أحوالهم يعني أحوال العلماء أنهم لا يريدون تزكية النفس وهم أبعد الناس عن ذلك وهو رحمه الله كما ذكره الشيخ بكر من الزهاد إذا رأيته لا تقول إلا أنه رجل من أهل البادية حتى العباءة تجد أن عليه عباءة عادية وكذلك الثياب ولا تجده يهتم بهندمة نفسه وثيابه .

يتبع ان شا ءالله

رِواءْ
25 - 11 - 2009, 11:07 PM
القارئ :

الأمر السابع

التَّحَلِّي برَوْنَقِ العِلْمِ :

التَّحَلِّي بـ ( رَوْنَقِ العِلْمِ ) حُسْنِ السمْتِ ، والْهَدْيِ الصالحِ ، من دَوامِ السكينةِ والوَقارِ والخشوعِ والتواضُعِ ولزومِ الْمَحَجَّةِ بعِمارةِ الظاهِرِ والباطنِ والتَّخَلِّي عن نواقِضِها .

الشيخ :

هذا قد يكون فرعا مما سبق؛ فإن حسن السمت، والهدي الصالح، من دوام السكينة، والوقار، والخشوع، والتواضع، قد سبق الإشارة إليه وأنه ينبغي لطالب العلم أن يكون أسوة صالحة في هذه الأمور .

القارئ :

وعن ابنِ سيرينَ رَحِمَه اللهُ تعالى أنه قالَ : ( كَانُوا يَتَعَلَّمُون الْهَدْيَ كما يَتَعَلَّمُون العِلْمَ ) وعن رجاءِ بنِ حَيْوَةَ رَحِمَه اللهُ تعالى أنه قالَ لرَجُلٍ : (حَدِّثْنَا ، ولا تُحَدِّثْنا عن مُتَمَاوِتٍ ولا طَعَّانٍ ) رواهما الخطيبُ في ( الجامِعِ ) وقالَ : ( يَجِبُ على طالبِ الحديثِ أن يَتَجَنَّبَ : اللعِبَ ، والعَبَثَ ، والتبَذُّلَ في المجالِسِ بالسُّخْفِ والضحِكِ والقَهْقَهَةِ وكثرةِ التنادُرِ وإدمانِ الْمِزاحِ والإكثارِ منه ، فإنما يُستجازُ من الْمِزاحِ بيَسيرِه ونادِرِه وطَريفِه والذي لا يَخْرُجُ عن حدِّ الأَدَبِ وطَريقةِ العلمِ ، فأمَّا متَّصِلُه وفاحِشُه وسخيفُه وما أَوْغَرَ منه الصدورَ وجَلَبَ الشرَّ فإنه مَذمومٌ وكثرةُ الْمِزاحِ والضحِكِ يَضَعُ من القدْرِ ويُزيلُ الْمُروءةَ ) اهـ .
الشيخ :

هذا من أحسن ما قيل في آداب طالب العلم , أن يتجنب اللعب والعبث , إلا ما جاءت به الشريعة , كاللعب برمحه وسيفه وفرسه , لأن ذلك يعينه على الجهاد في سبيل الله, وكذلك في الوقت الحاضر اللعب بالبنادق الصغيرة, هذا لا بأس به كذلك ، العبث هو أن يفعل فعلا لا داعي له , أو يقول قولا لا داعي له . كذلك التبذل في المجالس , بالسخف، والضحك، والقهقهة، وكثرة التنادر، وإدمان المزاح والإكثار منه، لا سيما عند عامة الناس , أما عند أصحابك وأقرانك فالأمر أهون , لكن عند عامة الناس إياك أن تفتح باب الامتهان فإن ذلك يذهب الهيبة من قلوب الناس , فلا يهابونك ولا يهابون العلم الذي تأتي به .

القارئ :
وقد قيلَ : ( مَنْ أَكْثَرَ مِن شيءٍ عُرِفَ به ) فتَجَنَّبْ هاتِيكَ السقَطَاتِ في مُجالَسَتِكَ ومُحادَثَتِك . وبعضُ مَن يَجْهَلُ يَظُنُّ أنَّ التبَسُّطَ في هذا أَرْيَحِيَّةٌ .
وعن الأَحْنَفِ بنِ قَيْسٍ قالَ : ( جَنِّبُوا مَجالِسَنَا ذِكْرَ النساءِ والطعامِ ، إني أَبْغَضُ الرجلَ يكونُ وَصَّافًا لفَرْجِه وبَطْنِه )
الشيخ :

الله المستعان , صحيح , لأن هذا يشغل عن طلب العلم , مثل أن يقول أكلت البارحة أكلا حتى ملأت البطن , وما أشبه ذلك , من الأشياء التي لا داعي لها , أو يتكلم بما يتعلق بالنساء .

أما أن يكون الرجل مع أهله ثم يصبح يحدث الناس بما فعل , فإن هذا من أشر الناس منزلة عند الله عز وجل .

القارئ :

وفي كتابِ المحدَّثِ الملْهَمِ أميرِ المؤمنينَ عمرَ بنِ الخطَّابِ رَضِي اللهُ عَنْهُ في القَضاءِ : ( وَمَن تَزَيَّنَ بما ليس فيه ، شانَه اللهُ ) . وانْظُرْ شَرْحَه لابنِ القَيِّمِ رَحِمَه اللهُ تعالى .

الشيخ :

يقول رحمه الله : وفي كتاب المحدث الملهم .

المحدَّث : يعني به عمر بن الخطاب رضي الله عنه , لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : ((إن يكن فيكم محدثون فعمر))

والمراد الملهم : الذي يلهمه الله عز وجل . وكأنه يُحدَّث بالوحي .

وقد أشكل هذا على بعض العلماء , حيث قالوا أن هذا يقتضي أن عمر أفضل الصحابة, لأنه قال : ((إن يكن فيكم محدثون فعمر)) .

لكن أجاب عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : بأن عمر إنما يتلقى الإصابة بواسطة , أما أبو بكر فيتلقاها بلا واسطة.

وعلى هذا فيكون أفضل من عمر , ومن رأى تصرف أبو بكر رضي الله عنه في مواقع الشدة , علم أنه أقرب إلى الصواب من عمر .

ففي كتاب الصلح , الذي وقع بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقريش , وراجع عمر فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم , وأجابه , ثم راجع أبا بكر , فأجابه بما أجابه به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله سلم حرفا بحرف .

وفي قتال أهل الردة , وكذلك في تنفيذ جيش أسامة بن زيد , وكذلك في تثبيت الناس يوم وفاة النبي صلى الله عليه وعلى آله سلم , كل هذا يدل على أن أبا بكر أصوب رأيا من عمر .

لكن الذي أظهر عمر رضي الله عنه , هو طول خلافته , وتفرغه لأمور المسلمين العامة والخاصة , فكان مشتهرا بذلك رضي الله عنه .

ولهذا نحن نقول , أيما أكثر رواية للحديث أبو هريرة أو أبو بكر ؟

أبو هريرة , هل يعني ذلك أن أبا هريرة أكثر تلقيا للحديث من الرسول عليه الصلاة والسلام من أبي بكر ؟

لا , لكن أبو بكر لم يحدث بما روى عن الرسول , وإلا فأبو بكر صاحب الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم , صيفا وشتاء , ليلا ونهارا , سفرا وإقامة .

فهو أكثر الناس تلقيا عنه , وأعلم الناس بأحواله , لكن لم يتفرغ ليجلس إلى الناس ليحدثهم بما رواه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

الحاصل : أن بهذا يتبين الجواب عن الحديث (( إن يكن فيكم محدثون فعمر )).

يقول في الكتاب الذي كتبه إلى أبي موسى في القضاء :

من تزين بما ليس فيه شانه الله .

هذا حقيقة , إذا تزين الإنسان بأنه طالب علم , وقام يضرب الجبلين بعضهما ببعض , وكلما أتته مسألة من مسائل العلم شمر عن أكمامه , وقال أنا صاحبها , هذا حلال وهذا حرام وهذا واجب وهذا فرض كفاية وهذا فرض عين وهذا يشترط فيه كذا وكذا وهذا ليس له شروط وقام يفصل ويجمل , ولكن يأتيه طالب علم صغير , ويقول أخبرني عن كذا , فإذا بالله يفضحه ويبين أنه ليس بعالم .

وكذلك من تزين بعبادة وأظهر للناس أنه عابد , فلا بد أن يكشفه الله عز وجل لا بد أن ينكشف , أعاذنا الله وإياكم من الرياء .

ومهما تكن عند امرئ من خليقة = وإن خالها تخفى على الناس تعلم .

ومهما يكتم الناس فالله يعلمه , وسيفضح من لا يعمل لأجله .

فهذه العبارة من عمر زن بها جميع أعمالك , " من تزين بما ليس فيه شانه الله "

قال الشيخ بكر أبو زيد : وانظر شرحه لابن القيم رحمه الله .

شرحه ابن القيم في كتاب : (إعلام الموقعين) . شرحا طويل طويلا, حتى تكاد أن تقول: إن جميع الكتاب الذي هو ثلاث مجلدات كبار كان شرحا لهذا الحديث .

وإن لم يكن شرحا لألفاظه , لكنه شرح لألفاظه بوجه , وشرح لمعانيه وحكمه .

فلهذا أشار بكر أبو زيد إلى أن ننظر إلى هذا الشرح .

يتبع ان شاء الله

رِواءْ
25 - 11 - 2009, 11:23 PM
القارئ :
الأمر الثامن - تَحَلَّ بِالْمُرُوءَةِ :
التَّحَلِّي بـ ( الْمُروءةِ ) وما يَحْمِلُ إليها ، من مَكارِمِ الأخلاقِ وطَلاقةِ الوَجْهِ ، وإفشاءِ السلامِ وتُحَمُّلِ الناسِ والأَنَفَةِ من غيرِ كِبرياءَ والعِزَّةِ في غيرِ جَبَرُوتٍ والشهامةِ في غيرِ عَصَبِيَّةٍ والْحَمِيَّةِ في غيرِ جَاهليَّةٍ .
الشيخ :
نعم . يقول التحلي بالمروءة , فما هي المروءة ؟
حدها الفقهاء رحمهم الله , في كتاب الشهادات , قالوا : هي فعل ما يجمله ويزينه , واجتناب ما يدنسه ويشينه .
وهذه عبارة عامة، كل شي يجملك عند الناس ويزينك ويكون سببا للثناء عليك , فهو مروءة , وإن لم يكن من العبادات , وكل شيء بالعكس فهو خلاف المروءة .
ثم ضرب لهذا مثلا , فقال من مكارم الأخلاق , فما هو كرم الخُلُق ؟
أن يكون الإنسان دائما متسامحاً , أو أن يتسامح في موضع التسامح , ويأخذ بالعزم في موضع العزيمة .
ولهذا جاء الدين الإسلامي وسطاً بين التسامح الذي تضيع به الحقوق , وبين العزيمة التي ربما تحمل على الجور , فنضرب مثلا بالقصاص : وهو قتل النفس بالنفس , يذكر أن بني اسرائيل انقسمت شرائعهم في القصاص إلى قسمين :
قسم أوجب القتل , ولا خيار لأولياء المقتول فيه , وهي شريعة التوراة .
لأن شريعة التوراة تميل إلى الغلظة والشدة .
وقسم آخر أوجب العفو , وقال: إنه إذا قتل الإنسان عمدا فالواجب على أولياؤه التسامح .
هكذا نقرأ في الكتب المنقولة , لأننا لم نقف على نص في الإنجيل وإلا فإن الأصل أن شريعة الإنجيل هي شريعة التوراة , وقد قال الله تعالى : (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ).
لكن فيما ينقل عن بني إسرائيل نسمع هذا .
فجاء دين الاسلام وسطا وجعل الخيار لأولياء المقتول , إن شاءوا قتلوا قصاصا ولهم الحق , وإن شاءوا عفوا مجانا , وإن شاءوا أخذوا الدية .فصار الأمر في ذلك واسعا .
ومعلوم أن كل عاقل يخير في مثل هذه الأمور , سيختار ما فيه المصلحة العامة , يقدمها على كل شيء .
فمثلا إذا كان هذا الرجل شريرا -يعني القاتل- وأولياء المقتول يحبون المال وقالوا نريد أن نعفو إلى الدية , لأننا محتاجون ليس عندنا مال نقول: هذا ليس من الحكمة , انظر الى المصلحة العامة , وأنتم إذا تركتم شيئا لله عوضكم الله خيرا منه . اقتلوا هذا القاتل .
ولهذا أوجب شيخ الإسلام ابن تيمية تبعا للإمام مالك رحمه الله , أوجب قتل القاتل غيلة , حتى لو عفا أولياءه, حتى لو كان له صغار يحتاجون إلى المال , فإنه يجب أن يقتل , لأن القتل غيلة لا يمكن التخلص منه . إذ أن الإنسان اغتيل في حال لا يمكن أن يدافع عن نفسه , والمغتال مفسد في الأرض , ( وإنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض )
إذن , مكارم الأخلاق ما هي ؟
هي أن يتخلق الإنسان بالأخلاق الفاضلة الجامعة بين العدل والإحسان , فيأخذ بالحزم في موضع الحزم , وباللين واليسر في موضع اللين واليسر.
طلاقة الوجه، أيضا طلاقة الوجه هذه من مكارم الأخلاق , وهل مثلا أطلق وجهي لكل إنسان حتى لو كان من أجرم المجرمين أو على حسب الحال؟ على حسب الحال , أطلق الوجه في ستة من تسعة : ما معناها؟ يعني في الثلثين والثلث دعه لما تقتضيه الحاجة.
ليكن سيمتك طلاقة الوجه , هذا أحسن شيء , تجذب الناس إلى نفسك , ويحبك الناس, ويستطيعون أن يفضوا إليك ما يخفونه من أسرارهم .
لكن إذا كنت عبوسا , تعض على شفتك السفلى , فإن الناس يهابوك , ولا يستطيعون أن يتكلموا معك .
لكن إذا اقتضت الحال أن لا تطلق الوجه , فافعل . ولهذا لا يلام الإنسان على العبوسة لوماً مطلقا , ولا يمدح على تركها مدحا مطلقا .
إفشاء السلام : يعني نشره وإظهاره على كل أحد؟ لا ليس على كل أحد، على من يستحق أن يسلم عليه , على المسلم وإن كان عاصيا , وإن كان زانيا وإن كان سارقا وإن كان مرابيا وإن كان يشرب الخمر , لإنه مسلم ألقي إليه السلام.
لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه المؤمن -أو قال أخاه- فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) .
فإن فعل المؤمن منكرا , ولاسيما إذا كان منكرا عظيما يخشى منه أن يتفتت المجتمع الإسلامي , فحينئذ يكون هجره واجبا هجره إن نفع الهجر, وإنما أقول ذلك لئلا يرد علينا قصة كعب بن مالك رضي الله عنه حين تخلف عن غزوة تبوك , فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بهجره , أمر أن يهجره الناس فهجروه وصاروا لا يتكلمون معه , حتى إنه ذات يوم تسور حديقة أبي قتادة رضي الله عنه , وهو ابن عمه وأحب الناس إليه , فسلم على أبي قتادة فلم يرد عليه السلام , سلم ثانيا فلم يرد عليه السلام, سلم ثالثا فلم يرد عليه السلام, فقال : أنشدك الله , هل تعلم أني أحب الله ورسوله , ( يعني أنت كيف تهجرني وأنا أحب الله ورسوله ) وهل تعلم؟ يعني ألم تعلم ؟ ولم يرد عليه .
ما قال نعم ولا لا قال : الله ورسوله أعلم . ما أجاب، لماذا ؟
لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم, ولو أمرهم أن يفعلوا أكبر من ذلك لفعلوا .
المهم أن الصحابة هجروه لأنه تخلف عن غزوة تبوك وكان هجره بأمر من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تصوروا يا إخوان يأتي ويسلم على الرسول عليه الصلاة والسلام يقول : فلا أدري أحرك شفتيه برد السلام أم لا . يعني هو لا يسمع الرد قطعا لكن لا يدري هل حرك شفتيه بالسلام أم لا.
ولكن الرسول يحبه , لأنه إذا قام يصلي -كعب- جعل النبي صلى الله عليه وسلم يسارقه النظر ينظر إليه .
فهل هذا الهجر الذي وقع من الصحابة لكعب بن مالك هل أثر أو لم يؤثر ؟ أثر، أثر رجوعا عظيما إلى الله عز وجل ,{حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم , وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه} , ظنوا بمعنى أيقنوا , لجؤوا إلى الله , ففرج الله عنهم .
فهذا أثر تأثيرا عظيما , وحصل به مصلحة عظيمة , تُتلى قصتهم في كتاب الله عز وجل , يقرؤها المسلمون كلهم في صلواتهم وفي خلواتهم . يذكرونهم كلما مروا بذكرهم هذه فائدة عظيمة ثم فيها محنة عظيمة أيضا لكعب , جاءه كتاب من ملك غسان , فقال له في الكتاب : إنه بلغنا أن صاحبك قلاك -يعني أبغضك وهجرك وتركك- , فالحق بنا نواسك , ( يعني ائت إلينا نجعلك مثلنا )
(كأنه يشير أن يجعله ملكا على غسان ) فماذا فعل ؟
رأى أن هذه فتنة عظيمة , ذهب بالورقة فسجَّر بها التنور , يعني أحرقها , إحراقا تاما كراهة لها ولما تضمنته , ولئلا تغلبه نفسه في المستقبل حتى يجيب لهذا الطلب . وهكذا يكون الإيمان وهذه لا شك أنها محنة عظيمة , حصلت من أجل هذه القصة .
فالحاصل أن إفشاء السلام الأصل فيه أنه عام , لكل أحد من المسلمين , إلا من جاهر بمعصية , وكان من المصلحة أن يُهجر فليُهجر .
أما غير المسلمين فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام )).
فيحرم علينا أن نبدأ اليهود والنصارى ومن سواهم أخبث منهم فلا نبدأه بالسلام ، إن سلموا نرد عليهم , لقول الله تعالى :
(وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) .
فإذا قالوا : السلام عليكم , نقول : عليكم السلام صراحة
لأن الآية ناطقة بذلك (حيوا بأحسن منها أو ردوها) .
ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما أمر أن نقول : وعليكم , لأنهم يقولون السام عليكم , كما جاء ذلك مصرحا به في حديث عبد الله بن عمر قال إن اليهود أو قال أهل الكتاب يقولون السام عليكم فإذا سلموا فقولوا وعليكم .

القارئ :
وعليه فتَنَكُّبُ ( خَوارِمِ الْمُروءةِ ) في طَبْعٍ أو قولٍ أو عَمَلٍ من حِرفةٍ مَهِينَةٍ أو خَلَّةٍ رَديئةٍ كالعُجْبِ والرياءِ والبَطَرِ والْخُيلاءِ واحتقارِ الآخرينَ وغِشْيَانِ مَواطِنِ الرِّيَبِ .

الشيخ :
لما ذكر المروءة أنه ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بها , قال تنكَّب يعني أبعد عن خورام المروءة , في طبع أو قول أو عمل : يعني في طباعك حاول أن تكون طباعك ملائمة للمروءة , ومن المعلوم أنه ليس التكحل في العينين كالكحل, وليس التطبع كالطبع , لكن الإنسان مع ممارسة الشيء ربما يكون الكسب غريزة , والتطبع طبيعة , وإلا فإن الإنسان لو حاول ما يحاول من الأخلاق وطبعه ليس كذلك سيجد صعوبة , لكنه مع التمرن تحسن الحال . وهذا مُجرب , فقد سمعنا عن بعض الناس الذي كان بعيدا عن العلم وعن طلب العلم له أخلاق سيئة , ثم لما منَّ الله عليه بالعلم بالهداية وطلب صارت أخلاقه طيبة , لأنه مرن نفسه على هذه الأخلاق حتى صارت كأنها من طباعه وغرائزه .
من حرفة مهينة , أو خلة رديئة : الخلة يعني الخصلة , والحرفة المهينة هي كل ما يحترفه الإنسان من عمل .
ثم ضرب لذلك أمثلة بقوله كالعُجب , أن يعجب الإنسان بنفسه , فإذا استنبط فائدة قال : هذه الفائدة ما شاء الله أنا استنبطتها هذه ما يستنبطها أكبر عالم , ثم أٌعجب بنفسه , ورأى نفسه كبيرا وانتفخ .
الرياء أن يرائي الناس بأن يتكلم في العلوم أمامهم حتى يروا أنه عالم فيقال : هذا عالم .
البطر: رد الحق , وهذه تحصل في المجادلات والتعصب لرأي من الآراء , أو لمذهب من المذاهب , تجده يغمط الآخرين يرد الحق لأنه خلاف ما يرى .
الخيلاء نتيجة العجب , يعني يُظهر نفسه بمظهر العالم الواسع العلم , ومن ذلك أن يكون للعلماء في بلد ما زيُّ خاص في اللباس, فيأتي هذا الإنسان البادئ بالعلم فيلبس لباس كبار العلماء ليظن الظان أنه من كبار العلماء , فهذا من الخيلاء. كذلك أيضا احتقار الآخرين , فالبطر هو احتقار الآخرين هو الكبر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : ((الكبر بطر الحق وغمط الناس)) . أي احتقارهم , وغِشْيَان مواطن الريب . يعني المواطن التي تكون محل الشك فيه وفي مروءته وأخلاقه يتجنبها. ((رحم الله امرءًا كف الغيبة عن نفسه)) , وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أطهر الخلق , قال للرجلين الأنصاريين وهو مع زوجه صفية رضي الله عنها , قال : إنها صفية . فكيف بغيره .
فالحاصل أنك لا تثق بنفسك وتقول إن الناس لن يظنوا بي شيئا , فأنت وإن كنت عند الناس بهذه المثابة , لكن الشيطان يلقي في قلوبهم الشر, حتى يتهموك بما أنت منه برئ , فتجنب مواطن الريب حتى تسلم من الريبة .
الأنفة من غير كبرياء : يعني أن يأنف الانسان من الأشياء المهينة التي توجب ضعته عند الناس لكن بدون كبرياء.
العزة في غير الجبروت : أن يكون عزيز النفس , قويا لكن من غير جبروت , بمعنى أن لا يذل أمام خصمه , عند المناظرة أو غير المناظرة , بل يتصور أنه غالب , لكن بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى الجبروت , فإنه إذا أدى إلى الجبروت صار خلقا ذميما . عكس ذلك من يكون ذليلا حتى وإن كان عنده علم لا يستطيع أن يناظر ولا أن يجادل , ولا أن يتكلم مع الغير فتجده يُهزم حتى في مواطن الحق التي أصاب فيها .
الشهامة في غير عصبية : واضحة أن يكون الإنسان شهما معتزا بنفسه لكن من غير عصبية , لا يقول أنا من القبيلة الفلانية ولي شهامة , أنا من تميم ، أنا من قريش ، أنا من كذا، أنا من كذا .
والحمية في غير جاهلية : أن يكون عند الإنسان حمية وغيرة , لكن في الحق لا في الجاهلية .

يتبع ان شاء الله

رِواءْ
25 - 11 - 2009, 11:36 PM
القارئ :
الأمر العاشر - هَجْرُ التَّرَفُّهِ :
لا تَسْتَرْسِلْ في ( التَّنَعُّمِ والرفاهِيَةِ )؛ فإنَّ ( البَذاذةَ من الإيمانِ ) وخُذْ بوَصيةِ أميرِ المؤمنينَ عمرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللهُ عَنْهُ في كتابِه المشهورِ وفيه : ( وإِيَّاكُم والتنَعُّمَ وزِيَّ العَجَمِ ، وتَمَعْدَدُوا واخْشَوْشِنُوا .... ) .
الشيخ :
لا تسترسل في التنعم والرفاهية، وهذه النصيحة تقال لطالب العلم ولغير طالب العلم , لأن الاسترسال في ذلك مخالف لإرشاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم , فقد كان ينهى عن كثرة الإرفاه ويأمر بالاحتفاء أحيانا, والإنسان الذي يعتاد الرفاهية يصعب عليه معالجة الأمور , لأنه قد تأتيه الأمور على وجه لا يتمكن معه من الرفاهية ولنضرب لذلك مثلا بهذا المثل الذي ذكرناه في الحديث يأمر بالاحتفاء أحيانا , بعض الناس لا يحتفي , دائما عليه جورب وعليه خف وعليه نعل , لا يكاد يمشي هذا الرجل لو عرض له عارض وقيل له تمشي 500 متر بدون وقاية للرجل لوجدت ذلك يشق عليه مشقة عظيمة , وربما تدمى قدمه من مماسة الأرض , لكن لو عوَّد نفسه على الخشونة وعلى ترك الترفه دائما , لحصل له خير كثير .
ثم إن البدن إذا لم يعود على مثل هذه الأمور لم يكن عنده مناعة , فتجده يتألم من أي شيء من ذلك , لكن إذا كان عنده مناعة لا يهتم له ولهذا تجد أيدي العمال الآن أقوى بكثير من أيدي طلبة العلم , لأنها تعودت واعتادت على ذلك حتى إن بعض العمال فيما سبق لما كانوا يعانون الطين واللبن إذا مسست أيديهم كأنما مسست حجرا من خشونتها , لو أنه ضم أصابعه على يدك لآلمك كثيرا لإنه اعتاد على ذلك.
فترفيه الإنسان نفسه كثيرا لا شك أنه ضرر عليه كبير .
قوله : " البذاذة من الإيمان " ما هي البذاذة ؟
البذاذة : عدم التنعم والترفه , وليست البذاءة , فرق بين البذاءة وبين البذاذة .
البذاءة صفة غير محمودة , أما البذاذة فهي صفة محمودة .
وخذ بوصيه أميرالمؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كتابه المشهور، وفيه: وإياكم وزي العجم .
هذه الجمله تحذيرية , لأن العرب عندهم جمل تحذيرية وعندهم جمل إغرائية . فإن وردت في مطلوب فهي إغراء , وإن وردت في محذور فهي تحذير .
فلو قلت لشخص : الأسد الأسد , هذا تحذير .
وإن قلت : الغزال الغزال, هذا إغراء .
أما (إيَّا) فهي للتحذير .
قال ابن مالك :
إياك والشر ونحوه نصب = محذر بما استتاره وجب
ومعنى إياكم : أحذركم .
والتنعم : هذه الواو للعطف , وقيل للمعية , والمعنى : أحذركم مع التنعم يعني أن تكونوا مع التنعم , التنعم باللباس وبالبدن وكل شيء, والمراد بذلك كثرته .
لأن التنعم بما أحل الله على وجه لا إسراف فيه , من الأمور المحمودة بلا شك .
ومن ترك التنعم بما أحل الله من غير سبب شرعي , فهو مذموم .
وقوله: وزي العجم ، ما هو زي العجم ؟ شكله . سواء كان ذلك في الحلية كشكل الشعر شعر الرأس أو اللحية أو ما أشبه ذلك أو كان باللباس يعني بالتحلي باللباس. فإننا منهيون عن زي العجم , وليس المراد بالعجم أمة إيران بل المراد بالعجم كل ما سوى العرب فيدخل فيه الأوربيون والشرقيون في آسيا وغيرها, كل من سوى العرب فهو عجم لكن المسلم من العجم التحق بالعرب حكما لا نسبا , لأنه اقتدى بمن بعث في الأميين رسولا , صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
تمعددوا : هل معناه كبروا معدتكم؟!لا، معد بن عدنان هذا أعلى أجداد الرسول عليه الصلاة والسلام بعد عدنان وهو ولا شك من صميم العرب فكأنه يقول: اتركوا زي العجم وعليكم بزي العرب (معد بن عدنان) .
وأما اخشوشنوا : فهو من الخشونة التي هي ضد الليونة والتنعم .
وكل هذه وصايا نافعة من عمر رضي الله عنه , لو أن الناس عملوا بها , سواء من طلبة العلم أو غير طلبة العلم , لكان في هذا خير كثير .
لكن الآن في البلاد التي منَّ الله عليها بالأمن وطيب العيش وكثرة المال , صار الأمر بالعكس تماما, فالتنعم موجود لا يريد الإنسان إلا أن يركب مركبا مريحا ويبني قصرا مشيدا ولا يناله شيء من الأذى لا برد في برد ولا حر في حر ولا يريد أن يمسه شيء متنعم تماما.
ولهذا كثرت فيهم الأوبئة التي تترتب على عدم الحركة , مثل السمنة والضغط وضيق التنفس وعدم القدرة ، يعني بعض الناس تجد الشاب تصعد أنت وهو الجبل ،لا ينتصف الجبل إلا وقد سارع نَفَسُه حتى يكاد يسقط بدنه, وأنت مستريح لأنك تعودت وهو لم يتعود مع أنه شاب لكن لم يعود نفسه , زي العجم الآن موجود يترقبون كل موضة تخرج حتى يقلدوها , وقد أتعبت النساء رجالها في هذا الباب تجدها تأتي صباح النهار كل يوم بلباس من أحسن الألبسة نظيف، ساتر , ثم تنزل إلى السوق في آخر النهار فإذا بموضة جديدة , فتصيح أريد أن أشتري هذا الثوب مع أنه أضيق من الأول وأسوأ من الأول ولكن هذا شيء جديد، لا بد من الإعجاب به لا بد من أن تأخذ منه , خصوصا من منَّ الله عليها بالمال كبعض المدرسات وغيرهم , فتجدها لا يهمها تشتري ما تريد , وهذا غلط .
ولهذا كثرت الآن بين أيدي النساء مجلات تسمى البردة , تأخذها المرأة وتنظر ما يروق لها حتى وإن كان لباسا لا يتناسب مع اللباس الشرعي , لكنه جديد، نسأل الله السلامة والهداية .
القارئ :

وعليه فازْوَرَّ عن زَيْفِ الحضارةِ فإنه يُؤَنِّثُ الطِّباعَ ويُرْخِي الأعصابَ ويُقَيِّدُك بِخَيْطِ الأَوْهَامِ ويَصِلُ المُجِدُّونَ لغاياتِهم وأنتَ لم تَبْرَحْ مكَانكَ، مَشْغُولٌ بالتأَنُّقِ في مَلْبَسِكَ وإن كان منها شِيَاتٌ ليست مُحَرَّمَةً ولا مَكروهةً لكن ليست سَمْتًا صالحًا والحِلْيَةُ في الظاهرِ كاللِّباسِ عُنوانٌ على انتماءِ الشخصِ بل تَحديدٌ له ، وهل اللِّباسُ إلا وَسيلةٌ من وسائلِ التعبيرِ عن الذاتِ ؟!
فكُنْ حَذِرًا في لِباسِكَ؛ لأنه يُعَبِّرُ لغَيْرِكَ عن تَقْوِيمِك في الانتماءِ والتكوينِ والذوْقِ ، ولهذا قِيلَ : الْحِلْيَةُ في الظاهِرِ تَدُلُّ على مَيْلٍ في الباطِنِ والناسُ يُصَنِّفُونَكَ من لِباسِك بل إنَّ كيفِيَّةَ اللُّبْسِ تُعْطِي للناظِرِ تَصنيفَ اللابسِ من : الرصانةِ والتعَقُّلِ أو التَّمَشْيُخِ والرَّهْبَنَةِ أو التصابِي وحُبِّ الظهورِ، فخُذْ من اللِّباسِ ما يَزينُك ولا يَشينُك ولا يَجْعَلْ فيكَ مَقالًا لقائلٍ ولا لَمْزًا لِلَامِزٍ ، وإذا تلاقَى مَلْبَسُك وكيفيَّةُ لُبْسِك بما يَلتَقِي مع شَرَفِ ما تَحْمِلُه من العِلْمِ الشرعيِّ كان أَدْعَى لتعظيمِك والانتفاعِ بعلْمِك، بل بِحُسْنِ نِيَّتِك يكونُ قُرْبَةً إنه وسيلةٌ إلى هِدايةِ الْخَلْقِ للحَقِّ . وفي المأثورِ عن أميرِ المؤمنينَ عمرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللهُ عَنْهُ : ( أَحَبُّ إليَّ أن أَنْظُرَ القارِئَ أبيضَ الثيابِ ) . أي : ليَعْظُمَ في نفوسِ الناسِ فيَعْظُمَ في نفوسِهم ما لَدَيْهِ من الْحَقِّ .
والناسُ – كما قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رَحِمَه اللهُ تعالى – كأسرابِ الْقَطَا ، مَجبولون على تَشَبُّهِ بعضِهم ببَعْضٍ . فإيَّاكَ ثم إيَّاكَ من لِباسِ التصابِي، أمَّا اللِّباسُ الإفرنجيُّ فغَيرُ خافٍ عليك حُكْمُه ، وليس معنى هذا أن تأتِيَ بلِباسٍ مُشَوَّهٍ لكنه الاقتصادُ في اللِّباسِ برَسْمِ الشرْعِ ، تَحُفُّه بالسمْتِ الصالحِ والْهَدْيِ الْحَسَنِ .
وتَطْلُبُ دلائلَ ذلك في كتُبِ السنَّةِ والرِّقاقِ ، لا سِيَّمَا في ( الجامعِ ) للخطيبِ .
ولا تَسْتَنْكِرْ هذه الإشارةَ فما زالَ أهلُ العِلْمِ يُنَبِّهُون على هذا في كُتُبِ الرِّقاقِ والآدابِ واللِّباسِ ، واللهُ أَعْلَمُ .
الشيخ :
لما ذكر , وفقه الله , هجر الترفه , أطنب في ذكر اللباس , لأن اللباس الظاهر عنوان على اللباس الباطن .
ولهذا يمر بك رجلان كلاهما عليه ثوب مثل الآخر, فتزدري أحدهما ولا تهتم بالآخر, تزدري بمن لباسه ينبغي أن يكون على غير هذا الوجه . إما في الكيفية وإما في اللون وإما في الخياطة أو غير ذلك , والثاني لا ترفع به رأسا ولا ترى في لباسه بأسا , لأن لكل قالب ما يناسبه .
مثلا لبس العقال : هو في الأصل لا بأس به , بل إن بعضهم يقول: إنه العمامة العصرية , العمامة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كانت لفافة تطوى على الرأس وتحتاج إلى تعب في طيها ونقلها, لكن هذا مطوي جاهز ليس عليك إلا أن تضعه على رأسك , فهو العمامة إلا أنها عمامة ميسرة , ولهذا كان بعض الناس فيما سبق يجعلون ( العُقُل ) يجعلونها بيضاء لتكون كالعمامة تماما , هذه العُقُل لا يلبسها كل الناس على حد سواء , يمر بك رجلان كلاهما قد لبس العقال أحدهما تزدريه والثاني لا تهتم به , لأن الأول لبس ما لا يلبسه مثله والثاني لبس ما يلبسه مثله ولا تهتم به .
وأشياء كثيرة من هذا النوع، مر بك رجلان أحدهما ميكانيكي عليه بنطلون ومر بك عالم كبير عليه بنطلون في بلد لا يلبس العلماء مثله, تجد أنك تزدري الثاني ولا تزدري الأول .
فالمهم أن الشيخ وفقه الله , يقول إن بعض الناس يكون مشغولا بالتأنق في ملابسه , حتى وإن كانت مباحة , فلا ينبغي أن يكون أكبر همك الهندمة والتأنق في اللباس , والتأنق في لبس الغترة (واجعلها مرزاب لا مرزابين ولا ثلاثة) لا تهتم بهذا , ولكن لا تكون أيضا بالعكس , لا تهتم بنفسك ولا بلباسك , وقد سبق أن التجمل في اللباس مما يحبه الله عز وجل , وهذا عمر رضي الله عنه يقول : أحب إلي أن أنظر القارئ أبيض الثياب . لأنه جمال.
وقول الشيخ بكر أبي زيد , وفقه الله : (إنه يعبر لغيرك عن تقويمك، في الانتماء، والتكوين، والذوق)؛ هذا أيضا صحيح لأن كل إنسان قد يزن من لاقاه بحسب ما عليه من اللباس , كما أنه يزنه بالنسبة لحركاته وكلامه وأقواله , وخفته ورزانته كذلك في اللباس .
ثم حذر من لباس التصابي، قبلها كلام شيخ الإسلام أيضا كلام مهم: الناس كأسرابِ الْقَطَا ، مَجبولون على تَشَبُّهِ بعضِهم ببَعْضٍ . وهذا صحيح ولذلك إذا ظهر نوع جديد من اللباس تجد الناس يتقاطرون عليه فما تلبث أن يسع الناس كلهم .
أما لباس التصابي , بأن يلبس الشيخ الكبير سنا ما يلبسه الصبيان , من رقيق الثياب وما أشبه ذلك فهذا أيضا من الأمور التي لا ينبغي للإنسان أن يمارسها .
أما اللباس الإفرنجي فغير خاف عليك حكمه , ما هو حكمه ؟
التحريم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((من تشبه بقوم فهو منهم)) .
لكن ما هو اللباس الإفرنجي ؟ اللباس الإفرنجي هو المختص بهم بحيث لا يلبسه غيرهم , وإذا رآه الرائي قال: إن لابسه من الإفرنج , وأما ما كان شائعا بين الناس , من الإفرنج وغير الإفرنج , فهذا لا يكون من التشبه , لكن قد يحرم من جهة أخرى مثل أن يكون حريرا بالنسبة للرجال , أو قصيرا بالنسبة للنساء أو ما أشبه ذلك , ثم لما خاف أن يمضي الذهن بعيدا قال : وليس معنى هذا أن تأتي بلباس مشوه، يعني ليس معنى ما قاله أن الإنسان يأتي باللباس المشوه كما يفعله بعض الناس , إظهارا للزهد . تجد ثوبه يشق يقول: دعه، ما يهتم به ويتسخ يقول لا يهم أنا مآلي للتراب والأرض تأكل الكفن وتوسخ الجسد ما يهم, أو مثلا يأتي وغترته غير مرتبه ولا يبالي، الجانب هذا قليل والجانب هذا كثير ويمشي بدون مبالاة هذا ليس طيبا, الإنسان ينبغي أن يعتني بنفسه ولا يأتي بما يكون هزءا في حقه, لأنه مأمور بأن يدفع الغيبة عن نفسه ((رحم الله امرءا كف الغيبة عن نفسه))

يتبع ان شاء الله

رِواءْ
25 - 11 - 2009, 11:41 PM
القارئ:
الأمر الحادي عشر: الإعراضُ عن مَجَالِسِ اللَّغْوِ :
لا تَطَأْ بِساطَ مَن يَغْشُونَ في نادِيهم الْمُنْكَرَ ، ويَهْتِكُون أستارَ الأَدَبِ مُتَغَابِيًا عن ذلك ، فإنْ فعَلْتَ ذلك فإنَّ جِنايَتَكَ على العِلْمِ وأَهْلِه عظيمةٌ .
الشيخ:
أما قوله: (الإعراض عن مجالس اللغو) فاللغو نوعان: لغو ليس فيه فائدة ولا مضرة، ولغو فيه مضرة أما الأول فلا ينبغي للعاقل أن يُذهب وقته فيه لأنه خسارة وأما الثاني فإنه يحرم عليه أن يمضي وقته فيه لأنه منكر محرم والمؤلف كأنه حمل الترجمة على المعنى الثاني الذي هو اللغو المحرم ولا شك أن المجالس التي تشتمل على المحرم لا يجوز للإنسان أن يجلس فيها لأن الله تعالى يقول: { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم } فمن جلس مجلسا منكر وجب عليه أن ينهى عن هذا المنكر فإن استقامت الحال فهذا المطلوب وإن لم تستقم وأصروا على منكرهم فالواجب أن ينصرف خلافا لما يتوهمه بعض العامة يقول: إن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (( فإن لم يستطع فبقلبه )) وأنا كاره لهذا المنكر في قلبي وهو جالس مع أهله فيقال له: لو كنت كارها له حقًا ما جلست معهم لأن الإنسان لا يمكن أن يجلس على مكروه إلا إذا كان مكرها، أما شيء تكرهه وتجلس باختيارك فإن دعواك كراهته ليست بصحيحة، وقوله: (فإن فعلت ذلك فإن جنايتك على العلم وأهله عظيمة) أما كونه جنايته على نفسه فالأمر ظاهر، يعني لو رأينا طالب علم يجلس مجالس اللهو واللغو والمنكر فجنايته على نفسه واضحة وعظيمة، لكن كيف تكون جناية على العلم وأهله ؟ لأن الناس يقولون: هؤلاء طلبة العلم، هؤلاء العلماء، هذا نتيجة العلم، وما أشبه ذلك فيكون قد جنى على نفسه وعلى غيره.

يتبع ان شاء الله

رِواءْ
25 - 11 - 2009, 11:45 PM
القارئ:
الأمر الثاني عشر الإعراضُ عن الْهَيْشَاتِ :
التَّصَوُّنُ من اللَّغَطِ والْهَيْشَاتِ ، فإنَّ الغَلَطَ تحتَ اللَّغَطِ ، وهذا يُنافِي أَدَبَ الطَّلَبِ .
الشيخ:
الهيشات يعني بذلك هيشات الأسواق كما جاء في الحديث التحذير منها لأنها تشتمل على لغط وسب وشتم وبعض طلبة العلم يقول أنا أقعد في الأسواق من أجل أن أنظر ماذا يفعل الناس؟ وماذا يكون بينهم؟ فنقول: هناك فرق بين الاختبار والممارسة يعني لو ذكر لك أن في السوق الفلاني كذا وكذا فهنا لا حرج عليك أن تذهب وتختبر بنفسك لكن لو كان جلوسك في هذا السوق مستمرا تمارسه كل عصر تروح تجلس في هذا السوق لكان هذا خطأ بالنسبة لك لأنه إهانة لك ولطلب العلم ولطلبة العلم عموما وللعلم الشرعي أيضا .
القارئ:
ومن لَطيفِ ما يُسْتَحْضَرُ هنا ما ذَكَرَه صاحبُ ( الوَسيطِ في أُدباءِ شِنْقِيطَ ) وعنه في ( مُعْجَمِ الْمَعاجِمِ ) .
( أنه وَقَعَ نِزاعٌ بينَ قَبيلتينِ ، فسَعَتْ بينَهما قَبيلةٌ أُخرى في الصُّلْحِ فتَرَاضَوْا بِحُكْمِ الشرْعِ وحَكَّمُوا عالِمًا فاستَظْهَرَ قتلَ أربعةٍ من قبيلةٍ بأربعةٍ قُتِلُوا من القبيلةِ الأخرى ، فقالَ الشيخُ بابُ بنُ أحمدَ : مثلُ هذا لا قِصاصَ فيه . فقالَ القاضي : إنَّ هذا لا يُوجَدُ في كتابٍ .فقالَ : بل لم يَخْلُ منه كتابٌ . فقالَ القاضي : هذا ( القاموسُ ) – يعني أنه يَدْخُلُ في عُمومِ كتابٍ - .
فتَنَاوَلَ صاحبُ الترجمةِ ( القاموسَ ) وَأَوَّلَ ما وَقَعَ نَظَرُه عليه : ( والْهَيْشَةُ الفتنةُ وأمُّ حُبَيْنٍ وليس في الْهَيْشاتِ قَوَدٌ ) أي : في القتيلِ في الفِتنةِ لا يُدْرَى قاتِلُه فتَعَجَّبَ الناسُ من مِثْلِ هذا الاستحضارِ في ذلك الموقِفِ الْحَرِجِ ) اهـ ملَخَّصًا .
الشيخ:
هؤلاء قبائل جرى بينهم فتنة فقتل من إحدى القبيلتين أربعة رجال فحضروا إلى القاضي فقال الشيخ واسمه باب بن أحمد: مثل هذا لا قصاص فيه قال القاضي الحاكم: إن هذا لا يوجد في كتاب، يعني أين الدليل على أنه لا قصاص فيه؟ لا يوجد، في أي كتاب أنه لا قصاص في ذلك، فقال الشيخ باب بن أحمد: بل لم يخل منه كتاب، فقال القاضي: هذا القاموس، يعنى أنه يدخل في عموم كتاب وهو قول باب بن أحمد: لم يخل منه كتاب كلمة (لم يخل منه كتاب) كلمة كتاب عامة تشمل كل الكتب، كتب الفقه والعقيدة والنحو والأدب وكل شيء؛ لأن كتاب نكرة في سياق النفي فتكون للعموم وهو يقول لم يخل منه كتاب، فقال القاضي: هذا القاموس، القاضي الآن يعني عنده ثقة بنفسه أنه لن يوجد في القاموس حكم هذه المسألة؛ لأن القاموس كتاب لغة وليس كتاب فقه، قال القاضي هذا القاموس وأنت تقول: لا يخلو منه كتاب، هذا القاموس أعطني إياها، يقول فتناول صاحب الترجمة القاموس وأول ما موقع نظره عليه والهيشة فتنة وأم حبين وليس في الهيشات قود، فأخذ من كتاب القاموس أن حكم القاضي بأنه يقتل من القبيلة الأخرى أربعة خطأ .
هذا معنى هذه القصة. أي: في القتيل في الفتنة لا يدرى قاتله فتعجب الناس من مثل هذا الاستحضار في ذلك الموقف الحرج انتهى ملخصا .
الهشية الفتنة وأم حبين من يعرف أم حبين ؟ هي دويبة لكنها تشبه الخنفساء، دوبية يعني ليست من الدواب القوية لكنها على كل حال هي دويبة من الحشرات .

يتبع ان شاء الله

رِواءْ
25 - 11 - 2009, 11:50 PM
القارئ:
الأمر الثالث عشر التحَلِّي بالرِّفْقِ :
الْتَزِم الرِّفْقَ في القوْلِ ، مُجْتَنِبًا الكلمةَ الجافيةَ فإنَّ الْخِطابَ اللَّيِّنَ يتَأَلَّفُ النفوسَ الناشِزَةَ .
وأَدِلَّةُ الكتابِ والسنَّةِ في هذا مُتكاثِرَةٌ .

الشيخ:
هذا من أهم الأخلاق لطالب العلم سواء أكان طالبا أم مطلوبا أي: معلما فالرفق كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله وما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء وإلا شانه)) لكن لا بد أن يكون الإنسان رفيقا من غير ضعف أما أن يكون رفيقا يمتهن ولا يأخذ بقوله ولا يهتم به فهذا خلاف الحزم لكن يكون رفيقا في مواضع الرفق وعنيفا في مواضع العنف ولا أحد أرحم من الخلق من الله عز وجل ومع ذلك يقول: { الزاني والزانية اجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله } فلكل مقام مقال لو أن الإنسان عامل ابنه بالرفق في كل شيء حتى فيما ينبغي فيه الحزم ما استطاع أن يربيه، لو كان ابنه مثلا كسر الزجاج وفتح الأبواب وشق الثياب ثم جاء الأب ووجده على هذه الحال قال : يا ولدي ما يصلح هذا لو شققته يتلف ولو كسرته تكون خسارة علينا وقمت تكلمه هكذا والولد عفريت من العفاريت، يكفي هذا أم لا يكفي؟ ما يكفي كل مقام له مقال (( مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر )) لكن إذا دار الأمر بين الرفق أو العنف فما الأفضل ؟ الرفق، فإن تعين العنف صار هو الحكمة .
يقول: مجتنبا الكلمة الجافية، هذا صحيح تجنب الكلمة الجافية والفعلة الجافية أيضا، وقوله: الخطاب اللين يتألف النفوس الناشزة، عندنا كلمة يقولها العامة لا أدري هل توافقون عليها أم لا: الكلام اللين يغلب الحق البين، لا بد أن نفهم المراد يغلب الحق البين يعني أن تليين الكلام للخصم ولو كان الحق معه فإنه يتنازل عن حقه، لأنكوليس معناه أن الكلام اللين يبطل الحق، يغلب الحق البين يعني فيما جاء به الخصم لانك إذا ألنت له الكلام لان لك وهذا شيء مشاهد إذا نازعت أحدا فسيشتد عليك ويزيد وإذا ألنت له القول فإنه يقرب منك ولهذا قال الله تعالى لموسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى}.



يتبع ان شا ءالله

رِواءْ
25 - 11 - 2009, 11:57 PM
القارئ:
الأمر الرابع عشر:
التأمُّلُ :
التَّحَلِّي بالتأمُّلِ.
فإنَّ مَن تَأَمَّلَ أَدْرَكَ ، وقيلَ : ( تَأَمَّلْ تُدْرِكْ ) .
وعليه فتَأَمَّلْ عندَ التَّكَلُّمِ : بماذا تَتَكَلَّمُ ؟ وما هي عائدتُه ؟ وتَحَرَّزْ في العِبارةِ والأداءِ دونَ تَعَنُّتٍ أو تَحَذْلُقٍ ، وتَأَمَّلْ عندَ المذاكرةِ كيفَ تَختارُ القالَبَ المناسِبَ للمعنى الْمُرادِ ، وتَأَمَّلْ عندَ سؤالِ السائلِ كيف تَتَفَهَّمُ السؤالَ على وجْهِه حتى لا يَحْتَمِلَ وَجهينِ ؟ وهكذا .
الشيخ :
التأمل الذي أراده :تأمل عند الجواب كيف يكون جوابك؟ هل هو واضح لا يحصل فيه لبس أو مبهم؟ وهل هو مفصل أو مجمل؟ حسب ما تقتضيه الحال المهم التأمل يريد بذلك التأني وألا تتكلم حتى تعرف ماذا تتكلم به وماذا ستكون النتيجة؟ ولهذا يقولون: لا تضع قدمك إلا حيث علمت السلامة يعني : الإنسان يخطو ويمشي لا يضع قدمه في شيء لا يدري أحفرة هو أم شوكا أم حصى أم نارا أم ثلجا حتى يعرف أين يضع قدمه، فالتأمل هذا مهم ولا تتعجل إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك ولهذا قال الشاعر الناظم :
قد يدرك المتأني بعض حاجته = وقد يكون مع المستعجل الزلل
وربما فات قوم جل أمرهم = مع التأني وكان الرأى لو عجلوا
فإذا دار الأمر بين أن أتأنى وأصبر أو أتعجل وأقدم فأيهما أقدم؟ الأول لأن القولة أو الفعلة إذا خرجت منك لن ترد لكن ما دمت لم تقل ولم تفعل فأنت حر تملك، فتأمل بماذا تتكلم به؟ وما هي فائدته؟ ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خير أو ليصمت )) تحرز في العبارة والأداء وهذا أيضا من أهم ما يكون يعني : لا تطلق العبارة على وجه تؤخذ عليك بل تحرز إما بقيود تضيفها إلى الإطلاق وإما بتخصيص تضيفه إلى العموم ولكن أقول دون تعنت أو تحذلق، تعنت يعني دون أن تشق على نفسك، النعنتوإما بشرط تقول إن كان كذا أو ما أشبه ذلك ولكن أقول دون تعنت أو تحذلق؛؛تعنت دون أن تشق على نفسك؛؛؛التعنت من العنت أو تحذلق يعني تدعي أنك حاذق وهذا التحذلق من الحذق مع زيادة اللام وإلا فالأصل أن اللام هنا ليست موجودة في تحذلق، وتَأَمَّلْ عندَ المذاكرةِ كيفَ تَختارُ القالَبَ المناسِبَ للمعنى الْمُرادِ، لعله أراد تأمل عند المذاكرة: يعني إذا كنت تذاكر غيرك في شيء وتناظره فاختر القالب المناسب للمعنى المراد، وتَأَمَّلْ عندَ سؤالِ السائلِ كيف تَتَفَهَّمُ السؤالَ على وجْهِه حتى لا يَحْتَمِلَ وَجهينِ ؟ وهكذا، وكذلك أيضا في الجواب وهو أهم لأن السؤال يسهل على المسؤول أن يستفهم من السائل: ماذا يريد ؟ أريد كذا وكذا فيتبين الأمر لكن الجواب إذا وقع مجملا فإنه يبقى عند الناس على تفاسير متعددة كل إنسان يفسر هذا الكلام بما يريد وبما يناسبه.

يتبع ان شاء الله

رِواءْ
26 - 11 - 2009, 12:02 AM
القارئ:
الأمر الخامس عشر والأخير: الثَّباتُ والتَّثَبُّتُ :
تَحَلَّ بالثباتِ والتَّثَبُّتِ لا سِيَّمَا في الْمُلِمَّاتِ والْمُهِِمَّاتِ ومنه : الصبرُ والثباتُ في التَّلَقِّي وطيُّ الساعاتِ في الطلَبِ على الأشياخِ ، فإنَّ ( مَن ثَبَتَ نَبَتَ ) .
الشيخ:
هذا أهم ما يكون في هذه الآداب هو التثبت، التثبت فيما ينقل من الأخبار والتثبت فيما يصدر منك من الأحكام فالأخبار إذا نقلت فلا بد أن تتثبت أولا هل صحت عمن نقلت إليه أو لا ،ثم إذا صحت فلا تحكم، تثبت في الحكم ربما يكون الخبر الذي سمعته يكون مبنيا على أصل تجهله أنت فتحكم بأنه خطا والواقع أنه ليس بخطأ، ولكن كيف العلاج في هذه الحال ؟ العلاج أن تتصل بمن نسب إليه الخبر وتقول نقل عنك كذا وكذا فهل هذا صحيح ثم تناقشه فقد يكون استنكارك ونفور نفسك منه أول وهلة سمعته لأنك لا تدري ما سبب هذا المنقول، ويقال: إذا علم السبب بطل العجب، فلا بد أولا من التثبيت ثم بعد ذلك تتصل بمن نقل عنه وتسأله هل صح ذلك أو لا ؟ ثم تناقشه فإما أن يكون هو على حق وصواب فترجع إليه أو يكون الصواب معك فيرجع إليه .
القارئ:
الأمر الخامس عشر الثَّباتُ والتَّثَبُّتُ :
تَحَلَّ بالثباتِ والتَّثَبُّتِ لا سِيَّمَا في الْمُلِمَّاتِ والْمُهِِمَّاتِ ومنه : الصبرُ والثباتُ في التَّلَقِّي وطيُّ الساعاتِ في الطلَبِ على الأشياخِ ، فإنَّ ( مَن ثَبَتَ نَبَتَ ) .
الشيخ:
الثبات والتثبيت هذان شيئان متشابهان لفظا لكنهما مختلفان معنى . فالثبات معناه الصبر والمصابرة وألا يمل ولا يضجر وألا يأخذ من كل كتاب نتفة أو من كل فن قطعة ثم يترك، لأن هذا هو الذي يضر الطالب يقطع عليه الأيام بلا فائدة إذا لم يثبت على شيء تجده مرة في الآجرومية ومرة في متن القطر ومرة في الألفية، في المصطلح: مرة في النخبة، ومرة في ألفية العراقي، ويتخبط، في الفقه: مرة في زاد المستقنع، مرة في عمدة الفقه، مرة في المغنى، مرة في شرح المهذب، وهكذا في كل كتاب وهلم جرا هذا في الغالب أنه لا يحصل علما، ولو حصل علما فإنما يحصل مسائل لا أصولا وتحصيل المسائل كالذي يلتقط الجراد واحدة بعد أخرى لكن التأصيل والرسوخ والثبات هذا هو المهم، اثبت بالنسبة للكتب التي تقرأ أو تراجع واثبت بالنسبة للشيوخ أيضا الذين تتلقى عنهم لا تكن ذواقا كل أسبوع عند شيخ كل شهر عند شيخ قرر أولا من ستتلقى العلم عنده، ثم إذا قررت ذلك فاثبت ولا تجعل كل شهر أو كل أسبوع لك شيخا، ولا فرق بين أن تجعل لك شيخا في الفقه وتستمر معه في الفقه وشيخا آخر في النحو وتستمر معه في النحو وشيخا آخر في العقيدة والتوحيد، وتستمر معه، المهم أن تستمر لا أن تتذوق وتكون كالرجل المطلاق كلما تزوج امرأة وجلس عندها سبعة أيام طلقها وذهب يطلب أخرى، هذا يبقى طول دهره لم يتمتع بزوجة ولم يحصل له أولاد في الغالب، أيضا التثبت كما قلنا قبل قليل أيضا من أهم الأمور إن لم يكن أهمها التثبت فيما ينقل عن الغير أمر مهم لأن الناقلين تارة تكون لهم إرادات سيئة ينقلون ما يشوه سمعة المنقول عنه قصدا وعمدا وتارة لا يكون عندهم إرادات سيئة لكنهم يفهمون الشيء على خلاف معناه الذي أريد به، ولهذا يجب التثبت فإذا ثبت بالسند ما نقل فحينئذ يأتي دور المناقشة مع من؟ مع صاحبه الذي نقل عنه قبل أن تحكم على هذا القول بأنه خطأ أو غير خطأ وذلك لأنه ربما يظهر لك بالمناقشة أن الصواب مع هذا الذي نقل عنه الكلام، وإلا من المعلوم أن الإنسان لو حكم على الشيء بمجرد السماع من أول وهلة لكان ينقل عنه أشياء تنفر منها النفوس عن بعض العلماء الذين يعتبرون منارات للعلم لكن عندما يتثبت ويتأمل ويتصل بهذا الشيخ مثلا يتبين له الأمر، ولهذا قال: (منه الصبر والثبات في التلقي وطي الساعات في الطلب على الأشياخ) هذا داخل في الثبات أم في التثبت؟ في الثبات (فإن من ثبت نبت) ومن لم يثبت لم ينبت، ولم يحصل على شيء .

رِواءْ
26 - 11 - 2009, 12:07 AM
تم بفضل الله الباب الآول آداب طالب العلم فى نفسه

هذا والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات حمدا طيبا مباركا فيه

وان كان من الصواب فلله الفضل وحده وان كان من الخطأ فمنى ومن

الشيطان

والله ورسوله منه بريئان

جزى الله أستاذتنا الغالية وفاء عنا خير الجزاء

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

يتبع الباب الثانى قريبا ان شاء الله

الله أسأل أن ينفعنى واياكنَ به

وأن يرزقنى الاخلاص فى القول والعمل

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المعتصمة بالله
27 - 11 - 2009, 10:13 AM
أخت رواء
بارك الله في جهدك
وهنيئا لك هذا الصبر في التلاخيص
زادك الله من فضله

رِواءْ
27 - 11 - 2009, 09:24 PM
القارئ:
الفصلُ الثاني :
كيفيَّةُ الطلَبِ والتلَقِّي

كيفيَّةُ الطلَبِ ومَراتِبُه :
( مَن لم يُتْقِن الأصولَ ، حُرِمَ الوُصولَ )
( ومَن رامَ العلْمَ جُملةً ، ذَهَبَ عنه جُمْلَةً )
وقيلَ أيضًا : ( ازدحامُ العِلْمِ في السمْعِ مَضَلَّةُ الفَهْمِ ) .
وعليه فلا بُدَّ من التأصيلِ والتأسيسِ لكلِّ فَنٍّ تَطْلُبُه ، بضَبْطِ أصْلِه ومُختصَرِه على شيخٍ مُتْقِنٍ ، لا بالتحصيلِ الذاتيِّ وَحْدَه ؛ وآخِذًا الطلَبَ بالتدَرُّجِ .
قالَ اللهُ تعالى : { وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا }
وقالَ تعالى : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا } . وقالَ تعالى : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ }.
الشيخ:
كيفية الطلب وهذا أيضا مهم ليبني الإنسان على أصول ولا يتخبط خبط عشواء يقول : (من لم يتقن الأصول حرم الوصول) وقيل بعبارة أخرى: من فاته الأصول حرم الوصول، لأن الأصول هي العلم والمسائل فروع، كأصل الشجرة وأغصانها إذا لم تكن الأغصان على أصل جيد فإنها تذبل وتهلك فلا بد من أن يبني الإنسان علمه على أصول فما هي الأصول ؟ هل هي الأدلة الصحيحة؟ أو هي القواعد والضوابط؟ أو هذا وهذا ؟ الثاني هو المراد، تبني على أصول من الكتاب والسنة وتبني على قواعد وضوابط مأخوذة بالتتبع والاستقراء من الكتاب والسنة ترجع إليها أحكام الكتاب والسنة وهذه من أهم ما يكون لطالب العلم مثلاً (المشقة تجلب التيسير) هذا أصل من الأصول مأخوذ من الكتاب والسنة، من الكتاب من قوله تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } من السنة قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعمران ابن حصين: ((صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب )).
وقال: (( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )) هذا أصل لو جاءتك ألف مسألة بصور متنوعة لأمكنك أن تحكم على هذه المسائل بناء على هذا الأصل، لكن لو لم يكن عندك هذا الأصل وتأتيك مسألتان أشكل عليك الأمر، كذلك أيضا يقول : (من رام العلم جملة ذهب عنه جملة) هذا أيضا له وجه صحيح إذا أراد الإنسان أن يأخذ العلم جميعا فإنه يفوته العلم جميعا، لا بد أن تأخذ العلم شيئا فشيئا كسلم تصعد إليه من الأرض إلى السقف ليس العلم مأكولا كتبت فيه العلوم فتأكله وتقول خلاص هضمت العلم، لا العلم يحتاج مرونة وصبر وثبات وتدرج ،وقيل أيضا (التحام العلم في السمع مضلة الفهم )يعني لكثرة ما تسمع من العلوم توجب أن تضل في فهمك وهذا أيضا ربما يكون صحيح أن الإنسان إذا ملأ سمعه مما يسمع أو ملأ بصره مما يقرأ ربما تزدحم العلوم عليه ثم تشتبك ويعجز عن التخلص منها.
وقال: (وعليه فلا بُدَّ من التأصيلِ والتأسيسِ لكلِّ فَنٍّ تَطْلُبُه، بضَبْطِ أصْلِه ومُختصَرِه على شيخٍ مُتْقِنٍ) ، لا بد من هذا (على شيخ متقن)، ليس على شيخ أعلى منك بقليل لأن بعض الناس إذا رأى طالبا من الطلبة يتميز عنهم بشيء من التميز جعله شيخه، وعنده شيوخ أعلم من هذا بكثير لكن يجعل هذا الصغير شيخه لأنه بزه في شيء من المسائل العلمية وهذا غير صحيح بل اختر المشايخ زوي الإتقان وأيضا نضيف إلى الإتقان وصف آخر وهو الأمانة، لأن الإتقان قوة والقوة لابد فيها من أمانة {إن خير من استأجرت القوي الأمين} ربما يكون العالم عنده إتقان وعنده سعة علم وعنده قدرة على التقريب وعلى التقسيم وعلى كل شيء لكن ليس عنده أمانة فربما أضلك من حيث لا تشعر، لا بالتحصيل الذاتي وحده، يعني لا تأخذ العلم بالتحصيل الذاتي يعني أن تقرأ الكتب فقط دون أن يكون لك شيخ معتمد ولهذا قيل: (من دليله كتابه خطؤه أكثر من صوابه) أو: (غلب خطأه صوابه) هذا هو الأصل، الأصل أن من اعتمد على التحصيل الذاتي وعلى مراجعة الكتب الغالب والأصل أنه يضل لأنه يجد بحرا لا ساحل له ويجد عمقا لا يستطيع التخلص فيه أما من أخذ عن عالم وشيخ فإنه يستفيد فائدتين عظيمتين،
الفائدة الأولى : قصر المدة
والفائدة الثانية قلة التكلف وهناك فائدة ثالثة
والفائدة الثالثة أن ذلك أحرى بالصواب؛ لأن هذا الشيخ قد علم وتعلم ورجح وفهم فيعطيك الشيء ناضجا لكنه يمرنك إذا كان عنده شيء من الأمانة يمرنك على المراجعة والمطالعة أما من اعتمد على الكتب فإنه لا بد يكرث جهوده ليلا ونهارا ثم إذا طالع الكتب التي يقارن فيها بين أقوال العلماء فسيقت أدلة هؤلاء وسيقت أدلة هؤلاء من يدله على أن هذا الأصوب ؟ يبقى متحيرا ولهذا نرى أن ابن القيم رحمه الله عندما يناقش قولين لأهل العلم سواء في زاد المعاد أو في أعلام الموقعين إذا ساق أدلة هذا القول وعلله تقول خلاص هذا هو القول الصواب ولا يجوز العدول عنه بأي حال من الأحوال ثم ينقض ويأتي بالقول المقابل ويذكر أدلته وعلله فتقول هذا هو القول الصواب، الأول ما عنده علم لكن لا بد من أن يكون قراءتك على شيخ متقن أمين.
قال: وآخِذًا الطلَبَ بالتدَرُّجِ . ثم استدل بالآيات:
قالَ اللهُ تعالى : { وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا }، { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا } .
قوله: { لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً }.
المعروف أن نزل لما ينزل شيئا فشيئا، وأن أنزل لما نزل جملة واحدة، فلماذا قال الذين كفروا: (لولا نزل) ولم يقولوا (لولا أنزل) علينا القرآن جملة واحدة؟ نقول قالوا ذلك باعتبار واقع القرآن أنه منزل شيئا فشيئا وقوله: { كذلك } الجار والمجرور متعلق بمحذوف والتقدير: أنزلناه، كذلك وجملة (لنثبت) تعليل متعلق بالفعل المحذوف . وقال تعالى : { الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} (الذين آتيناهم الكتاب) يعني أعطيناهم إياه، وأنزلناه إليهم يتلونه حق تلاوته والتلاوة هنا تشمل التلاوة اللفظية والتلاوة الحكمية، فأما التلاوة اللفظية يعني يقرأوه بألسنتهم، وأما التلاوة الحكمية بأن يصدقوا بأخباره ويلتزموا بأحكامه، وقوله {حق تلاوته} من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، يعني تلاوة الحقة الصحيحة .
القارئ:
فأمامَك أمورٌ لا بُدَّ من مُراعاتِها في كلِّ فنٍّ تَطْلُبُه :
أولا: حفْظُ مُخْتَصَرٍ فيه .
ثانيا: ضبْطُه على شيخٍ متْقِنٍ .
ثالثا: عدَمُ الاشتغالِ بالْمُطَوَّلاتِ وتَفاريقِ الْمُصَنَّفاتِ قبلَ الضبْطِ والإتقانِ لأَصْلِه .
رابعا: لا تَنْتَقِلْ من مُخْتَصَرٍ إلى آخَرَ بلا مُوجِبٍ ، فهذا من بابِ الضَّجَرِ .
خامسا: اقتناصُ الفوائدِ والضوابِطِ العِلْمِيَّةِ .
سادسا: جَمْعُ النفْسِ للطلَبِ والترَقِّي فيه ، والاهتمامُ والتحَرُّقُ للتحصيلِ والبلوغِ إلى ما فوقَه حتى تَفيضَ إلى الْمُطَوَّلاتِ بسَابِلَةٍ مُوَثَّقَةٍ .
الشيخ:
هذه أمور لا بد من مراعاتها كما قال الشيخ
(أولا : حفظ مختصر فيه)، فمثلا إذا كنت تطلب النحو فاحفظ مختصرا فيه إن كنت مبتدأ فلا أرى أحسن من متن الآجرومية لأنه واضح وجامع وحاصر وفيه بركة، ثم متن الألفية ألفية ابن مالك لأنها خلاصة علم النحو كما قال هو نفسه:
أحصى من الكافية الخلاصة = كما اقتضى فنا بلا خصاصة
وفي الفقه احفظ زاد المستنقع لأن هذا الكتاب مخدوم بالشروح والحواشي والتدريس وإن كان بعض المتون الأخرى أحسن منه من وجه لكنه هو أحسن منهما من وجه آخر من حيث كثرة المسائل الموجودة فيه ومن حيث أنه مخدوم بالشروح والحواشي وغير ذلك .
في الحديث: متن عمدة الأحكام وإن ترقيت فبلوغ المرام وإذا كنت تقول إما هذا أو هذا فبلوغ المرام أحسن لأنه أخصر ولأن الحافظ ابن حجر رحمه الله يبين درجة الحديث وهذا مفقود بالنسبة لعمدة الأحكام وإن كان درجة الحديث فيها معروفة لأنه لم يضع في هذا الكتاب إلا ما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم .
في التوحيد: من أحسن ما قرأنا كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن الوهاب وقد يسر الله تعالى في الآوانة الأخيرة من خرج أحاديثه وبين ما في بعضها من ضعف والحق أحق أن يتبع .
في الأسماء والصفات: من أحسن ما ألف فيما قرأت العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية فهي كتاب جامع مبارك مفيد وهلم جرا خذ من كل فن تريد طلبه كتابا مختصرا فيه واحفظه ثانيا ضبطه على شيخ متقن، ولو قال: ضبطه وشرحه لكان أولى لأن المقصود ضبطه وتحقيق ألفاظه وما كان زائدا أو ناقصا وكذلك الشرح، استشرح هذا المتن على شيخ متقن وكما قلنا فيما سبق إنه يجب أن يضاف إلى الإتقان صفة أخرى وهي الأمانة لأن هذه من أهم ما يكون وأنتم تعلمون أن ذكر القوة والأمانة في القرآن متعدد لأن عليهما مدار العمل فقد قال العفريت من الجن { أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين } وقال صاحب مدين ، بل قالت ابنته: { يا أبت استئجره إن خير من استأجرت القوي الأمين } وقال الله تعالى في وصف جبريل: {ذي قوة عند ذي العرض مكين مطاع ثم أمين} فعلى هذين الوصفين القوة والأمانة تبنى الأعمال كلها فلا بد من شيخ متقن ويكون أمينا،
الثالث :عدم الاشتغال بالمطلولات وهذه أعني الفقرة الثالثة مهمة جدا لطالب العلم أن يتقن المختصرات أولا حتى ترسخ العلوم في ذهنه ثم بعد ذلك يفيض إلى المطلولات لكن بعض الطلبة قد يغرب فيطالع المطولات ثم إذا جلس مجلسا قال: قال صاحب المغني قال صاحب المجموع قال صاحب الإنصاف قال صاحب الحاوي ليظهر أنه واسع الاطلاع وهذا خطأ نحن نقول ابدأ بالمختصرات أولا حتى ترسخ العلوم في ذهنك ثم إذا من الله عليك فاشتغل بالمطولات ولهذا قال: عدم الاشتغال بالمطولات وتفاريق المصنفات قبل الضبط والإتقان لأصله أي لأصل ذلك العلم وانتبه لهذه المسألة إياكم أن تشغلوا أنفسكم بالمطولات قبل إتقان ما دونها وقياس ذلك في الأمر المخصوص أن ينزل من لم يتعلم السباحة إلى بحر عميق فإنه لا يستطيع أن يتخلص فضلا عن أن يتقن .
الرابع : لا تنتقل من مختصر إلى آخر بلا موجب فهذا من باب الضجر . وهذه أيضا آفة يعني التنقل من مختصر إلى آخر أو من كتاب فوق المختصر إلى آخر هذه آفة عظيمة تقطع على الطالب طلبه وتضيع عليه أوقاته، كل يوم له كتاب بل كل ساعة له كتاب، هذا خطأ إذا عزمت على أن يكون قرارك الكتاب الفلاني فاستمر لا تقل أقرأ كتابا أو فصلا من هذا الكتاب ثم أنتقل إلى آخر فإن هذا مضيعة للوقت ويقول : بلا موجب . أما إذا كان هناك موجب كما لو لم تجد أحد يدرسك في هذا المختصر ورأيت شيخا موثوقا في إتقانه وأمانته يدرس مختصر آخر فهذا ممكن لا حرج عليك أن تنتقل من هذا إلى هذا.
خامسا : اقتناص الفوائد والضوابط العلمية – وهذا أيضا من أهم ما يكون، الفوائد التي لا تكاد تطرأ على الذهن أو التي يندر ذكرها والتعرض لها أو التي تكون مستجدة تحتاج إلى بيان الحكم فيها هذه اقتنصها واضبطها بالكتابة قيد، لا تقل هذا أمر معلوم عندي ولا حاجة أن أقيده أنا إن شاء الله ما أنساه فإنك سرعان ما تنسى وكم من فائدة تمر بالإنسان فيقول هذه سهلة لا تحتاج إلى قيد ثم بعد مدة وجيزة يتذكرها ولا يجدها لذلك احرص على اقتناص الفوائد التي يندر وقوعها أو التي يتجدد وقوعها أما الضوابط فناهيك بها أيضا احرص على الاهتمام بالضوابط ومن الضوابط ما يذكره الفقهاء تعليلا للأحكام فإن كل التعليلات للأحكام الفقهية تعتبر ضوابط لأنها تنبني عليها الأحكام فهذه أيضا احتفظ بها ولولا أنني سمعت أن بعض الإخوان الآن يتتبع هذه الضوابط في الروض المربع ويحررها لقلت من الحسن أن نكلف طائفة منكم بالقيام بهذا العمل تتبع الروض المربع من أوله إلى آخره كل ما ذكر علة يقيدها لأن كل علة ينبني عليها مسائل كثيرة إذ أن العلة ضابط يدخل تحته جزئيات كثيرة مثلا : إذا قال: إذا شك في طهارة الماء من نجاسته فإنه يبني على اليقين هذه على كل حال تعتبر حكما وتعتبر ضابطا أيضا ، لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان إذا ما شك في نجاسة طاهر ، فهو طاهر، أو في طهارة نجس فهو نجس لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان ولو أن الإنسان كل ما مر عليه مثل هذه التعليلات حررها وضبطها ثم حاول في المستقبل أن يبني عليها مسائل جزئية لكان في هذا فوائد كثيرة له ولغيره .
سادسا: جَمْعُ النفْسِ للطلَبِ والترَقِّي فيه ، والاهتمامُ والتحَرُّقُ للتحصيلِ والبلوغِ إلى ما فوقَه حتى تَفيضَ إلى الْمُطَوَّلاتِ بسَابِلَةٍ مُوَثَّقَةٍ .
هذا أيضا مهم أن الإنسان يجمع نفسه للطلب فلا يشتتها يمينا ويسارا يوما يطلب العلم ثم يوم يفكر يقول أفتح مكتبة، الناس رزقهم الله ويوم ثان يقول أروح إلى بيع الخضار ، هذا ليس بصحيح اجمع النفس على الطلب ما دمت مقتنعا بأن هذا منهجك وسبيلك فاجمع نفسك عليه وأيضا اجمع نفسك على الترقي فيه لا تبقى ساكنا فكر فيما وصل إليه علمك من المسائل والدلائل حتى تترقى شيئا فشيئا واستعن بمن تثق به من زملائك وإخوانك إذا احتاجت المسألة إلى استعانة ولا تستحي أن تقول يا فلان ساعدني على تحقيق هذه المسألة بمراجعة الكتب الفلانية والفلانية، الحياء لا ينال العلم به أحد، فلا ينال العلم مستحي ولا مستكبر .
وقوله : (والاهتمامُ والتحَرُّقُ للتحصيلِ والبلوغِ إلى ما فوقَه) يعني معناه أن الإنسان يكون عنده شغف شديد تتحرق نفسه لينال ما فوق المنزلة التي هو فيها (حتى تَفيضَ إلى الْمُطَوَّلاتِ بسَابِلَةٍ مُوَثَّقَةٍ) . نعم.
القارئ:
وكان من رأيِ ابنِ العربيِّ المالِكِيِّ أن لا يَخْلِطَ الطالبُ في التعليمِ بينَ عِلْمَين وأن يُقَدِّمَ تعليمَ العربيَّةِ والشعْرِ والْحِسابِ ، ثم يَنتَقِلَ منه إلى القُرآنِ .
الشيخ:
(أن لا يخلط الطالب في التعليم بين علمين) وهذا ليس على إطلاقه بل يجب أن يقيد ولعله يكون قيده فإن لم يفعل بينا ما يحتاج إلى قيد .
القارئ:
لكن تَعَقَّبَه ابنُ خَلدونَ بأنَّ العوائدَ لا تُساعِدُ على هذا وأنَّ الْمُقَدَّمَ هو دراسةُ القرآنِ الكريمِ وحِفْظُه ؛ لأنَّ الوَلَدَ ما دام في الْحِجْرِ يَنقادُ للحُكْمِ ، فإذا تَجاوَزَ البُلوغَ ؛ صَعُبَ جَبْرُه .
أمَّا الْخَلْطُ في التعليمِ بينَ عِلمينِ فأَكْثَرَ ؛ فهذا يَختلِفُ باختلافِ المتعلِّمينَ في الفَهْمِ والنشاطِ .
الشيخ:
طيب ما معنى هذا؟ قوله رحمه الله: إنك تقدم تعليم العربية هذا قد يكون مسلما بالنسبة لمن لا ينطق العربية وذلك لأنه لا يمكن أن يعرف القرآن إلا إذا تعلم العربية لكن من كان عربيا فليس من المُسَلَّم أن نقول تعلم العربية بمعنى: توسع فيها والشعر والحساب، كيف نقدم الشعر والحساب على القرآن ؟ هذا ليس بمُسَلَّم، كذلك أيضا .
قوله: لا يجمع بين علمين، فيقال إن الناس يختلفون في الفهم والاستعداد فقد يكون سهلا على المرء أن يجمع بين علمين وقد يكون من الصعب أن يجمع بين علمين وكل إنسان طبيب نفسه فإذا رأى من نفسه قدرة وقوة فلا بأس أن يجمع بين علمين ولكن ليحذر النشاط أو نشاط البدء لأن نشاط البدء بمنزلة السفر، فإن بعض الناس أول ما يبدأ يجد نفسه نشيطا نشيطا نشيطا ثلاث مرات فيريد أن يلتهم العلوم جميعا فإذا به ينكث على الوراء لأنه كبر اللقمة ومن كبر اللقمة فلا بد أن يغص حتى لو وجدت من نفسك قدرة وقوة لا تكلفها ما لا تطيق اتزن حتى تستمر .
القارئ:
وكان من أهلِ العلمِ مَن يُدَرِّسُ الفقهَ الحنبليَّ في ( زادِ الْمُسْتَقْنِعِ ) للمبتدئينَ و (الْمُقْنِعِ ) لِمَن بعدَهم للخِلافِ المذهبيِّ ، ثم ( الْمُغْنِي ) للخِلافِ العالي ، ولا يَسْمَحُ للطبقةِ الأُولى أن تَجْلِسَ في دَرْسِ الثانيةِ . وهكذا ؛ دَفْعًا للتشويشِ.
الشيخ:
نعم صحيح من أهل العلم من يفعل ذلك إذا كان يدرس الفقه الحنبلي يدرس في زاد المستنقع لأن زاد المستنقع اختصار المقنع ثم ينتقل إلى تدريس المقنع؛ لأن المقنع فيه ذكر الروايتين والوجهين والقولين في المذهب بدون تعليل ولا دليل يطلع الطالب على أن هناك خلافا في المسائل وبعضهم ينتقل من بعد المقنع إلى الكافي، الكافي قبل المغني لأن الكافي يذكر فيه الخلاف المذهبي مع الأدلة وبهذا يمتاز عن المقنع فهو يذكر الخلاف ويذكر الأدلة سواء كانت الأدلة سمعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح أو عقلية من النظر ثم بعد ذلك المغني لأن الخلاف في المغني ليس مع أصحاب الإمام أحمد بل مع عامة المذاهب فيترقى من هذا إلى هذا، الموفق رحمه الله سلك هذا التدرج لكن له كتاب قبل المقنع سلم للمقنع وهو عمدة الفقه للموفق كتاب مختصر أقل بكثير من زاد المستقنع من حيث المسائل لكنها تشتمل على بعض الدلائل يعني ليست جافة كزاد المستقنع بل فيها أدلة . فالحاصل أنه ينبغي أن المعلم يرتقى بالطلبة درجة فدرجة حتى يتقنوا ما تعلموه.
قال: (ولا يسمح للطبقة الأولى أن تجلس في دروس الثانية وهكذا دفعا للتشويش)، لكني أنا في النقطة الأخير لا أستطيع ولهذا أجمع بين الصغير والكبير فيما ندرسه من الكتب ونقول هذا الصغير الآن يزحف ثم يبدأ يمشي شيئا فشيئا حتى تقله رجلاه وسبب ذلك أن الطلاب عندنا يتواردون شيئا فشيئا ولو راعينا الوافدين لأهملنا حق السابقين لو قلنا مثلا إذا جاء أناس جدد رجعنا في زاد المستقنع إلى كتاب الطهارة ووصلنا مثلا قل إلى كتاب الصلاة في هذه الفترة جاء العام الثاني وفد جماعة ماذا نعمل؟ رجعنا إلى الطهارة كان في هذا ظلم للسابقين ومعناه سنبقي دائم الأبد من أول الكتاب إلى الطهارة هذا ما يستقيم، لذلك نرجوا منكم العذر إلا أنه والحمد لله وجد من الطلبة السابقين من جلس للطلبة الوافدين في بعض المختصرات وهذا والحمد لله من نعمة الله على الجميع .
القارئ:
واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الْمُختصراتِ فالْمُطَوَّلَاتِ التي يُؤَسَّسُ عليه الطلَبُ والتلَقِّي لدى المشايخِ تَختَلِفُ غالبًا من قُطْرٍ إلى قُطْرٍ باختلافِ الْمَذاهِبِ وما نَشأَ عليه عُلماءُ ذلك الْقُطْرِ من إتقانِ هذا المختَصَرِ والتمَرُّسِ فيه دونَ غيرِه .
الشيخ:
هذه الفقرة صحيحة مثلا قد يكون الإنسان في بلد ينتحلون مذهب الشافعي ستجد العلماء يدرسون أو يبنون أصول تدريسهم على كتب الشافعي، في بلد ينهج فيه أهله مذهب الإمام أحمد تجد العلماء يدرسون كتب هذا المذهب وهلم جرا .
القارئ:
والحالُ هنا تَختلِفُ من طالبٍ إلى آخَرَ باختلافِ القرائحِ والفهومِ وقُوَّةِ الاستعدادِ وضَعْفِه ، وبُرودةِ الذِّهْنِ وتَوَقُّدِه .
الشيخ:
وهناك أسباب أخرى أيضا وهي قوة الاستعداد للعلم وتلقيه وضعف ذلك وكذلك كثرة المشاغل وقلتها، المهم أن الاختلاف وارد في كل شيء لكن ما ذكره أولاً مبني على الغالب فقد يكون من المبتدئين من يمكن أن تدرسه المقنع .

رِواءْ
27 - 11 - 2009, 09:27 PM
القارئ:
وقد كان الطلَبُ في قُطْرِنا بعدَ مَرحلةِ الكتاتيبِ والأخْذِ بحفْظِ القرآنِ الكريمِ يَمُرُّ بِمَراحلَ ثلاثٍ لدى المشايِخِ في دُروسِ المساجدِ : للمبتدئينَ ثم الْمُتَوَسِّطِينَ ، ثم الْمُتَمَكِّنِينَ .
ففي التوحيدِ : ( ثلاثةُ الأصولِ وأَدِلَّتُها ) و( القواعدُ الأربَعُ ) ، ثم ( كشْفُ الشُّبهاتِ ) ثم ( كتابُ التوحيدِ ) أربَعَتُها للشيخِ محمَّدِ بنِ عبدِ الوَهَّابِ رَحِمَه اللهُ تعالى ، هذا في توحيدِ العِبادةِ .
وفي توحيدِ الأسماءِ والصِّفاتِ : ( العقيدةُ الوَاسِطِيَّةُ ) ، ثم ( الْحَمَوِيَّةُ ) و ( التَّدْمُرِيَّةُ )؛ ثلاثتُها لشيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ رَحِمَه اللهُ تعالى ، فـ ( الطحاوِيَّةُ ) مع ( شَرْحِها ) .
وفي النحوِ : ( الآجُرُّومِيَّةُ ) ثم ( مُلْحَةُ الإعرابِ ) للحَريريِّ ، ثم ( قَطْرُ النَّدَى ) لابنِ هِشامٍ ( وألْفِيَّةُ ابنِ مالِكٍ ) مع ( شَرْحِها ) لابنِ عَقيلٍ .
وفي الحديثِ : ( الأربعينَ ) للنوويِّ ، ثم ( عُمْدَةُ الأحكامِ ) للمَقْدِسِيِّ ، ثم ( بُلوغُ الْمَرامِ ) لابنِ حَجَرٍ ، و ( الْمُنْتَقَى ) للمَجْدِ ابنِ تَيميةَ ؛ رَحِمَهم اللهُ تعالى ، فالدخولُ في قراءةِ الأمَّاتِ السِّتِّ وغيرِها .
وفي الْمُصطَلَحِ : ( نُخبَةُ الفِكَرِ ) لابنِ حَجَرٍ ، ثم ( أَلْفِيَّةُ العِراقيِّ ) رَحِمَه اللهُ تعالى .
وفى الفِقْهِ مَثَلًا : ( آدابُ المشيِ إلى الصلاةِ ) للشيخِ محمَّدِ بنِ عبدِ الوَهَّابِ ، ثم ( زادُ المستَقْنِعِ ) للحَجَّاويِّ رَحِمَه اللهُ تعالى أو ( عُمْدَةُ الفِقْهِ ) ثم ( الْمُقْنِعُ ) للخِلافِ المذهبيِّ ، و ( الْمُغْنِي ) للخِلافِ العالي ؛ ثلاثتُها لابنِ قُدامةَ رَحِمَه اللهُ تعالى .
وفي أصولِ الفقهِ : ( الوَرَقَاتُ ) للجُوَيْنيِّ رَحِمَه اللهُ تعالى ، ثم ( رَوضةُ الناظِرِ ) لابنِ قُدامةَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى .
وفي الفرائضِ : ( الرَّحْبِيَّةُ ) ثم مع شُروحِها ، و ( الفوائدُ الجلِيَّةُ ) وفي التفسيرِ ( تفسيرُ ابنِ كثيرٍ ) رَحِمَه اللهُ تعالى وفي أصولِ التفسيرِ : ( الْمُقَدِّمَةُ ) لشيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ رَحِمَه اللهُ تعالى .
وفي السيرةِ النبوِيَّةِ : ( مُخْتَصَرُها ) للشيخِ محمَّدِ بنِ عبدِ الوَهَّابِ وأَصْلُها لابنِ هِشامٍ ، وفي ( زادِ الْمَعادِ ) لابنِ القَيِّمِ رَحِمَه اللهُ تعالى .
وفي لِسانِ العَرَبِ : العنايةُ بأشعارِها ؛ كـ ( المعلَّقَاتِ السبْعِ ) والقراءةُ في ( القاموسِ ) للفيروزآباديِّ رَحِمَه اللهُ تعالى .

الشيخ:
يقول رحمه الله وأطال حياته في طاعته يقول: (ففي التوحيد: ثلاثة الأصول وأدلتها والقواعد الأربع ثم كشف الشبهات ثم كتاب التوحيد أربعتها للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله) هذا في توحيد العبادة يعني يبدأ بالأصغر فالأصغر، ثلاثة الأصول تدور عليها من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ أربعة قواعد أيضا تدور على قوله تعالى: { والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر .
كشف الشبهات شبهات بعض أهل الشرك التي أوردوها وأجاب عنها الشيخ رحمه الله بما تيسر وفي توحيد الأسماء والصفات العقيدة الواسطية التي ألقها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهي من أخصب كتب العقيدة وأحسن كتب العقيدة وسميت الواسطية نسبة إلى واسط لأن بعض قضاتها قدم إلى الشيخ رحمه الله وطلب منه أن يكتب ملخصا في عقيدة السلف فكتب هذه العقيدة المباركة. كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب .
قال : (ثم الحموية ثم التدمرية) والحموية والتدمرية: رسالتان أوسع من العقيدة الواسطية لكنها أجمع منهما لأنه ذكر فيها الأسماء والصفات والكلام على الإيمان باليوم الآخر وطريقة أهل السنة والجماعة ومنهجهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك فهي أجمع من التدمرية والحموية لكن التدمرية والحموية تمتازان بأنهما أوسع منها في باب الصفات يقول : (فـ) الفاء للترتيب (الطحاوية مع شرحها) . وهي معروفة وصارت شائعة منتشرة بين الناس الآن حيث قررت في الجامعة .
(في النحو الآجرومية) كتاب صغير في النحو لكنه مبارك وجامع، مقسم، سهل وأنا أنصح به كل مبتدئ في النحو أن يقرأها، كذلك أيضا ملحة الإعراب للحريري ثم قطر الندى لابن هشام وألفية ابن مالك مع شرحها لابن عقيل هكذا قال الشيخ بكر لكني أقول الآجرومية ثم (...) إلى الألفية أما أن نحشوا أذهاننا بكتب تعتبر كالتكرار لأولها فلا حاجة (ملحة الإعراب) هذه نظم فيها بيت مشهور عند الناس وهو قوله:
إن تجد عيبا فسد الخللا = فجل من لا عيب فيه وعلا
هذا منها وهو مشهور كثير من الكتاب الذين يكتبون الكتب العملية بالذات فيها سبق إذا انتهت قال
إن تجد عيبا فسد الخللا = فجل من لا عيب فيه وعلا
هذا منها وهو مشهور، كثير من الكتاب الذين يكتبون الكتب العلمية (...) فيما سبق إذا انتهى قال:
إن تجد عيبا فسد الخللا = فجل من لا عيب فيه وعلا
المهم أنا أختار الآجرومية ثم ألفية ابن مالك احفظها واستشرحها من رجل عالم بالنحو وفيها الخير الكثير، في الحديث الأربعين النووية وهذا طيب هذا الكتاب طيب لأن فيه آدابا ومنهجا جيدا وقواعد مفيدة جدا في حديث واحد يمكن أن يبني الإنسان حياته عليه (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) هذه قاعدة لو جعلتها هي الطريق الذي تمشي عليه وتسير لكانت كافية وفي النطق (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت)) فهي من أحسن ما ألف، ثم عمدة الأحكام للمقدسي ثم بلوغ المرام ) وأرى أن يقتصر على بلوغ المرام لأن عمدة الأحكام داخلة في بلوغ المرام أكثر أحاديثه موجودة في بلوغ المرام، بلوغ المرام أوسع منه وأشد تحريرا لكن:
إذا لم تستطع شيء فدعه = وجاوزه إلى ما تستطيع
إذا قال: أنا ما أستطيع أني أحفظ بلوغ المرام لاسيما وأن فيه رواه فلان وصححه فلان وضعفه فلان هذه (...)
قلنا له إذا لم تستطع شيئا فدعه عندك عمدة الأحكام زبدة، أي ساعة تريد أن تستدل خذ حديثا منها ولا حاجة أن تبحث عن صحته لأن أحاديثه منتخبة من البخاري ومسلم، (والمنتقى للمجد بن تيمية رحمهم الله) المنتقى أكبر من بلوغ المرام بكثير لكنه أضعف منه من حيث بيان مرتبة الحديث لا يذكر رحمه الله بيان مرتبة الحديث . نعم.
قال : (فالدخولُ في قراءةِ الأمَّاتِ السِّتِّ وغيرِها) ما هي الأمات الست؟ البخاري، ومسلم، أبو داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجة، وسميت أمهات لأنها مرجع الأحاديث ولهذا قال بعض العلماء: إذا رأيت حديثا في غير الأمهات فلا تحكم عليه حتى تحرره تخريجا لأن هذه الأمهات هي التي اشتهرت بين المسلمين وأخذوها وتلقوها بالقبول وإن كان فيها الضعيف وربما الموضوع أيضا، لكن اشتهرت واعتبرت عند المسلمين .
في المصطلح: نخبة الفكر لابن حجر، ثم ألفية العراقي رحمه الله) نخبة الفكر أظنها ثلاث صفحات تقريبا لكنها نخبة، يعني الإنسان إذا فهمها تماما وأتقنها تغني عن كتب كثيرة في المصطلح لأنها مضبوطة تماما وله طريقة غريبة في تأليفها وهي السبر والتقسيم، أكثر المؤلفات يأتي الكلام مرسلا يعني سلسلا لكن هو رحمه الله اخترع هذه الطريقة الخبر إما أن يكون له طرق محصورة بعدد أو غير محصورة والمحصورة بعدد كذا وكذا وكذا ثم (...) فتجد أن الإنسان إذا قرأها يجد نشاطا لأنها مبنية على إثارة العقل وأنا أشير على كل الطلبة أن تحفظوها لأنها خلاصة (...) نعم.
يقول: (ثم ( أَلْفِيَّةُ العِراقيِّ ) ألفية العراقي مطولة لكن أرى أن الإنسان يقتصر على فهمها وأنه لا حاجة إلى حفظها ثم قد يكون هناك متون أهم منها.
(وفى الفِقْهِ مَثَلًا : ( آدابُ المشيِ إلى الصلاةِ ) للشيخِ محمَّدِ بنِ عبدِ الوَهَّابِ ، ثم ( زادُ المستَقْنِعِ ) للحَجَّاويِّ رَحِمَه اللهُ تعالى أو ( عُمْدَةُ الفِقْهِ ) ثم ( الْمُقْنِعُ ) للخِلافِ المذهبيِّ ، و ( الْمُغْنِي ) للخِلافِ العالي ؛ ثلاثتُها لابنِ قُدامةَ رَحِمَه اللهُ تعالى ).
ثلاثتها يعني بذلك عمدة الفقه، المقنع، المغني.
لكن غيره ذكر أربعة وهي العمدة، ثم المقنع، ثم الكافي ثم المغني.
كفى الناس بالكافي وأقنع طالبا = بمقنع فقه عن كتاب مطول
وأغنى بمغني الفقه من كان طالبا = وعمدته من يعتمدها يحصل
ذكرت هذه الأربع في البيتين (...) فالعرب تقرأ القصيدة أكثر من خمسين بيتا ثم ينصرفون وقد حفظوها. نعم أعيدها؟ يقول:
كفى الناس بالكافي -يغني الموفق- وأقنع طالبا = بمقنع فقه عن كتاب مطول
وأغنى بمغني الفقه من كان طالبا = وعمدته من يعتمدها يحصل
أو قال: وأغنى بمغني الفقه من كان عالما نسيت أنا . (...)
(وفي أصولِ الفقهِ : ( الوَرَقَاتُ ) للجُوَيْنيِّ رَحِمَه اللهُ تعالى ، ثم ( رَوضةُ الناظِرِ ) لابنِ قُدامةَ) قفزة جيدة الورقات ورقات صغيرة لكن بعد هذا إلى روضة الناظر الفرق بينهما كبير لكن هناك كتب مختصرة في أصول الفقه وجيدة يمكن أن يعتمد الإنسان عليها وربما تغنيه أيضا عن روضة الناظر وأصول الفقه هي عبارة عن قواعد وضوابط يتوصل الإنسان بها إلى معرفة استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.
(وفي الفرائضِ : ( الرَّحْبِيَّةُ ) ثم مع شُروحِها، و ( الفوائدُ الجلِيَّةُ ) أما الرحبية فهي للرحبي وشروحها متعددة والفوائد الجلية للشيخ عبد العزيز بن باز لكن أرى أن البرهانية أحسن من الرحبية، البرهانية أجمع من الرحبية من وجه وأوسع معلوماتا من وجه آخر ففي مقدمتها ذكر الحقوق المترتبة على التركة .. أو المرتبة في التركة من بعد موت الإنسان يعني المتعلقة بالتركة ذكرها ولم تذكر في الرحبية ذكر أركان الإرث وشروط الإرث ولم تذكر في الرحبية ذكر (...) وذوي الأرحام ولم تذكر في الرحبية على أنها أخصر من الرحبية وأجمع، في باب الثلثين الرحبي ذكر أربعة أبيات والبرهاني ذكر بيتا واحدا فقال:
الثلثان لاثنتين استوتا = فصاعدا ممن له النصف أتى
بيت واحد
(الثلثان لاثنتين استوتا = فصاعدا ممن له النصف أتى
كل واحد له النصف إذا صار معها نظيرها صار لهما الثلثان ( طيب ) ولها شرح لابن سلوم مطول ومختصر مفيد جدا ولذلك أنا أرى أن البرهانية أحسن من الرحبية من الوجوه التي ذكرتها . نعم.
في التفسير يقول : (تفسير ابن كثير) وهو جيد بالنسبة للتفسير بالآثر لكنه قليل الفائدة بالنسبة لأوجه الإعراب والبلاغة وخير ما قرأت في أوجه الإعراب والبلاغة (الكشاف) للزمخشري وكل من بعده فهم عيال عليه أحيانا تجد عبارة الزمخشري منقولة نقلا، لكن تفسير الزمخشري فيه بلايا من جهة العقيدة لأنه معتزلي .
في أصول التفسير: (المقدمة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى) معروفة المقدمة في التفسير وهي كتاب مختصر جيد مفيد.
(في السيرة النبوية مختصرها للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وأصلها لابن هشام وفي زاد المعاد لابن القيم رحمه الله) لكن السيرة النبوية المختصرة والأصل مجرد تاريخ أما زاد المعاد فإنه تاريخ وفقه، فقه من السيرة قد يكون في التوحيد وقد يكون في الفقه في الأمور العملية.
(وفي لِسانِ العَرَبِ : العنايةُ بأشعارِها ؛ كـ ( المعلَّقَاتِ السبْعِ ) والقراءةُ في ( القاموسِ ) للفيروزآباديِّ رَحِمَه اللهُ تعالى) .
(العناية بأشعارها كالمعلقات السبع) المعلقات السبع قصائد من أجمع القصائد وأحسنها وأروعها اختارتها قريش لتعلق في الكعبة ولهذا تسمى المعلقات ولما ذكر ابن كثير رحمه الله اللامية لأبي طالب قال: هذه اللامية يحق أن تكون مع المعلقات لأنها أقوى منها وأعظم وفيها يقول أبو طالب:
لقد علموا أن ابننا لا مكذب = لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
يعني الرسول عليه الصلاة والسلام وهذه شهادة للرسول عليه الصلاة والسلام بأنه صادق لكن هذه الشهادة من أبي طالب لم تستلزم القبول والإذعان فلذلك لم تنفعه، وخذل عند موته بل كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: قل لا إله إلا الله ولكن لم يقل نسأل الله العافية.
يقول أيضا (القراءة في القاموس) لكن هل نقرأ في القاموس أو نراجع القاموس ؟ الثاني نراجع . أما نقرأ القاموس مهما قرأت ما تستفيد الفائدة المرجوة، لكن فيه مقدمات مشروحة جيدة في الصرف لو قرأها الإنسان يكون ذلك طيبا.
وهكذا من مراحل الطلب في الفنون.
(...)
سؤال: عندنا هنا من أصعب العلوم على أكثر الشباب علم اللغة (النحو والصرف) ودائما المشايخ ينصحوننا بأن نبدأ بالنحو في علم اللغة ولكن كثير من الشباب يتكاسل ولا يستمر فهل يبدأ بغيره قبله، كالفقه والأصول والمصطلح؟
الجواب: نعم ، لا بأس أن يبدأ بغيره قبله ولا يضر، كم من علماء فقهاء يشار إليهم بالأصابع يلحنون في فقههم لكن لا شك أن علم العربية يعينك على فهم القرآن والسنة ويجمل كلامك لأنك لو سمعت رجلا يقول: جاء زيدا راكبٌ، مججت هذا الكلام مع أن المعنى واضح عنده هو، وكثير من الناس يضيق صدره جدا إذا سمع قارئًا يلحن، ولكن قل للإخوان: إن النحو كما قاله مشائخنا عن النحو بابه من حديد وجوفه من قصب يعني أنه سهل ادخل الباب والباقي يكون سهلا عليك ، وهذه حقيقة لاسيما إذا وفق الإنسان لمعلم يكثر ضرب الأمثلة فإنه يسهل عليه علم النحو.
السؤال الثاني : كما بينتم حفظكم الله أن قراءة الشعر تقوي الجانب اللغوي عند الطالب، ما حكم قراءة أشعار العرب وفيها من الغزل وغيره ؟
جواب الشيخ :
أما الإنسان الذي لا يحركه هذا الغزل ، فلا بأس .
وأما الذي يحركه ويخشى على نفسه منه فليتجنبه.
سؤال : ما حكم وضع القرآن الآن في بدالة الهاتف بحيث يكون في وقت الانتظار أو وقت تحويل مكالمة إلى مكالمة يسمع المتصل شيء من القرآن أو أحيانا شريط موعظة أو غيره ؟
جواب الشيخ :
أما القرآن فلا أرى ذلك ، لأن هذا ابتذال للقرآن حيث نقضي به غرضا فقط ، ثم قد يستمع إليه من لا يقدره ولا يعظمه ويكرهه، لكن من الممكن أن تضع حكمة من الحكم . أو إذا كنت في مصلحة أو جهة تبين عمل هذه الجهة أو المؤسسة في أثناء الانتظار .
سؤال لأحد التجار: يقول إن عنده بضاعة من سراويل الرجال فوق الركبة قليلا وكذلك أغراض للنساء يمكن أن تستخدم داخل البيت ويمكن أن تستخدم خارج البيت يعني إذا استخدمت خارج البيت تكون فتنة وأما داخل البيت فتكون للزوج أو بين النساء فهل يجوز له أن يبيع مثل هذه الأغراض؟
الجواب: الشيء الذي يخشى أن يكون فتنة لا يجوز ، وأما السروال القصير للرجال فإذا كان من عادة الناس أن يلبسوا فوقه قميصا ساترا فلا بأس ، أما إذا كانوا لا يلبسون إلا قمصا خفيفة يتبين من ورائها لون الجلد فإنه لا يبيع هذه السراويل إلا على من تستر منه ما بين السرة والركبة.
(...)
سؤال: (...)
الجواب: أما المسألة الأولى فلا بد أن يكون للقصر ولي يتصرف بما يراه أنفع ، من قسم المال أو إبقائه على ما هو عليه وكل إنسان منهم يحتاج يعطى ما يحتاجه لكن يقيد من نصيبه وليس من الجميع. وأما الثانية فإنه إذا تنازل الأب فله أن يرجع لأن الأب يجوز له أن يرجع في هبته لابنه وأما الأم فليس لها أن ترجع (...) الجد ليس له أن يرجع ولا الأم.

سؤال: (...)
الجواب: إذا لم يكن لم ولي فوليهم القاضي.

سؤال: (...)
الجواب: هل آتاك الله علما؟ هل هو وحي؟ (...) يعني ما آتاه مثله في وجوب العمل ولهذا قال: (لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري يقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ) فأراد عليه الصلاة والسلام أنه مثله في العمل أي في وجوب العمل. (...) المماثلة متعذرة ليس مثل القرآن لا في الإعجاز ولا في الاحترام ولا في تحريمه على الجنب (...) لأن الرجل يقول: (ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) يعني ولا ألتفت للسنة، فقال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) (...) الرسول ما أوحي إليه فيها أشياء حكم بها وأنكرها الله عليه (...) بالعكس الأصل أن ما قاله ليس بوحي إلا ما دل عليه الدليل، لكن إقرار الله له يجعله حجة بمنزلة الوحي.

القارئ:
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد:

.... وهكذا من مَراحلِ الطلَبِ في الفُنونِ .

وكانوامع ذلكيَأخذون بجَرْدِ الْمُطَوَّلَاتِ ؛ مثلِ ( تاريخِ ابنِ جَريرٍ ) وابنِ كثيرٍ ؛وتفسيرِهما ، ويُرَكِّزُون على كُتُبِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ ، وتلميذِه ابنِالقَيِّمِ رَحِمَهما اللهُ تعالى . وكُتُبِ أئِمَّةِ الدعوةِ وفتاوِيهم لا سِيَّمَامُحَرَّرَاتِهم في الاعتقادِ .
الشيخ :
الشيخ بكر يتحدث عن الطلب في قطرنا ، وليس عن الطلب عموما ، ولهذا هذه الكتب التي عينها إنما هي في قطرنا وقد يكون ما يساويها أو يشابهها في الأقطار الأخرى على هذا النمط.
وأما قوله: (يركزون على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله) ، فهذا صحيح ، غالب المتأخرين يركزون عليهما ، وكان شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله يحثنا على قراءتهما ، أي قراءة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم لأن فيهما من التحقيق والتحرير والتقعيد ما لا يوجد في غيرهما.
وتحس وأنت تقرأ بأن كلامهما ينبع من القلب ، ولهذا يؤثر في زيادة الإيمان .
وأما تمثيله أيضا بتاريخ ابن جرير وابن كثير ، فهذا أيضا عند المراجعة لا بأس ، أما كون الإنسان يجعله قراءة يقرؤها فهذا طويل ربما يقطع عليه وقتا كثيرا .
وقوله: (كتب أئمة الدعوة) ، المراد بهم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وبنوه وأحفاده ، ومن تتلمذ عليهم .
المتن :
......... وهكذاكانت الأوقاتُ عامرةً في الطلَبِ ومجالِسِ العِلْمِ ، فبعدَ صلاةِ الفَجْرِ إلى ارتفاعِالضُّحَى ، ثم تكونُ القَيلولةُ قُبَيْلَ صلاةِ الظهْرِ ، وفي أعقابِ جَميعِالصلواتِ الخمْسِ تُعْقَدُ الدروسُ ، وكانوا في أَدَبٍ جَمٍّ وتَقديرٍ بعِزَّةِ نفْسٍ من الطَّرَفَيْنِ على مَنهجِ السلَفِ الصالِحِ رَحِمَهُم اللهُ تعالى ، ولذا أَدْرَكُوا وصارَ منهم في عِدادِ الأئِمَّةِ في العِلْمِ جَمْعٌ غَفيرٌ والحمدُللهِ ربِّ العالمينَ .فهلمن عودةٍإلى أصالةِ الطلَبِ في دِراسةِ المختَصَراتِ الْمُعتَمَدَةِ لا على المذَكَّرَاتِ ،وفي حِفْظِها لا الاعتمادِ على الفَهْمِ فحَسْبُ ، حتى ضاعَ الطلَّابُ فلا حِفْظَولا فَهْمَ.
الشيخ :
لا حول ولا قوة إلا بالله، قوله وفقه الله : الاعتماد على هذه المتون الأصيلة لا على المذكرات ، هذا صحيح ، لأن المذكرات قد يكون واضعها ممن لا يعرف من هذا الفن إلا معرفة سطحية ، فتجده يلتمس كلمات من هذا وكلمات من هذا وكلمات من هذا ، ولا يكون الكلام محررا متناسقا ، لكن هذه الكتب القديمة الأصيلة محررة متناسقة مخدومة.
وكذلك أيضا الحفظ هو الأصل ، علم بلا حفظ يزول سريعًا ، وكانوا بالأول يلعبون علينا لما كنا في الطلب ، يقولون لا تتعب نفسك في حفظ المتن عليك بالفهم ، الفهم الفهم، لكن وجدنا أننا ضائعون إذا لم يكن عندنا حفظ .
ما نفعنا الله تعالى إلا بما حفظنا من المتون ، ولولا أن الله نفعنا بذلك لضاع علينا علم كثير، فلا تغتر بمن يقول الفهم ، ولهذا هؤلاء الدعاة إلى الفهم لو سألتهم أو ناقشتهم لوجدتهم ضحلاء، ليس عندهم إلا علم ضحل ، (كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا} .
القارئ :
وفيخُلُوِّ التلقينِ من الزَّغَلِ والشوائبِ والكَدَرِ ،سيْرٌ على مِنْهَاجِ السلَفِ؟واللهُالْمُستعانُ.

الشيخ:
قوله: (خلو التلقين) : يعني تلقين العلم ، (من الزغل والشوائب والكدر ، سير على منهاج السلف) ، يعني ينبغي للعالم والمتعلم أن يكون التعليم والتعلم منهما خاليا من هذه العيوب، بل ينبغي أن يكون صافيا ، بحيث يكون المعلم يريد بذلك إيصال العلوم إلى الطلاب دون الاستعلاء عليهم أو إظهار علمه عليهم أو ما أشبه ذلك ، ويكون التلميذ كذلك واثقا مطمئنا إلى ما يقوله معلمه، لأنه إذا كان يتعلم منه يقول أنا أتعلم الآن ولكن إذا خرجت أبحث عن عالم آخر فكأنه لم يأخذ عن هذا العالم أخذ واثق ، أو (...) وهذا يضيعه بلا شك .
لكن إذا أخذ عن العلم أخذ مستفيد واثق ، ثم بعد ذلك إذا كبر وترعرع في العلم وصار عنده ملكة ، فلا مانع أن يخالف شيخه فيما يرى أن الصواب في خلافه . لكن مادام في زمن الطلب فليتكأ على من يتعلم على يديه وليأخذ كلامه بثقة واطمئنان ، حتى يرسخ، أما أن يأخذ ويقول: إذا خرج أبحث مع أناس أو مع طلاب علم هذا لا يصح أبدا ولا يستقيم للطالب طلب على هذا الوجه.
القارئ:
وقالَالحافظُ عثمانُ بنُ خُرَّزَاذَ (المتوفى سنة 282 هـ ) رَحِمَه اللهُ تعالى : ( يَحتاجُصاحبُ الحديثِ إلى خَمْسٍ ، فإن عُدِمَتْ واحدةٌ فهي نَقْصٌ : يَحتاجُ إلى عَقْلٍجَيِّدٍ ، ودِينٍ ، وضَبْطٍ ، وحَذَاقَةٍ بالصِّناعةِ مع أَمانَةٍ تُعْرَفُ منه. (قلتُ: أي الذهبيُّ : ( الأمانةُ جزءٌ من الدينِ ، والضبْطُ داخلٌ في الْحِذْقِ ، فالذييَحتاجُ إليه الحافظُ أن يكونَ تَقِيًّا ، ذَكِيًّا ، نَحْوِيًّا ، لُغَوِيًّا ،زَكِيًّا ، حَيِيًّا ، سَلَفِيًّا يَكفِيه أن يَكتُبَ بيَدَيْهِ مِئَتَي مُجَلَّدٍ، ويُحَصِّلَ من الدواوينِ الْمُعْتَبَرَةِ خَمْسَ مِئَةِ مُجَلَّدٍ وأن لايَفْتُرَ من طلَبِ العِلْمِ إلى الْمَمَاتِ بِنِيَّةٍ خالِصَةٍ ، وتوَاضُعٍ وإلافلا يَتَعَنَّ ) اهـ.
الشيخ :
هذه ثقيلة من الذهبي رحمه الله ، لو بقينا على كلام الحافظ عثمان بن خرزاد لكان أحسن.. يعني أهون علينا.
- الأمانة جزء من الدين ، فتدخل في قوله : (تحتاج إلى عقل جيد ودين).
- والضبط داخل في الحفظ ، يعني حذق الشيء بمعنى فهمه وأدركه جيدا. كم يبقى من الخمس؟ يبقى ثلاثة لكن دخل علينا أكثر من الثلاثة، - يحتاج إلى أن يكون تقيا ، هذا صحيح، والتقوى رأس كل عبادة وهي الأصل، والتقوى هي فعل أوامر الله واجتناب نواهيه لأن بذلك تكون الوقاية من عذاب الله.
- ذكيا يعني ليس غبيا ، ضد الذكاء الغباء بأن يكون عنده فطنة وكم من إنسان حافظ وليس بذكي ، وكان رجل ممن سبق حافظا جدا، سريع الحفظ، بطيء النسيان ، حفظ (الفروع) لابن مفلح ، وهي ثلاث مجلدات كبار، وهو حاوي لجميع الوفاق والخلاف وكان يحفظه كما يحفظ الفاتحة ، لكن لا يفهم منه شيئا لأنه غير ذكي ، فكانوا يلقبونه بحمار الفروع : لقوله تعالى : {كمثل الحمار يحمل أسفارا } لكن لا ينتفع به وكانوا يأتون إليه على اعتبار أنه نسخة ، إذا اختلفوا في شيء راجعوه ، ماذا قال ابن مفلح في المسألة الفلانة؟ ، ثم يسرد لهم، فيكون مراجعة، يعني كتاب مراجعة، فبعض الناس يكون عنده حفظ قوة حافظة ، إدراكا وإبقاء ولكن ليس عنده ذكاء .
وبعض الناس بالعكس ذكاءه متوقد لكن ليس عنده حافظة .
- نحويا لغويا : النحوي هو الذي يعتني بالإعراب والبناء وهذا يختص بأواخر الكلمات، اللغوي يدخل فيه من تعلم علم الصرف وعلم مفردات اللغة ، وعلى هذا فلا بد من مراجعة كتب النحو : كتب الصرف وكتب اللغة كالقاموس ولسان العرب وغير ذلك .
- زكيا تقيا : الزكي والتقي معناهما متقارب ، فإن ذكرا فينبغي أن يحمل التقي على من ترك المحرمات والزكي على من قام بالمأمورات .
ويعجبني أن أذكر لكم كلمة قالها شيخ الإسلام رحمه الله في أهل الكلام قال: (إنهم أوتوا فهوما وما أوتوا علوما) يعني عندهم فهم لكن ليس عندهم علم . (وأوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء ). يعني أذكياء لكن ليسوا أزكياء.
- حييّا : لكن بشرط : أن لا يمنعه حياؤه من طلب العلم ، ولهذا قال بعضهم : لا ينال العلم حيي ولا مستكبر . يكون حيي ولكن لا يمنعه ذلك من أن يطلب الحق.
قالت أم سليم للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (إن الله لا يستحي من الحق ، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت ؟) قال : ((نعم إذا هي رأت الماء)).
- سلفيا : يعني يأخذ بطريقة السلف في العقيدة والأدب والعمل والمنهج وفي كل شيء لأن السلف هم صدر هذه الأمة الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم )).
(يكفيه أن يكتب بيديه مائتي مجلد )، ونعزي أنفسنا بأن المجلدات عندهم قليلة ، أي قد تكون خمسين صفحة عندهم مجلدا ، فإن كان هذا هو المراد فلعل الله أن يعيننا عليه ، وإن كان المراد بالمجلد أنه ستمائة صفحة ، فالواحد منا لو يبقى ليلا ونهارا ما أظنه يكتب مائتي مجلد . مائتي مجلد * ستين صفحة كم؟ اثنا عشر ألف.
وقوله : (ويُحَصِّلَ من الدواوينِ الْمُعْتَبَرَةِ خَمْسَ مِئَةِ مُجَلَّدٍ)، ومن الذي عنده مكتبة بها خمسمائة مجلد؟!
على كل حال هم يقولون على قدر حالهم ونقول : الله المستعان .
(وألا يفتر عن طلب العلم إلى الممات) : هذا صحيح ، يعني أن طالب العلم يجب أن لا يفتر ، لأنه إذا عود نفسه الفتور والكسل اعتاد ذلك ،

ومن طلب العلا سهر الليالي

لا تفتر، ويقال : أعط العلم كلك تدرك بعضه ، وأعطه بعضك يفتك كله .
العلم يحتاج إلى تعب وعناء ، لكني أقول لكم: إن الإنسان إذا ترعرع في العلم سهل عليه أن يعلم أشياء قد لا تكون في بطون الكتب . لا سيما مع النية الخالصة وإرادة الحق والحكم بشرع الله فإن الله تعالى يهبه علما لا يطرأ على باله ، ولا يجده في بطون الكتب، وكثيرا ما نقف عند مسألة من المسائل في الكتب في مظانها ولا نجدها، ثم إذا فكرنا في آية من كتاب الله أو في حديث من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجدنا الحل ، لأن بركة القرآن والسنة لا يضاهيها أي بركة ، يقول: (بنية خالصة وتواضع) ، التواضع هذا من أهم ما يكون ، أسأل الله أن يرزقني وإياكم التواضع للحق وللخلق ، من أهم شيء لطالب العلم التواضع ، لأن التواضع خلق من الأخلاق العظيمة التي قال الله تعالى فيها لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : { وإنك لعلى خلق عظيم } فأعظم الناس تواضعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه أشرفهم مقاما عند الله ورتبة، قال : (وإلا فلا يتعن) ، يعني لا يتعب نفسه إن لم يتصف بهذا فلا يتعب نفسه ، ولكن نقول عفا الله عنك يا ذهبي، ارجع إلى قول الله تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } ولنعامل الناس بما يمكن أن يقوموا به ، وإلا لنفر الناس ، لو قلنا للطالب يكفيك أن تكتب مائتي مجلد بيديك، هذه كفاية ، والأكمل خمسمائة أو ستمائة ، وله يكفيك أن يكون عندك من الدواوين خمسمائة مجلد ، والأكمل ألف مجلد، يعني لو قلنا للطالب هكذا لثقل عليه الطلب ، لكن نقول: يكفيك أن تكتب بيديك ما تقدر عليه بشرط أن يكون عندك حرص ونشاط في طلب العلم ، والله الموفق .
(...)
سؤال: (...) شريط يشمل أحاديث فقط
الجواب: الأحاديث بارك الله فيك أهون لكن عندكم من الحكم الكثيرة ارجعوا إلى ديوان المتنبي ارجعوا إلى روضة العقلاء تجدون من الحكم ما يملأ البدالة والبدالتين.

رِواءْ
27 - 11 - 2009, 09:29 PM
القارئ :
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد:
الأمر السابع عشر: تلقي العلم عن الأشياخ
الأصلُ في الطلَبِ أن يكونَ بطريقِ التلقينِ والتلَقِّي عن الأساتيذِ والْمُثَافَنَةِ للأشياخِ ، والأخْذِ من أفواهِ الرجالِ لا من الصحُفِ وبُطونِ الكُتُبِ والأَوَّلُ من بابِ أَخْذِ النَّسيبِ عن النَّسيبِ الناطقِ ، وهو الْمُعَلِّمُ، أمَّا الثاني عن الكتابِ ، فهو جَمادٌ ، فأَنَّى له اتِّصَالُ النَّسَبِ ؟
الشيخ :
هذا أيضاً مما ينبغي لطالب العلم مراعاته , أن يتلقى العلم عن الأشياخ لأنه يستفيد بذلك فائدتين : بل أكثر .
الفائدة الأولى : اختصار الطريق بدلا من أن يذهب يقلب في بطون الكتب وينظر ما هو القول الراجح , وما سبب رجحانه ؟ وما هو القول الضعيف ؟ وما سبب ضعفه ؟ بدلا من ذلك يمد المعلم هذه لقمة سائغة، يقول : واختلف العلماء في كذا على قولين أو ثلاثة أو أكثر , والراجح كذا , والدليل كذا . وهذا لا شك أنه نافع لطالب العلم .
الفائدة الثانية : السرعة . يعني سرعة الإدراك , لأن الإنسان إذا كان يقرأ على عالم فإنه يدرك بسرعة أكثر مما لو ذهب يقرأ في الكتب , لأنه إذا ذهب يقرأ في الكتب ربما يردد العبارة أربع أو خمس مرات لا يفهمها, وربما فهمها أيضا على وجه خطأ غير صحيح .
الفائدة الثالثة : الرابطة بين طالب العلم ومعلمه , فيكون ارتباط بين أهل العلم من الصغر إلى الكبر .
فهذه من فوائد تلقي العلم على الأشياخ , لكن سبق أن قلنا أن الواجب أن يختار الإنسان من العلماء من هو ثقة أمين قوي أمين , يعني عنده علم وإدراك ليس علمه سطحياً , وعنده أمانة , وكذلك أيضاً إذا كان عنده عبادة فإن الطالب يقتدي بمعلمه .

القارئ :
وقد قيلَ : ( مَن دَخَلَ في العِلْمِ وَحْدَه ، خَرَجَ وَحْدَه ) أي : مَن دَخَلَ في طَلَبِ العِلْمِ بلا شيخٍ ، خَرَجَ منه بلا عِلْمٍ ، إذ العلْمُ صَنعةٌ ، وكلُّ صَنعةٍ تَحتاجُ إلى صانعٍ ، فلا بُدَّ إِذَنْ لتَعَلُّمِها من مُعَلِّمِها الحاذِقِ .

الشيخ :
هذا صحيح وقد قيل : إن من كان دليله كتاباً خطأه أكثر من صوابه .
هذا فهو الغالب بلا شك , لكن قد يندر من الناس من يكرس جهوده تكريساً ولا سيما إذا لم يكن عنده من يتلقى العلم عنده , فيعتمد اعتماداً كاملاً على الله عزوجل ويدأب ليلا ونهارا ويحصل من العلم ما يحصل وإن لم يكن له شيخ .

القارئ :
وهذا يَكادُ يكونُ مَحَلَّ إجماعِ كلمةٍ من أهلِ العلمِ ؛ إلا مَن شَذَّ مِثلَ : عَلِيِّ بنِ رِضوانَ الْمِصرِيِّ الطبيبِ وقد رَدَّ عليه علماءُ عَصْرِه ومَن بَعْدَهم .
قالَ الحافظُ الذهبيُّ رَحِمَه اللهُ تعالى في تَرجمتِه له :
( ولم يكنْ له شيخٌ ، بل اشْتَغَلَ بالأَخْذِ عن الكُتُبِ ، وصَنَّفَ كتابًا في تَحصيلِ الصناعةِ من الكتُبِ ، وأنها أَوْفَقُ من الْمُعَلِّمِينَ وهذا غَلَطٌ ) اهـ .
وقد بَسَطَ الصَّفَدِيُّ في ( الوافِي ) الردَّ عليه ، وعنه الزَّبِيدِيِّ في ( شرْحِ الإحياءِ ) عن عددٍ من العُلماءِ مُعَلِّلِينَ له بعِدَّةِ عِلَلٍ ؛ منها ما قالَه ابنُ بَطْلانَ في الردِّ عليه :
( السادسةُ : يُوجَدُ في الكتابِ أشياءُ تَصُدُّ عن العلْمِ ، وهي مَعدومةٌ عندَ المُُُعَلِّمِ وهي التصحيفُ العارضُ من اشتباهِ الحروفِ مع عَدَمِ اللفظِ ، والغلَطِ بزَوَغَانِ البصَرِ ، وقِلَّةِ الْخِبرةِ بالإعرابِ أو فَسادِ الموجودِ منه وإصلاحِ الكتابِ وكتابةِ ما لا يُقْرَأُ وقِراءةِ ما لا يُكْتَبُ ومَذهبِ صاحبِ الكِتابِ وسُقْمِ النَّسْخِ ورَداءةِ النقْلِ ، وإدماجِ القارئِ مواضِعَ الْمَقاطِعِ وخلْطِ مَبادئِ التعليمِ وذِكْرِ ألفاظٍ مُصْطَلَحٍ عليها في تلك الصناعةِ وألفاظٍ يُونانِيَّةٍ لم يُخَرِّجْها الناقِلُ من اللغةِ ؛ كالنَّوْروسِ ، فهذه كلُّها مُعَوِّقَةٌ عن العِلْمِ وقد استراحَ المتعلِّمُ من تَكَلُّفِها عندَ قراءتِه على الْمُعَلِّمِ ، وإذا كان الأمْرُ على هذه الصورةِ فالقراءةُ على العُلماءِ أَجْدَى وأَفْضَلُ من قراءةِ الإنسانِ لنفسِه وهو ما أَرَدْنَا بيانَه ... قالَ الصَّفَدِيُّ : ولهذا قالَ العُلماءُ : لا تَأْخُذ العِلْمَ من صَحَفِيٍّ ولا مُصْحَفِيٍّ ؛ يعني : لا تَقرأ القُرآنَ على مَن قَرأَ من الْمُصْحَفِ ولا الحديثَ وغيرَه على مَن أَخَذَ ذلك من الصُّحُفِ ) اهـ
والدليلُ المادِّيُّ القائمُ على بُطلانِ نَظرةِ ابنِ رِضوانَ أنك تَرَى آلافَ التراجِمِ والسِّيَرِ على اختلافِ الأزمانِ ومَرِّ الأعصارِ وتَنَوُّعِ المعارِفِ ، مشْحُونةً بتَسميةِ الشيوخِ والتلاميذِ ومُسْتَقِلٌّ من ذلك ومُسْتَكْثِرٌ ، وانْظُرْ شَذَرَةً من المكْثِرِينَ عن الشيوخِ حتى بَلَغَ بعضُهم الأُلوفَ كما في ( الْعُزَّابِ ) من ( الإسفارِ ) لرَاقِمِه .
وكان أبو حَيَّانَ محمَّدُ يوسفَ الأندلسيُّ ( المتوفى سنةَ 745 هـ ) إذا ذُكِرَ عندَه ابنُ مالِكٍ ؛ يقولُ : ( أينَ شُيوخُه ؟ ) .
وقالَ الوليدُ : كان الأوزاعيُّ يَقولُ : كان هذا العِلْمُ كَرِيمًا يَتَلقاهُ الرجالُ بينَهم فلمَّا دَخَلَت الكُتُبِ ؛ دَخَلَ فيه غيرُ أَهْلِه .
ورَوَى مثْلَها ابنُ المبارَكِ عن الأَوْزَاعِيِّ . ولا ريبَ أنَّ الأَخْذَ من الصُّحُفِ وبالإجازةِ يَقَعُ فيه خَلَلٌ ، ولا سِيَّمَا في ذلك العَصْرِ ، حيث لم يكنْ بعدُ نَقْطٌ ولا شَكْلٌ فتَتَصَحَّفُ الكلمةُ بما يُحِيلُ المعنى ولا يَقَعُ مثلُ ذلك في الأَخْذِ من أفواهِ الرجالِ، وكذلك التحديثُ من الْحِفْظِ يَقَعُ فيه الوَهْمُ ؛ بخِلافِ الروايةِ من كتابٍ مُحَرَّرٍ ) اهـ.
ولابنِ خَلدونَ مَبحثٌ نَفيسٌ في هذا ؛ كما في ( الْمُقَدِّمَةِ ) له .
ولبعضِهم :
مَن لم يُشَافِهْ عالِمًا بأصُولِهِ = فيَقِينُه في الْمُشكِلاتِ ظُنُونُ
وكان أبو حَيَّانَ كثيرًا ما يُنْشِدُ:
يَظُنُّ الغَمْرُ أنَّ الكُتُبَ تَهْـدِي= أَخَـا فَهْـمٍ لإدراكِ العلـومِ
وما يَدْرِي الْجَهولُ بأنَّ فيهـا = غوامِضَ حَيَّرَتْ عَقْلَ الْفَهِيـمِ
إذا رُمْتَ العلومَ بغيـرِ شيـخٍ = ضَلَلْتَ عن الصراطِ المستقيـمِ
وتَلْتَبِسُ الأمورُ عليـك حتـى= تصيرَ أَضَلَّ من ( تُومَا الحكيمِ )

الشيخ :
هذه الكلمات فيها ما أشرنا إليه من قبل , أن الأخذ عن العلماء والمشايخ أفضل من الأخذ من الكتب , وبين فيما نقله هنا في الرد على ابن بطلان . قال : ( يوجد في الكتاب أشياء تصد عن العلم , وهي معدومة عند المعلم وهي التصحيف العارض من اشتباه الحروف مع عدم النقط ) وكانوا فيما سبق يكتبون بلا نقط فيخطئ الإنسان , فمثلاً ربما تجد كلمة ( بز ):
اشتريت بزا بصاع من تمر بدون مقابضة . إذا لم يكن فيها نقطه ( برا ) ومعلوم أنك إذا اشتريت برا بتمر بدون مقابضة فالبيع غير صحيح , فتختلف الأحكام باختلاف النقط , كذلك الغلط بزوغان البصر يعني يزيغ بصره فيرى الكلمة على صورة غير حقيقتها لا سيما إذا كان الكتاب ليس جيدا , فمثلا بعض الناس إذا كتب كلمة زين ربط طرف النون بطرفها الأول فتكون كأنها زيوه أليس كذلك؟ فيحصل الخطأ كذلك ( قلة الخبرة بالإعراب , والإعراب له أثر في تغيير المعنى . فإذا قرأ مثلا: (وكلم اللهَ موسى تكليما) وهو إنسان لا يعرف الإعراب والكلمة ما شكلت، ربما يقول: (وكلم اللهَ موسى تكليما) فيختلف المعنى اختلافا عظيما، (أو فساد الموجود منه) في علم الإعراب و( إصلاح الكتاب , وكتابة ما لا يقرأ , وقراءة ما لا يكتب) كل هذا يعتري من يأخذ العلم عن الكتاب , كذلك ( مذهب صاحب الكتاب ) ربما يكون مذهبه مذهب معتزلي أو جهمي أو غيره وأنت لا تدري , وكذلك ( سقم النسخ , رداءة النقل , إدماج القارئ مواضع المقاطع) , وكل هذا خلل عظيم (إدماج القارئ مواضع المقاطع) يعني معناه أن الكلمة لا بد أن تقف عليها , فيأتي القارئ ليقرأ الكتاب فيقرأها مع ما بعدها فيختلف المعنى ( وخلط مبادئ التعليم ) بحيث لا يميز بعضها عن بعض , بمعنى أن
الكاتب قد لا يكون متقناً فيغلط هذا مع هذا , والمبتدئ لا يعرف (ذكر ألفاظ مصطلح عليها في تلك الصناعة) وهو لا يدري مثلا تأتيك كلمة في المصطلح ( معضل، منقطع ) ما معنى المعضل؟ إذا لم يكن عنده علم أشكل عليه هذا الشيء .
يقول : ( ألفاظ يونانية لم يخرجها الناقل من اللغة كالنوروس ), هذه العباره لا بد أن تفهم! ما هو النوروس ؟ طائر؟ والله ما أدري , لأن الطائر ما يكون ألفاظ يونانية فلعله اسم لعلم من العلوم
يقول : ( فهذه كلها معوقة عن العلم , وقد استراح المتعلم من تكلفها عند قراءته على المعلم وإذا كان الأمر على هذه الصورة فالقراءة على العلماء أجدى وأفضل من قراءة الإنسان لنفسه وهو ما أردنا بيانه )
ثم نقل عن بعض العلماء أنه قال : ( لا تأخذ العلم من صحفي ولا عن مُصحفي يعني لا تقرأ القرآن على من قرأ من المصحف , ولا الحديث وغيره على من أخذ ذلك من الصحف) .
وهذا كله فيما إذا كانت الكتب التي يقرأ منها ليس فيها بيان , أما إذا كان فيها بيان , كالموجود الآن من المصاحف والحمد لله فهو واضح ما فيه إشكال ،
يعني معناه أن الإنسان يلحق كلمة غير مكتوبة ظنا منه أن المعنى لا يتم إلا بها فيقرأ ما ليس مكتوبا
فيه أيضاً الأبيات التي ذكر:
من لم يشافه عالماً بأصوله = فيقينه في المشكلات ظنون
يعني إذا وردت المشكلة وقال الحكم كذا وكذا يقيناً فهو ظن حتى يقول أنا عالم .
أما:
يَظُنُّ الغَمْرُ أنَّ الكُتُبَ تَهْـدِي= أَخَـا فَهْـمٍ لإدراكِ العلـومِ


من هو الغمر : الصغير.
وما يَدْرِي الْجَهولُ بأنَّ فيهـا = غوامِضَ حَيَّرَتْ عَقْلَ الْفَهِيـمِ
إذا رُمْتَ العلومَ بغيـرِ شيـخٍ = ضَلَلْتَ عن الصراطِ المستقيـمِ
وتَلْتَبِسُ الأمورُ عليـك حتـى= تصيرَ أَضَلَّ من ( تُومَا الحكيمِ )
( توما الحكيم ) : مشهور بالغباوة لكنه يدعي العلم وقال على حاله بعض الشعراء :
حمار الحكيم توما = لو أنصف الدهر كنت أركب
لأنني جاهل بسيط = وصاحبي جاهل مركب
أفهمتم ؟
يقول : لو أنصف الدهر - طبعاً الكلمة هذه غير مقبولة لكن هذا الشاعر يقولها.
(كنت أركب) يعني هذا الحمار يركب على صاحبه وليس العكس.
لأنني جاهل بسيط = وصاحبي جاهل مركب

وهنا يقول :
إذا رُمْتَ العلومَ بغيـرِ شيـخٍ= ضَلَلْتَ عن الصراطِ المستقيـمِ
وتَلْتَبِسُ الأمورُ عليـك حتـى= تصيرَ أَضَلَّ من ( تُومَا الحكيمِ )

رِواءْ
27 - 11 - 2009, 09:30 PM
القارئ :
الأمر الثاني والعشرون: التلَقِّي عن الْمُبْتَدِعِ :
احْذَرْ ( أبا الْجَهْلِ ) المبْتَدِعَ ، الذي مَسَّهُ زَيْغُ العَقيدةِ ؛ وغَشِيَتْهُ سُحُبُ الْخُرافةِ ؛ يُحَكِّمُ الْهَوَى ويُسَمِّيهِ العَقْلَ ، ويَعْدِلُ عن النَّصِّ ، وهل العَقْلُ إلا في النصِّ ؟! ويَستمْسِكُ بالضعيفِ ويَبْعُدُ عن الصحيحِ ، ويُقالُ لهم أيضًا : ( أهلُ الشُّبُهَاتِ ) ( وأهلُ الأهواءِ ) ولذا كان ابنُ المبارَكِ رَحِمَه اللهُ تعالى يُسَمِّي المبتَدِعَةَ ( الأصاغِرَ ) .
وقالَ الذهبيُّ رَحِمَه اللهُ تعالى : ( إذا رأيتَ المتكَلِّمَ المبْتَدِعَ يَقولُ : دَعْنَا من الكتابِ والأحاديثِ وهاتِ ( العَقْلَ ). فاعْلَمْ أنه أبو جَهْلٍ وإذا رأيتَ السالكَ التوحيديَّ يَقولُ : دَعْنَا من النقْلِ ومن العَقْلِ وهاتِ الذَّوْقَ والوَجْدَ ؛ فاعْلَمْ أنه إبليسُ قد ظَهَرَ بصورةِ بَشَرٍ ، أو قد حَلَّ فيه ، فإن جَبُنْتَ منه فاهْرُبْ ، وإلا فاصْرَعْهُ وابْرُكْ على صَدْرِه واقْرَأْ عليه آيةَ الكُرْسِيِّ واخْنُقْهُ ) اهـ .
الشيخ :
يقول: (احْذَرْ ( أبا الْجَهْلِ ) ) , أبا الجهل يعني صاحب الجهل , (المبْتَدِعَ الذي مَسَّهُ زَيْغُ العَقيدةِ ؛ وغَشِيَتْهُ سُحُبُ الْخُرافةِ ؛ يُحَكِّمُ الْهَوَى ويُسَمِّيهِ العَقْلَ) , وهذا التحذير الذي قاله الشيخ بكر أمر لازم , يجب أن نحذر أهل البدع وإن صاغوا البدع بصياغة مغرية مزخرفة فإنما هم كما قيل فيهم :
حجج تهافت كالزجاج تخالها = حقا وكل كاسر مكسور
فأنت كالظمآن يرى السراب فيحسبه ماء , حتى إذا جاءه وجد الله عنده فوفاه حسابه .
احذر صاحب الهوى , وهؤلاء الذين يتبعون أهواءهم في العقيدة يسمون ذلك : العقل .
والحقيقة أنه عقل لكنه عَقَلَهُم عن الهدى إلى اتباع الهوى، فهم كما قال ابن القيم في أمثالهم :
هربوا من الرق الذي خلقوا له = وبلوا برق النفس والشيطان
(ويَعْدِلُ عن النَّصِّ) ويقول: لقد دل العقل على خلافه - سبحان الله - هل العقل يخالف النص؟! أبدا , لا يمكن لأي عقل صريح أي خالٍ من الشبهات والشهوات يخالف النقل الصريح , أبداً لكن العلة إما من النقل بحيث يكون غير صحيح , وإما من العقل بحيث يكون غير صريح .
أما مع صراحة العقل وصحة النقل فلا يمكن أن يوجد تعارض إطلاقا , ولهذا ينعى الله سبحانه وتعالى عن المخالفين للرسل ينعى عليهم عقولهم , يقول : {أفلا يعقلون} {أفلا تعقلون} {لا يفقهون وما أشبه ذلك}
فالعقل كما قال الشيخ : (وهل العَقْلُ إلا في النصِّ ؟!)
قال : (ويَستمْسِكُ بالضعيفِ ويَبْعُدُ عن الصحيحِ) , وأكثر ما يكون هذا في الوعاظ والقصاص , تجدهم يحشون أدمغتهم بالأحاديث الضعيفة من أجل تهييج الناس ترغيبا أو ترهيبا . يتأتي مثلا يقول: (قل هو الله أحد) يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يخلق من كل حرف من سورة (قل هو الله أحد) ألف طائر , ولكل طائر ألف لسان كلها تدعو أو تسبح لهذا الذي قرأها ) .
من قال هذا ؟ وأشياء عجيبة غريبة في فضائل الأعمال تذكر .
كذلك (ويُقالُ لهم أيضًا : ( أهلُ الشُّبُهَاتِ ) ( وأهلُ الأهواءِ ) ولذا كان ابنُ المبارَكِ رَحِمَه اللهُ تعالى يُسَمِّي المبتَدِعَةَ ( الأصاغِرَ ) ).
وهذا وصف مطابق لموصوفه , فهم أصاغر وإن عظموا أنفسهم , وكل من خالف النص فهو صغير .
أما كلام الذهبي فيقول : ( إذا رأيتَ المتكَلِّمَ المبْتَدِعَ يَقولُ : دَعْنَا من الكتابِ والأحاديثِ وهاتِ ( العَقْلَ ). فاعْلَمْ أنه أبو جَهْلٍ) وليس أبا علم , بل هو جاهل .
(وقالَ الذهبيُّ رَحِمَه اللهُ تعالى : وإذا رأيتَ السالكَ التوحيديَّ يَقولُ : دَعْنَا من النقْلِ ومن العَقْلِ وهاتِ الذَّوْقَ والوَجْدَ) , وهؤلاء الصوفية , الصوفية كل دينهم ذوق , ووجد .
فهذا أيضا يقول: (فاعْلَمْ أنه إبليسُ قد ظَهَرَ بصورةِ بَشَرٍ) . والظاهر أن الذهبي رحمه الله لقي النكد من هؤلاء , ولهذا شدد في تقبيح أوصافهم، (أو قد حَلَّ فيه) يعني هو إما شيطان أو حل فيه الشيطان .
(فإن جَبُنْتَ منه فاهْرُبْ ), يعني إن عجزت أن تجادله وتناظره فاهرب , لأن هذه هي الحكمة وإلا كنت تستطيع أن تجادله وتفحمه فاصرعه ، صرعا حسيا أو معنويا؟ نرى
(وإلا فاصْرَعْهُ وابْرُكْ على صَدْرِه) . هذا يدل على أنه حسي.
(واقْرَأْ عليه آيةَ الكُرْسِيِّ ) –حتى يخرج الشيطان- (واخْنُقْهُ) .
الإنسان يسمع كلام الذهبي رحمه الله هذا في ظني أنه إذا صرعه ثم برك على صدره ثم قرأ عليه آية الكرسي ثم خنقه ، سينجو ، لأن الشيطان خنقه حينئذ شديدا وقويا، ولكن على كل حال الظاهر أن الشيخ رحمه الله –الذهبي- قد أصابه ما أصابه من هؤلاء, والمعافى من عافاه الله منه .
لو ذهبت إلى بعض البلاد الإسلامية لوجدت من هؤلاء القوم عجبا , كما يذكر عنهم , كما يذكر عنهم العلماء السابقون أم نحن يعني يصلون إلى حد الجنون , يضربون بالطبول يضربون بالعصي على الأرض، يغبرون ، تغبير يأخذ كل واحد منهم سوط ويهللون بتهليلاتهم وأذكارهم ثم يضرب الإنسان الأرض , ومن كان أكثر غبار فهو أصدق إرادة , يعني إذا كان أكثر غبارا صار أشد وأقوى فيكون هذا دليلا على أنه مريد حقا .
القارئ :
وقالَ أيضًا رَحِمَه اللهُ تعالى : ( وقرأتُ بخطِّ الشيخِ الموَفَّقِ قالَ : سَمِعْنَا دَرْسَه – أي: ابنِ أبي عَصْرونَ – مع أخي أبي عُمرَ وانْقَطَعْنَا ، فسمعتُ أَخِي يقولُ : دَخَلْتُ عليه بَعْدُ ، فقالَ : لم انْقَطَعْتُم عَنِّي؟ قلتُ : إنَّ ناسًا يَقولون: إنك أَشْعَرِيٌّ. فقالَ : واللهِ ما أنا أَشعريٌّ. هذا معنى الْحِكايةِ ) اهـ .
الشيخ :
يعني يستفاد منه أنه لا ينبغي أن تجلس إلى مبتدع ولو كانت بدعته خفيفة كبدعة الأشعريين .
القارئ :
وعن مالِكٍ رَحِمَه اللهُ تعالى قالَ : ( لا يُؤْخَذُ العِلْمُ عن أربعةٍ : سفيهٌ يُعْلِنُ السَّفَهَ وإن كان أَرْوَى الناسِ ، وصاحبُ بِدعةٍ يَدْعُو إلى هَواهُ ، ومَن يَكْذِبُ في حديثِ الناسِ ، وإن كنتُ لا أتَّهِمُه في الحديثِ ، وصالحٍ عابدٍ فاضلٍ إذا كان لا يَحْفَظُ ما يُحَدِّثُ به ) .
فيا أيُّها الطالِبُ ! إذا كنتَ في السَّعةِ والاختيارِ ؛ فلا تَأْخُذْ عن مُبْتَدِعٍ : رافِضِيٍّ أو خارجيٍّ أو مُرْجِئٍ أو قَدَرِيٍّ أو قُبُورِيٍّ . . . وهكذا ؛ فإنك لن تَبْلُغَ مَبْلَغَ الرجالِ – صحيحَ العَقْدِ في الدينِ مَتينَ الاتِّصالِ باللهِ صحيحَ النظَرِ تَقْفُو الأَثَرَ إلا بِهَجْرِ المبْتَدِعَةِ وبِدَعِهِم .
الشيخ :
وظاهر كلام الشيخ رحمه الله ووفقه الله, أنه لا يؤخذ عن صاحب البدعة شيء حتى فيما لا يتعلق ببدعته , فمثلا إذا وجدنا رجلا مبتدعا لكنه جيد في علم العربية: البلاغة والنحو والصرف , فهل نجلس إليه ونأخذ منه العلم الذي هو مجيد فيه أو نهجره ؟
ظاهر كلام الشيخ أننا لا نجلس إليه , لأن ذلك يوجب مفسدتين :
المفسدة الأولى : اغتراره بنفسه فيحسب أنه على حق .
والمفسدة الثانية : اغترار الناس به حيث يتوارد عليه طلاب العلم ويتلقون منه , والعامي لا يفرق بين علم النحو وعلم العقيدة , لهذا نرى أن الإنسان لا يجلس إلى أهل الأهواء والبدع مطلقا , حتى وإن كان لا يجد علم العربية والبلاغة والصرف مثلا إلا فيهم , فسيجعل الله له خيرا منهم .
لأن كوننا نأتي إلى هؤلاء ونتردد إليهم لا شك أنه يوجب غرورهم واغترار الناس بهم .
أسئلة يجيب عنها الشيخ

القارئ :
وكُتُبُ السِّيَرِ والاعتصامِ بالسُّنَّةِ حافلةٌ بإجهازِ أهلِ السُّنَّةِ على البِدْعَةِ ومُنابَذَةِ الْمُبْتَدِعَةِ والابتعادِ عنهم كما يَبْتَعِدُ السليمُ عن الأجْرَبِ المريضِ ولهم قِصَصٌ وواقعاتٌ يَطولُ شَرْحُها لكن يَطيبُ لي الإشارةُ إلى رُؤوسِ الْمُقَيَّدَاتِ فيها :
فقد كان السلَفُ رَحِمَهم اللهُ تعالى يَحتسِبونَ الاستخفافَ بهم وتَحقيرَهم ورَفْضَ المبتدِعِ وبِدْعَتَهُ ويُحَذِّرُون من مُخالَطَتِهم ومُشاوَرَتِهم ومُؤاكَلَتِهم فلا تَتَوَارَى نارُ سُنِّيٍّ ومُبتدِعٍ .
وكان من السلَفِ مَن لا يُصَلِّي على جَنازةِ مُبْتَدِعٍ ، فيَنصرِفُ وقد شُوهِدَ من العَلَّامَةِ الشيخِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ رَحِمَه اللهُ تعالى ، انصرافَه عن الصلاةِ على مُبْتَدِعٍ .
وكان من السلَفِ مَن يَنْهَى عن الصلاةِ خَلْفَهم ويَنْهَى عن حكايةِ بِدَعِهم ؛ لأنَّ القلوبَ ضَعيفةٌ والشُّبَهَ خَطَّافَةٌ .
وكان سهْلُ بنُ عبدِ اللهِ التُّسْتَرِيُّ لا يَرَى إباحةَ الأَكْلِ من الْمَيْتَةِ للمبتدِعِ عندَ الاضطرارِ ؛ لأنه باغٍ لقولِ اللهِ تعالى : { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ … } الآيةَ . فهو باغٍ ببِدْعَتِه .
وكانوا يَطْرُدُونَهم من مَجالسِهم ؛ كما في قِصَّةِ الإمامِ مالِكٍ رَحِمَه اللهُ تعالى مع مَن سأَلَه عن كيْفِيَّةِ الاستواءِ وفيه بَعْدَ جوابِه المشهورِ : ( أَظُنُّكَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ ) وأَمَرَ به فأُخْرِجَ .
وأخبارُ السلَفِ مُتكاثِرَةٌ في النُّفْرَةِ من المبتَدِعَةِ وهَجْرِهم حَذَرًا من شَرِّهم وتَحجيمًا لانتشارِ بِدَعِهم وكَسْرًا لنفوسِهم حتى تَضْعُفَ عن نَشْرِ البِدَعِ ، ولأنَّ في مُعاشَرَةِ السُّنِّيِّ للمُبتدِعِ تَزكيةً له لدَى الْمُبْتَدِئِ والعامِّيِّ – والعامِّيُّ مُشْتَقٌّ من العَمَى ، فهو بِيَدِ مَن يَقودُه غالبًا - .
ونَرَى في كتبِ المصطَلَحِ ، وآدابِ الطلَبِ ، وأحكامِ الْجَرْحِ والتعديلِ : الأخبارَ في هذا.
الشيخ :
المؤلف وفقه الله حذر هذا التحذير البليغ من أهل البدع وهم جديرون بذلك , ولاسيما إذا كان المبتدع سليط اللسان فصيح البيان , فإن شره يكون أكبر وأعظم , ولاسيما إذا كانت بدعته أيضا مكفرة أو مفسقة تفسيقا بالغا فإن خطره أعظم , ولاسيما إذا كان يتظاهر أمام الناس بأنه من أهل السنة لأن بعض أهل البدع عنده نفاق , تجده عند من يخاف منه يتمسكن ويقول أنا من أهل السنة وأنا لا أكره فلانا ولا فلانا من الصحابة وأنا معكم وهو كاذب فمثل هؤلاء يجب الحذر منهم , وقد مر علينا في الدرس الماضي أنه وإن كان المبتدع عنده علوم لا توجد عند أهل السنة ولا تتعلق بالعقيدة كمسائل النحو والبلاغة وما أشبهها فلا تأخذ منه . لأن يتولد من ذلك مفسدتان :
الأولى : اغتراره بنفسه.
والثانية : اغترار الناس به. الناس لا يعلمون، فلذلك يجب الحذر.
وقوله: (كان من السلف من لا يصلي على مبتدع), هذه على كل حال إذا كانت البدعة مكفرة فلا شك أن الصلاة عليه لا تجوز لقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المنافقين : { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } فهذا لا يصلى عليه .
أما إذا كانت غير مكفرة , فهذا ينظر فيما يترتب على ترك الصلاة عليه من المفسدة أو عدمها .
فإذا كان أهل السنة أقوياء وكان أهل البدعة في عنفوان دعوتهم فلا شك أن ترك الصلاة عليهم أولى , لأنه أهل السنة أقوى منهم وهؤلاء في عنفوان دعوتهم ربما إذا تركنا الصلاة عليهم يحصل بذلك ردع عظيم لهم .
وما ذكر عن الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله , مفتي البلاد السعودية في زمنهم يدل على قوته رحمه الله وصرامته , حيث انصرف عن الصلاة على مبتدع وأيضا الصلاة خلفه , من باب أولى أن يحذر الإنسان منه فإن كانت بدعته مكفرة فالصلاة خلفه مع العلم ببدعته المكفرة لا تصح , لأنه ائتم بمن ليس بإمام , وإن كانت دون ذلك فالصحيح أن الصلاة خلفه صحيحة لكن لا ينبغي أن يصلي خلفه .
وأما ما ذكر عن سهل بن عبد الله التستري الذي لا يبيح أكل الميتة للمبتدع وإن اضطر إلى ذلك , فإن كان هذا المبتدع كافرا فإنه لا يباح له عند الله أكل الميتة ولا أكل المزكاة,
لقوله الله تبارك وتعالى : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا)
ولقوله الله تعالى : ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) فدل هذا على أن الطيبات من الرزق والزينة التي أخرج الله للعباد ليست خالصة لغير المؤمنين يوم القيامة بل يحاسبون عليها .
فإذا كانت بدعته مكفرة فإننا نقول لا يحل له أن يأكل الميتة عند الاضطرار ولا المزكاة عند الاختيار . لكن نقل تب إلى الله من بدعتك المكفرة وكل كما يأكل المؤمنون .
وإن كانت بدعته مفسقة , ففيما قاله رحمه الله نظر , لأن الصحيح أن قوله تعالى : ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد ) أي: غير مبتغ لأكل الميتة , ولا عاد : أي غير معتد لأكل ما لا يحتاج إليه .
هذا هو الصحيح في معنى الآية, والدليل على أن هذا هو الصحيح قوله تعالى : ( فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم )
ومن العلماء من قال إن المراد بالباغي: من بغى على الإمام , وليس كل فاعل معصية , ففي كلام سهل رحمه الله فيه هذا التفصيل .وهو إذا كانت بدعته مكفرة فحرام عليه أن يأكل الميتة والمذكاة ويحاسب بذلك عند الله ، وإن كانت غير مكفرة ففيما قاله نظر، أما طرده من المجالس ؟ فنعم , يطردوه من المجالس، وللشيخ أن يطرد من مجلسه ما دون ذلك إذا رأى من أحد الطلبة أنه يريد أن يفسد الطلب عند زملائه , بحيث يعتدون على الشيخ ولا يهابونه ويحتقرونه , فله أن يطرده , لأن هذا يعتبر مفسدا فيطرد .
والإمام مالك رحمه الله قال : ما أراك إلا مبتدعا , لأن الذين يسألون عن مثل ذلك هم المبتدعة , يسألون كيف استوى ؟ يحرجون بذلك أهل السنة , يقول: أخبرني كيف استوى؟ كيف استواؤه؟ والجواب عن ذلك سهل : أن الله تعالى أخبرنا أنه استوى ولم يخبرنا كيف استوى .
وهل نعلم كيفية شيء لم نعلم به وهو غائب عنا ؟ أبدا .
لو قال لك قائل: إني بنيت بيتا , فقد علمت أنه بنى بيتا وتعرف كيف بناء البيت , لكن هل تعرف كيفية هذا البيت وما فيه من الحُجَر والغرف؟. الجواب: لا. إذا كنت لم تشاهده.
وهكذا صفات الله عز وجل , أخبرنا عنها ولم نخبر عن كيفيتها .
وقوله: (العامي : من العمى ), لم أعرف أنه مشتق من العمى إلا الآن فينظر في ذلك، هل هو من العمى؟ أو من العموم؟ أي من عموم الناس , والعامي لا شك أنه هو الجاهل الذي لا يعرف والجهل: عمى . فينظر في ذلك.
القارئ :
فيا أيُّها الطالِبُ ! كن سَلَفِيًّا على الْجَادَّةِ ، واحْذَر الْمُبْتَدِعَةَ أن يَفتِنُوكَ فإنهم يُوَظِّفُون للاقتناصِ والْمُخاتَلَةِ سُبُلًا ، يَفْتَعِلُون تَعبيدَها بالكلامِ المعسولِ – وهو : ( عَسَلٌ ) مَقلوبٌ

الشيخ :
العسل المقلوب كيف يكون؟ لسع.

القارئ :
وهُطولِ الدَّمعةِ ، وحُسْنِ البَزَّةِ ، والإغراءِ بالْخَيالاتِ ، والإدهاشِ بالكَرَامَاتِ ، ولَحْسِ الأَيْدِي ، وتَقبيلِ الأَكْتَافِ ........
وما وراءَ ذلك إلا وَحَمُ البِدعةِ ، ورَهَجُ الفِتنةِ ، يَغْرِسُها في فؤادِك ويَعْتَمِلُكَ في شِرَاكِه ، فواللهِ لا يَصْلُحُ الأَعْمَى لقِيادةِ العِميانِ وإرشادِهم .

الشيخ :
فضلا عن قيادة المبصرين. أليس كذلك؟ الله المستعان.

القارئ :
أمَّا الأَخْذُ عن عُلماءِ السنَّةِ فالْعَق العَسَلَ ولا تَسَلْ .
وفَّقَكَ اللهُ لرُشْدِكَ ؛ لتَنْهَلَ من مِيراثِ النُّبُوَّةِ صافيًا ، وإلا ، فلْيَبْكِ على الدِّينِ مَن كان باكيًا .
وما ذَكَرْتُه لك هو في حالِ السَّعةِ والاختيارِ ، أمَّا إن كنتَ في دِراسةٍ نِظاميَّةٍ لا خِيارَ لك ، فاحْذَرْ منه ، مع الاستعاذةِ من شَرِّه ؛ باليَقَظَةِ من دَسائسِه على حَدِّ قولِهم : ( اجْنِ الثِّمَارَ وأَلْقِ الخشَبَةَ في النارِ ) ولا تَتخاذَلْ عن الطلَبِ ، فأَخْشَى أن يكونَ هذا من التَّوَلِّي يومَ الزَّحْفِ ، فما عليك إلا أن تَتَبَيَّنَ أَمْرَه وتَتَّقِيَ شَرَّه وتَكْشِفَ سِتْرَهُ .

الشيخ :
هذا احتراز جيد , يعني أنه قد يلجأ إنسان إلى الأخذ عن مبتدع , وذلك في الدراسات النظامية , قد يندب إلى التدريس في علوم العربية أو في علوم أخرى من هو مبتدع ومعروف أنه من أهل البدعة , ولكن ماذا تعمل إذا كانت لا بد أن تدرس على هذا الشيخ ؟ نقول: خذ من خيره ودع شره , إن تكلم أمام الطلاب بما يخالف العقيدة فعليك بمناقشته إن كنت تقدر وإلا فارفعه لمن يقدر على مناقشته , واحذر أن تدخل معه في نقاش لا تستطيع التخلص منه , لأن هذا ضرر، ليس عليك أنت، ضرر على القول الذي تدافع عنه , لأنك إذا فشلت أمام هذا الأستاذ مثلا صار في هذا كسر للحق ونصر للباطل , لكن إذا كان عندك قدرة في مجادلته فعليك بذلك .
وربما يكون في هذا مصلحة للجميع , مصلحة لك أنت يهديه الله على يديك , ومصلحة له هو يهديه الله من بدعته , وهل يقال مثل ذلك في من ابتلوا في الدراسة مع الاختلاط على وجه نظامي ؟ لا، وواحد يقول: نعم , والثاني: يفصل , هاتوا ثالث يفصل، يمكن أن يقال بالتفصيل إن دعت الضرورة لذلك بأن لا يوجد جامعات أو مدارس خالية من ذلك فهنا قد تكون هناك ضرورة , وفي هذه الحال يجب على الطالب أن يبتعد عن الجلوس إلى امرأة أو التحدث معها أو تكرار النظر إليها , يعني بقدر ما يستطيع يبتعد عن الفتنة فأما إذا كان يمكن أن يدرس في مدارس أخرى خالية من الاختلاط , أو بها نصف اختلاط بأن يكون النساء في جانب والرجال في جانب آخر , وإن كان الدرس واحدا فليتق الله ما استطاع .
القارئ :
ومن النُّتَفِ الطريفةِ أنَّ أبا عبدِ الرحمنِ الْمُقْرِئَ حَدَّثَ عن مُرْجِئٍ ، فقيلَ له : لِمَ تُحَدِّثُ عن مُرْجِئٍ ؟ فقالَ : ( أَبيعُكم اللحمَ بالعِظامِ ) .
فالْمُقْرِئُ رَحِمَه اللهُ تعالى حَدَّثَ بلا غَرَرٍ ولا جَهالةٍ إذ بَيَّن فقالَ : ( وكان مُرْجِئًا ) .
الشيخ :
يعني معناه ما من لحم إلا وفيه عظم , فالباء هنا ليست للبدل بل للمصاحبة والمعية ,
فأنا أعلمكم أو أحدثكم بما حدثت به لكن أقول وكان مرجئا , فيكون العظم هنا في وسط اللحم , ولا شك أنه إذا دعت الحاجة إلى التحديث عن شخص صاحب بدعة لا شك أنه يُحَدث عنه لكن يبين حاله .
ما لم تكن بدعته مكفرة فإنه لا يقبل منه الحديث .
القارئ :
وما سَطَّرْتُه لك هنا هو من قَواعدِ مُعْتَقَدِكَ ؛ عقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ ؛ ومنه ما في ( العَقيدةِ السلَفِيَّةِ ) لشيخِ الإسلامِ أبي عثمانَ إسماعيلَ بنِ عبدِ الرحمنِ الصابونيِّ ؛ قالَ رَحِمَه اللهُ تعالى : ( ويَبْغَضُونَ أهْلَ البِدَعِ الذين أَحْدَثوا في الدِّينِ ما ليس منه ، ولا يُحِبُّونَهُم ، ولا يَصْحَبُونَهم ، ولا يَسْمَعُون كلامَهم ، ولا يُجالسونَهم ولا يُجادلونَهم في الدِّينِ ، ولا يُناظِرُونَهم ، ويَرَوْنَ صَوْنَ آذانِهم عن سَماعِ أباطلهم التي إذا مَرَّتْ بالآذانِ ، وقَرَّتْ في القلوبِ ، ضَرَّتْ ، وجَرَّتْ إليها من الوَساوِسِ والْخَطَراتِ الفاسدةِ ما جَرَتْ ، وفيه أَنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ قولَه : { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } ).
الشيخ :
كلام الصابوني رحمه الله يحتاج إلى بيان , فقوله : (ويَبْغَضُونَ أهْلَ البِدَعِ الذين أَحْدَثوا في الدِّينِ ما ليس منه)
لا شك أن هذا أمر واجب، على كل مسلم أن يبغض من أحدث في دين الله ما ليس منه , لكن إذا كانت بدعته غير مكفرة فإنه يبغض من وجه ويحب من وجه آخر , لكن بدعته تبغض بكل حال .
ولا يصحبونه , أيضا الصحبة إذا صحبته تأليفا له ودعوة له فلا بأس لكن بشرط أنك إذا أيست من صلاحه تركته وفارقته .
لا يسمعون كلامهم ولا يجالسونهم ولا يجادلونهم في الدين , ولا يناظرنهم :
كل هذه تحتاج إلى قيود :
لا يسمعون كلامهم , إذا لم يكن في ذلك فائدة , فإن كان في ذلك فائدة بحيث يسمع كلامه ليرى ما عنده من باطل حتى يرد عليه , فإن السماع والاستماع هنا واجب , لأنه لا يمكنك أن ترد على قول إلا بعد أن تعرفه إذ أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره , وأيضا لا تسمع عن أقوال أهل البدع من أعدائهم بل من كتبهم , لأنه ربما تشوه المقالة , فإذا قلت: أنتم تقولون كذا وكذا قالوا: أبدا ما قلنا بهذا , أين كتبنا؟ ولهذا يخطئ بعض الناس حيث يحكم على شخص ببدعة أو بمفسق دون أن يرجع إلى الأصل , لا بد من الرجوع إلى الأصل لأنك إذا قلت لأحد أهل البدع أنتم قلتم كذا وكذا وقالوا لم نقل هذا هذه كتبنا تخسر كل الجولة ، ولا يوثق بكلامك , كذلك أيضا لا يجادلونهم في الدين, هذا يجب أن يقيد , لأن الله تعالى قال : ( وجادلهم بالتي هي أحسن)
فلا بد من المجادلة , كيف نعرف تميز الحق من الباطل إلا بالمجادلة والمناظرة.
نعم المجادلة التي يقصد بها المراء هذه (...) ويتركون , إذا علمنا أن الرجل يجادل مراءاة ما قصده الحق , فهذا (...) ويترك , وانظر إلى قصة أبي سفيان , حيث جعل ينادي يوم أحد: أفيكم محمد , أفيكم ابن أبي قحافة , أفيكم عمر ؟
قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا تجيبوه) . لماذا ؟
إهانة له وإذلالاً وعدم مبالاة به , فلما قال : أعل هبل , وافتخر بصنمه وشركه , قال : (أجيبوه) . الآن لا يمكن السكوت.
قالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا : (الله أعلى وأجلّ).
إذا كان صنمك قد علا اليوم فالله أعلى وأجل.
ثم قال : يوم بيوم بدر والحرب سجال.يوم بدر لمن؟ للمسلمين , ويوم أحد؟ لهؤلاء المشركين . قالوا له : لا سواء , قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار .
هذا أيضا افتخر بقومه واستذل المسلمين فلا بد من مجاوبته , قالوا: لا سواء , قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، على كل الحال المجادلة إذا كان المقصود بها بيان الحق كانت واجبة ولا بد منها, وكذلك المناظرة .
يرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب ضرت وجرت إليها من الوساوس والخطرات . هذا صحيح , الإنسان الذي يخشى على نفسه من سماع البدع أن يقع في قلبه شيء فالواجب عليه البعد وعدم السماع , وأما إذا كان عنده من اليقين والقوة والثبات ما لا يؤثر عليه سماعها فإنه إن كان في ذلك مصلحة سمعها , واستحببنا له أن يسمعها، وإن لم يكن في ذلك مصلحة قلنا الأولى أن لا تسمعها لما في ذلك من إضاعة الوقت واللغو.
(وفيه أَنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ قولَه : { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } )
الآية واضحة , { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } , لكن إذا كنت تريد أن تعرف ما هم عليه من الباطل لترده فإنه لا يدخل في الآية الكريمة .

سؤال : ما هي شروط وحدود إطلاق كلمة مبتدع ؟
الجواب:
هذا يعرف بتعريف البدعة , البدعة هي التعبد لله عز وجل بغير ما شرع وبغير ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه من عقيدة أو قول أو فعل , فقولنا: (التعبد) خرج به الأمور العادية , هذه وإن لم تكن معروفة في عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنها لا تضر . لكن إذا فعل الإنسان عبادة يدين الله بها سواء عقيدة أو قول أو فعل فهذه هي البدعة ومن تلبس بها فهو مبتدع .
لكن هل يضلل ويمقت ؟
نقول: لا , حتى تقوم عليه الحجة , ويبين له أن هذه بدعة , فإن أصر حينئذ قلنا إن الرجل فاسق أو كافر حسب ما تقتضيه هذه البدعة .
سؤال: هل الأشعري الذي له خير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدفاع عن حوزة الدين (...) ؟
إذا كان ينشر بدعته هذا الأشعري يجب أن تبين حاله ولكنه يثنى عليه بما معه من الخير ما لم يحصل بذلك فتنة.


الشيخ:
الذي يبدو لي والله أعلم أنها من العموم ، يعني من عموم الناس، يعني عمومهم ، فالظاهر هذا أنها من العموم، ويدل على هذا أنها تقرن في بعض الأحيان بالخاصة ، لأن الخاصة هم: حاشية الإنسان وأقاربه وأصدقاؤه وما أشبه ذلك، الظاهر أنه من عموم الناس، العامة يعني عموم الناس ، الذين لا يتميزون في شيء، هذا كلام الشيخ بكر كل يخطئ ويصيب .
الكلام السابق كان بحث جديد على كلمة العامّي ، لأن الشيخ بكر قال: إنه من العمى، وطلبت من القارئ أن يبحث الموضوع فتبين لنا أن مقتضى المادة أنه مأخوذ من العموم وأن العامية المنسوب للعامة، يعني عامة الناس، الذين لا يتميزون بشيء يختصون به.
فهذا كان بحث من أجل كلمة العامي.
القارئ :
بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد:
وعن سليمانَ بنِ يَسَارٍ أنَّ رَجُلًا يقالُ له : صَبِيغٌ ، قَدِمَ المدينةَ ، فجَعَلَ يَسألُ عن مُتشابِهِ القرآنِ ؟ فأَرْسَلَ إليه عمرُ رَضِي اللهُ عَنْهُ وقد أَعَدَّ له عَراجينَ النخْلِ ، فقالَ : مَن أنت ؟ قال : أنا عبدُ اللهِ صَبِيغٌ ، فأَخَذَ عُرجونًا من تلك العَراجينِ فضَرَبَه حتى دَمِي رأسُه ، ثم تَرَكَه حتى برَأَ ، ثم عادَ، ثم تَرَكَه حتى بَرَأَ ، فدَعَى به ليَعودَ ، فقالَ : إن كنتَ تُريدُ قَتْلِي ، فاقْتُلْنِي قَتْلًا جَميلًا فأَذِنَ له إلى أرْضِه ، وكتَبَ إلى أبي موسى الأشعريِّ باليَمَنِ : لا يُجالِسْهُ أحَدٌ من المسلمينَ .رواه الدارِمِيُّ .
وقيلَ : كان مُتَّهَمًا برأيِ الخوارجِ .
الشيخ :
هذا الحديث إذا صح سنده واتصاله فهو يدل على شدة عمر رضي الله عنه , على أولئك الذين يريدون المتشابه من القرآن , لأنه كان يورد آيات متشابه.
مثلا يقول : ( لا يؤذن لهم فيعتذرون )
ثم يأتي بالآيات الأخرى التي تدل على أنهم يعتذرون ولا يقبل منهم . ويأتي يقول : ( ولا يكتمون الله حديثا )
ثم يأتي بآيات أخرى تدل على إقرارهم بذنوبهم .
وما أشبه ذلك . وهذا لا شك أنه سعي في الأرض بالفساد وتشكيك الناس ، وحقَّ لمن هذه حاله أن يفعل به أمير المؤمنين رضي الله عنه ما فعل .
وفيه أيضا : أن بعض الناس قد يورد المتشابهات لاشتباهها عليه حقيقة وهذا لا يلام , قد يورد المتشابهات لأنه من الأصل لم يركز نفسه على إرادة الجمع بين النصوص , فتجده دائما يتتبع الأشياء المتشابهة ثم يأتي: ما الجمع بين كذا وكذا؟ .
وهذه الحقيقة مهنة ليست جيدة . وأذكر أن محمد الخلوتي رحمه الله , كان له حاشية على متن (الممتع) , وكان كل ما أتى ببحث قال: يحتمل كذا ويحتمل كذا , فلقب عند بعض طلبة العلم بالشكاك لأنه لا يستقر على رأي .
ولهذا ينبغي أن تتخذ لنفسك طريقا بأن تبني على أن الأمور واضحة ولا تتبع المتشابهات , لأنك إن تتبعت المتشابهات ربما تزل .
عرجون النخل : العذق الذي فيه التمر , قال تعالى: ( والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم )

القارئ :
والنوويُّ رَحِمَه اللهُ تعالى قالَ في كتابِ ( الأذكارِ ) : ( بابُ : التَّبَرِّي من أهلِ البِدَعِ والمعاصِي ) .
وذَكَرَ حديثَ أبي موسى رَضِي اللهُ عَنْهُ : ( أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِئَ من الصالِقَةِ ، والحالِقَةِ ، والشاقَّةِ ) . متَّفَقٌ عليه .
الشيخ :
هذه الثلاث معناها واضح:
الصالقة : هي التي ترفع صوتها بالنياحة .
والحالقة : التي تحلق شعرها تسخطا , وسواء حلقته بالموسى أو نتفته باليد .
والشاقة : التي تشق الجيب عند المصيبة.
وإنما برئ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من هؤلاء الثلاث , لعدم رضاهن بالقدر , ومن فعل من الرجال مثلهن فحكمه حكمهن .
لكنه ذكر ذلك لأن الغالب أن هذا يقع من النساء لأن الرجال أشد تحملا من النساء .
القارئ:
وعن ابنِ عمرَ بَراءَتُه من القَدَرِيَّةِ . رواه مسْلِمٌ .
الشيخ :
لأنه لما حدث بأن عندهم قوما يقولون: إن الأمر أُنف : يعني مستأنف وأن الله لم يقدره من قبل . قال للذي بلغه: أخبرهم بأن ابن عمر منهم بريء.
لأنهم أنكروا قضاء الله وقدره السابق.
تدرون من هم القدرية : هل هم الذين يثبتون القدر أم الذين ينفون القدر ؟
الذين ينفون القدر .
وهي نسبة عكسية لأن الذي يسمع القدرية يظن أن المعنى هم الذين يثبتون القدر . والأمر بالعكس , فهي نسبة سلب لا إيجاب , وهؤلاء القدرية يسمون مجوس هذه الأمة , وقد وردت في ذلك أحاديث , ووجه ذلك : أنهم جعلوا للحوادث محدثين , الحوادث الكونية التي من فعل الله أحدثها الله عز وجل كإنشاء الغيم وإنزال المطر وما أشبه ذلك , والحوادث التي تكون من فعل العبد استقل بها العبد , فهم يرون أن العبد مستقل بعمله وأن الله تعالى لا علاقة له به , إطلاقا , ولهذا سموا مجوسا لأنهم كالمجوس الذين يقولون: إن للحوادث خالقين , النور يخلق الخير والظلمة تخلق الشر .

القارئ :
والأمرُ في هَجْرِ المبتدِعِ يَنْبَنِي على مُراعاةِ المصالِحِ وتَكثيرِها ودَفْعِ الْمَفاسِدِ وتَقْلِيلِها ، وعلى هذا تَتَنَزَّلُ المشروعيَّةُ من عَدَمِها ؛ كما حَرَّرَه شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رَحِمَه اللهُ تعالى في مَوَاضِعَ .
الشيخ :
إذن عاد الشيخ إلى ما ذكرنا بالأمس وهو أن ينظر إلى المصالح , فإذا رأينا أن من المصلحة أن لا نهجره ولكن نبين الحق , لا نداهنه ونبقيه على بدعته ونقول: أنت على بدعتك ونحن على سنتنا , إذا رأينا من المصلحة هذا فترك الهجر أولى , وإن رأينا من المصلحة الهجر بأن يكون أهل السنة أقوياء وأولئك ضعفاء مهزومين فالهجر أولى .

القارئ :
والمبتدِعَةُ إنما يَكْثُرون ويَظْهَرون ؛ إذا قَلَّ العِلْمُ ، وفَشَا الْجَهْلُ، وفيهم يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحِمَهُ اللهُ تعالى : ( فإنَّ هذا الصِّنْفَ يَكْثُرُون ويَظهرونَ إذا كَثُرَت الجاهليَّةُ وأَهْلُها ، ولم يكنْ هناك من أَهْلِ العلْمِ بالنُّبُوَّةِ والمتابَعَةِ لها مَن يُظْهِرُ أنوارَها الماحيةَ لظُلمةِ الضَّلالِ ، ويَكشِفُ ما في خِلافِها من الإِفْكِ والشرْكِ والْمُحَالِ ) اهـ .
فإذا اشْتَدَّ ساعِدُك في العِلْمِ ، فاقْمَعْ المبتدِعَ وبِدعتَه بلسانِ الْحُجَّةِ والبيانِ ، والسلامُ .
الشيخ :
صحيح، إذا اشتد ساعدك في العلم , أما إذا لم يكن عندك العلم الوافي في رد البدعة فإياك أن تجادل . لأنك إذا هزمت وأنت سني لعدم قدرتك على مدافعة هذا المبتدع , فهو هزيمة لمن ؟ هزيمة للسنة , ولذلك لا نرى أنه يجوز للإنسان أن يجادل مبتدعا إلا وعنده قدرة على مجادلته .
وهكذا أيضا مجادلة غير المبتدعة - الكفار - لا نجادلهم وإلا ونحن نعلم أننا على يقين من أمرنا , وإلا كان الأمر عكسيا , بدل أن يكون الانتصار لنا ولما نحن عليه من دين وسنة , يكون الأمر بالعكس .
ومن ذلك يعني من قوة الحجة أن يكون معك من يساعدك , كما قال الشاعر :
لا تخاصم بواحد أهل بيت = فضعيفان يغلبان قويا
إذا صار معك أحد فإن حجتك سوف تقوى . لأن هو يقمعهم من الخد الأيمن وأنت تقمعهم من الخد الأيسر ، حتى يضيع. (...)

رِواءْ
27 - 11 - 2009, 09:33 PM
تم بفضل الله الباب الثانى "كيفية الطلب والتلقى "

هذا والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات حمدا طيبا مباركا فيه

وان كان من الصواب فلله الفضل وحده وان كان من الخطأ فمنى ومن

الشيطان

والله ورسوله منه بريئان

جزى الله أستاذتنا الغالية وفاء عنا خير الجزاء

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

يتبع الباب الثالث قريبا ان شاء الله

الله أسأل أن ينفعنى واياكنَ به

وأن يرزقنى الاخلاص فى القول والعمل

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

رِواءْ
28 - 11 - 2009, 02:27 AM
الفصلُ الثالثُ
أدَبُ الطالبِ مع شيخِه
الأمر الثامن عشر: رعايةُ حُرْمَةِ الشيخِ :
بما أنَّ العِلْمَ لا يُؤْخَذُ ابتداءً من الكُتُبِ بل لا بُدَّ من شيخٍ تُتْقِنُ عليه مفاتيحَ الطلَبِ ؛ لتَأْمَنَ من العِثارِ والزَّلَلِ ؛ فعليك إذنْ بالتَّحَلِّي برعايةِ حُرْمَتِه ؛ فإنَّ ذلك عُنوانُ النجاحِ والفلاحِ والتحصيلِ والتوفيقِ ، فليكنْ شيخُك مَحَلَّ إجلالٍ منك وإكرامٍ وتقديرٍ وتَلَطُّفٍ ، فخُذْ بِمَجَامِعِ الآدابِ مع شيخِك في جلوسِك معه ، والتحَدُّثِ إليه ، وحسْنِ السؤالِ والاستماعِ ، وحُسْنِ الأدَبِ في تصَفُّحِ الكتابِ أمامَه ومع الكتابِ وتَرْكِ التطاوُلِ والمماراةِ أمامَه ، وعدَمِ التقَدُّمِ عليه بكلامٍ أو مَسيرٍ أو إكثارِ الكلامِ عندَه ، أو الإلحاحِ عليه في جَوابٍ ؛ متَجَنِّبًا الإكثارَ من السؤالِ ، لا سِيَّمَا مع شُهودِ الملأ ، فإنَّ هذا يُوجِبُ لك الغُرورَ وله الْمَلَلَ .

الشيخ :
آداب الطالب مع شيخه وهذه من أهم الآداب لطالب العلم , أن يعتبر شيخه معلما مربيا , معلما يلقي إليه العلم، مربيا يلقي إليه الآداب .
والتلميذ إذا لم يثق بشيخه في هذين الأمرين فإنه لن يستفيد منه الفائدة المرجوة , مثلا إذا كان عنده شك في علمه , كيف ينتفع ؟ إن أي مسألة ترد على لسان الشيخ سوف لا يقبلها حتى يسأل ويبحث , وهذا خطأ في التقدير من وجه وخطأ في التصرف من وجه آخر , أما كونه خطأ في التقدير فإن الشيخ المفروض فيه أنه لن يجلس للتعليم إلا وهو يرى أنه أهل لذلك , وأن التلميذ أيضا لم يأت إلى هذا الشيخ الا وهو يعتقد أنه أهل .
أما في المنهج فلأن الطالب إذا سار هذا المسير وسلك هذا المنهج , سوف يبني علمه على شفا جرف هار .
لأن نفسه قلقة ليس واثقا كل الثقة من هذا الشيخ الذي قرأ عليه فلذلك يضيع عليه الوقت ويضيع عليه التحصيل .
وقول الشيخ: (بما أنَّ العِلْمَ لا يُؤْخَذُ ابتداءً من الكُتُبِ) سبق الكلام عليه وأنه يرى أنه لا بد من القراءة على شيخ , بل لا بد من شيخ تتقن عليه مفاتيح الطلب لتأمن من العثار والزلل , فعليك إذن بالتحلي برعاية حرمته , فإن ذلك عنوان النجاح والفلاح والتحصيل والتوفيق وهذا كما قال الشيخ واضح، (فليكن شيخك محل إجلال منك وإكرام وتقدير وتلطف) كل هذا صحيح , فهل نحن عملنا بذلك ؟والله ما أدري!!
لكن إذا كان الطالب يمر بشيخه ولا يسلم , هل هذا عمل ؟ لا هذا ليس بأدب, بل إنه إذا حاذى شيخه مرّ مر السحاب وعجل ليدرك هذا ليس من الآداب، نحن نذكر لما كنا طلبة إذا رأينا شيخنا من بعيد نقف ونسلم وإذا كنا مثلا عند دخول المسجد نمكنه من أن يدخل قبلنا، وأنا شخصيا لا أريد هذا، لا أريد أن تقفوا لي وأدخل قبلكم إن كان حقا لي فأنا مسامح، لكن أريد السلام الذي أمر الرسول بإفشاءه , كذلك بعض الناس يمر مع زميله منكم أنتم أيها الطلبة يمر مع زميله ثم يقنع برأسه هكذا كأنه يسبح في الماي فهذا غلط أيضا، أعجبني أحد الإخوة كان يمر من الصف خارجا من المسجد ولا يمر بواحد من الطلبة ولو كان بعيدا إلا سلم عليه هذا جيد، لكن كونه يمشي إلى جنبك هذا من اليمين وهذا من اليسار ثم يتلاقيان أنا في نفسي أنه لم يسلم أحدهم على الآخر لأني لا أسمع صوتا ولا أرى حركة وهذا غلط والله غلط , ينبغي لطالب العلم ولا سيما مع أقرانه أن يكون على أحسن الآداب .
يقول كذلك أيضا: (خذ بمجامع الآداب مع شيخك في جلوسك معه) , وهذا صحيح , اجلس جلسة المتأدب , يعني مثلا لا تمد رجليك ولا يديك لأن هذا سوء أدب , ولا تجلس متكئا , هذا أيضا سوء أدب لا سيما في مكان الطلب , أما إذا كنت في مكان جلوس عادي فالأمر أهون كذلك أيضا في التحدث إليه , لا تتحدث إلى شيخك وكأنما تتحدث مع قرينك , لا يستقيم هذا، تحدث إليه تحدث الابن إلى أبيه , باحترام وتواضع . لكن يا جماعة هذا ليس بالنسبة لي معكم أنا لا يهمني خاطبوني كأني أحد أقرانكم لا يهمني لكن فقط الشيء الذي لا بد منه لا بد منه.
يقول: (حسن السؤال والاستماع)، حسن السؤال والحمد لله حسب ما أرى أنكم تحسنون السؤال، لا أحد يسأل بلا استئذان وهذا طيب وإذا سأل يسأل بهدوء ورفق والحمد لله، هذا طيب , وبعضكم أيضا يقول أحسن الله إليك مثلا وما أشبه ذلك كل هذا والحمد لله أنتم على مستو جيد فيه (يقول التحدث إليه وحسن السؤال والاستماع) حسن الاستماع أيضا مهم بحيث يكون قلبك وقالبك متجها إلى محدثك، معلمك , لا تكن جالسا ببدنك سائرا بقلبك , في غير الدرس , لأن هذا يفوت عليك خير كثير، وأنت جالس الآن، وقتك لا بد أن يكون مملوكا لهذا الدرس.
وهل من علامات حضور القلب تشخيص العين ؟ لا . ليس من العلامات لكنه قد يكون قرينة- وإن كان قرينة هشة-
كذلك أيضا حسن الأدب في تصفح الكتاب أمامه ومع الكتاب , لا بد إذا تصفحت الكتاب يكون برفق أولا تأدبا مع الشيخ والثاني رفقا بالكتاب لئلا يتمزق . ولهذا قال: أمامه ومع الكتاب .
(وترك التطاول والمماراة أمامه) , والتطاول في الواقع ليس أمرا محسوسا مدركا بالحس الظاهر , لكن النفس تشعر بأن هذا السائل متطاول , وقد يكون هذا لسوء ظن وقد يكون لفراسة , لكن التطاول معروف . كذلك المماراة، المماراة يعني يجادل الشيخ، ثم إذا أجاب قال: وإذا كان كذا وإذا أجاب قال: وإذا كان كذا، مثلا يسألك عن مسألة من المسائل تجيبه ثم يأتي بمسألة فرضية، تجيبه على هذا الفرض فيأتي بفرض آخر أضيق من الأول هذه مماراة ليس لها داعي، الشيء الذي يمكن إيراده وهو إيراد صحيح هذا واضح إنه يورد ليزيل الإشكال أما أن يصل إلى المماراة لا.
(كذلك عدم التقدم عليه بكلام أو مسير) , الله المستعان , عدم التقدم عليه بكلام وهذا الحمد لله عندكم موجود، إلا أنه أحيانا بعض الحداث منكم يجيب قبل أن أتكلم أنا، ولكني ربما أقول أتريد أن أنزل عن هذا لك؟ فليتحمل مني، فعلى كل حال لا ينبغي للطالب أن يتقدم بين يدي الشيخ بكلام (أو مسير) أيضا , المسير هذا والحمد لله فيكم أدب منه لكن وفيكم شذوذ ومن ذلك أنه إذا تقدم الشيخ مثلا ليخرج من المسجد وكان حذاء الطالب عن يمين الشيخ والطالب عن يساره خطى الشيخ من الإمام ليأخذ الحذاء , هذا تقدم في المسير أم لا ؟ تقدم في المسير وإعاقة لسير الشيخ , كأنه يقول للشيخ: انتظر حتى أعبر وأمر هذا أيضا ليس من الأدب الطيب . وأنا مسامحكم فيه.
يقول أيضا: (أو إكثار الكلام عنده) إكثار الكلام عنده فيه تفصيل ، فالمجالس تختلف إذا كان مجلس علم ومجلس جد فلا تكثر لكن إذا كان مكان نزهة , فهذا لا بأس أن يأتي أحد ويكثر الكلام ويوسع صدر الشيخ وصدر الحاضرين ليس فيه مانع.
كذلك أيضا: (أو مداخلة في حديثه ودرسه بكلام منك) , المداخلة معناها أن الشيخ يتكلم، مستمرا في كلامه فتأتي أنت وتدخل في كلامه , لتقطع الكلام , هذا لا يصح لا في الدرس ولا خارج الدرس , لأنه من سوء الأدب . أو الإلحاح عليه في الجواب , مثلا إذا سأل الشيخ وقال له الشيخ انتظر , أعاد قال: انتظر، أعاد، قال: انتظر، ربما بعض الناس يقول : جاوب , وهو يقول انتظر ... هذا أيضا غلط إذا قال انتظر، فانتظر حتى يقول لك هو: ما سؤالك؟ ولا تلح عليه .
كذلك أيضا متجنبا الإكثار من السؤال , لأن بعض الناس يحب الإكثار من السؤال وقد يكون في غير موضوع الدرس.
فيقول الشيخ: (لا تكثر , لا سيما مع شهود الملأ فإن هذا يوجب لك الغرور وله الملل) , صحيح مثلا في مجلس كبير تبدأ تسأل وتسأل , بعض الناس حتى إذا جلسوا على المائدة أكثروا من الأسئلة على الشيخ , هذا يسأل وإذا انتهى الثاني يسأل وإذا انتهى الثالث يسأل والرابع يسألأ فيخرج الشيخ لم يأكل الطعام , وهؤلاء مستريحين لأنه يسأل السؤال ويبدأ يأكل والثاني يسأل السؤال ويبدأ يأكل والشيخ مسكين مشتغل بالأجوبة ولهذا لا حرج على الشيخ في هذه الحال أن يقول: إذا حضر الهرس بطل الدرس .
القارئ:
ولا تُنادِيهِ باسْمِه مُجَرَّدًا ، أو مع لَقَبِه كقولِك : يا شيخَ فلان ! بل قلْ : يا شيخي ! أو يا شَيْخَنَا ! فلا تُسَمِّه ؛ فإنه أَرْفَعُ في الأَدَبِ ، ولا تُخاطِبْهُ بتاءِ الخِطابِ ، أو تُنادِيهِ من بُعْدٍ من غيرِ اضطرارٍ .
الشيخ :
سبحان الله , هذه آداب عامة , لا تناديه باسمه , لا تقل يا محمد يا عبد الله يا علي، مجردا أو مع لقبه مثل يا شيخ عبد الله يا شيخ علي يا شيخ محمد، لا تفعل هذا بل قد يقال حتى ولا بلقبه , لا تقول يا شيخ . قل: ما تقول أحسن الله إليك وما أشبه ذلك.
أو يقولك بل قلْ : يا شيخي ! أو يا شَيْخَنَا ! فلا تُسَمِّه؛ فإنه أَرْفَعُ في الأَدَبِ.
طيب وهل يقال مثل ذلك بالنسبة لمناداة الأب ؟
يعني لا تناديه باسمه؟ , نعم، وهل تخبر عنه باسمه , تقول قال: قال فلان ؟ وقع عن الصحابة أنهم يسمون آباءهم , فيقول ابن عمر : قال عمر ,وما أشبه ذلك من الكلام.
فيقال: إن الخبر أهون من النداء , لأنك لو تنادي أباك فتقول : يا فلان , صار من سوء الأدب، لكن لو تقول : قال فلان , وهو مشهور بعلم , أو إمارة أو ما أشبه ذلك , فإنه لا يعد ذلك سوء أدب , فلكل مقام مقال .
وباب الطلب يجب أن يكون أشد في الاحترام .
يقول : (ولا تخاطبه بتاء الخطاب)
يعني مثلا لا تقول : قلت كذا وكذا أنت قلت كذا وكذا، قلت في الدرس الماضي كذا وكذا , لأن هذه فيها إساءة أدب وفيها إشعار بأنك لم ترض قوله , إذًا ماذا نقول ؟ قلنا كذا وكذا، مر علينا في كذا وكذا ، أما قلت كذا وكذا، فهذا لا يليق مع الشيخ.
(أو تناديه من بعد من غير اضطرار) , كأن يكون الشيخ في آخر الشارع وتقول يا فلان يا فلان , لا يصلح، متى أناديه؟ أسرع إليه لتصل فإذا وصلت فلا بأس , (إلا من ضرورة) إذا كان هناك ضرورة بحيث يكون عليه خطر هو، أمامه مثلا حفرة أمامه سيارات، أمامه أشياء يخاف عليه منها فهنا لا بأس أن تناديه من بعيد، أو أنت مضطر إليه، قد تكون ضرورة له أو لمن ناداه، قد تكون أنت مثلا تناديه من بُعد تريد أن يساعدك في شيء من الأشياء هذا لا بأس به .
القارئ :
وانْظُرْ ما ذَكَرَه اللهُ تعالى من الدَّلالةِ على الأَدَبِ مع مُعَلِّمِ الناسِ الخيرَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قولِه : { لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ... } الآيةُ .
الشيخ :
هذه الآية , للعلماء في تفسيرها قولان :
القول الاول : لا تنادوه باسمه , كما ينادي بعضكم بعضا , وهذا ما ساقه المؤلف أبو بكر من أجله .
والثاني : لا تجعلوا دعاؤه إياكم كدعاء بعضكم بعضا بل عليكم أن تجيبوه , وأن تمتثلوا أمره وتجتنبوا نهيه , بخلاف غيره , فغيره إذا دعاك إن شئت أجبه وإن شئت لا تجبه . يعني إذا قال يا فلان فإن شئت أجبه، وإن شئت لا تجبه. لكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا دعاك يجب أن تجيبه ولهذا قال العلماء: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا دعا الإنسان وهو في صلاة , وجب عليه أن يجيبه ولو قطعها .
ففي الآية قولان لأهل العلم، فعلى القول بأن المعنى لا تنادوه باسمه كما ينادي بعضكم بعضا تكون دعاء مضافة إلى الفاعل أم إلى المفعول؟ إلى المفعول , يعني لا تجعلوا دعاؤكم الرسولَ كدعاء بعضكم بعضا، وإذا قلنا دعاء الرسول يعني إذا دعاكم الرسول فأجيبوه , تكون مضافة إلى الفاعل , يعني لا تجعلوا دعاء الرسول إياكم كدعاء بعضكم بعضا , بناء على القاعدة التفسيرية أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا منافاة بينهما فإنها تحمل على المعنيين , هل يمكن أن نحملها هنا على المعنيين ؟ نعم يمكن أن نحملها على المعنيين .
القارئ :
وكما لا يَلِيقُ أن تَقولَ لوالِدِك ذي الأُبُوَّةِ الطينيَّةِ : ( يا فلانُ ) أو : ( يا وَالِدِي فلان ) فلا يَجْمُلُ بك مع شيخِك .
الشيخ :
الأبوة الطينية : لا تقول لأبيك من النسب يا فلان . فكذلك أبوك في العلم لا تقل له يا فلان .
ولم يقل الشيخ بكر أن تقول لوالدك بالنسب، قال بالأبوة الطينية، إشارة إلى حقارته بالنسبة لأب العلم , للمعلم .
القارئ :
والتَزِمْ تَوقيرَ المجلِسِ وإظهارَ السرورِ من الدَّرْسِ والإفادةِ به.
الشيخ :
هذا أيضا مهم , أن تبدي السرور من الدرس , والإفادة به , وأن ترتقبه بفارغ الصبر , أما أن تتململ , مرة تقلب الكتاب ومرة تخطط بالأرض ومرة تطلع المسواك تتسوك , ومرة تزين الغترة، وما أشبه ذلك هذا معناه الملل , فاللذي ينبغي أن الإنسان يفرح وأنه نزل في رياض يجني ثمارها .
القارئ :
وإذا بدا لك خطأٌ من الشيخِ ، أو وَهْمٌ فلا يُسْقِطُه ذلك من عَيْنِكَ فإنه سَبَبٌ لِحِرْمَانِكَ من عِلْمِه ، ومَن ذا الذي يَنْجُو من الخطأِ سالِمًا؟ .
الشيخ :
ولكن إذا بدا وهم أو خطأ من الشيخ , هل تسكت أو تنبهه ؟ وإذا نبهته فهل تنبهه في مكان الدرس ؟ أو في مكان آخر ؟
هذا يجب التزام الأدب فيه .
نقول : لا يجوز لك أن تسكت على الخطأ لأن هذا ضرر عليك وعلى شيخك , فإنك إذا نبهته على الخطأ وانتبه أصلح الخطأ .
كذلك الوهم , قد يتوهم ، قد يسبق لسانه إلى كلمة لا يريدها فلا بد من التنبيه , ولكن يبقى هل أنبهه في مكان الدرس أو إذا خرج؟ ينظر هنا للقرائن، قد تقتضي الحال أن تنبهه في الدرس , مثل الحال الآن تقتضي أن تنبهوننا في الدرس، لأن عندنا الحين كل واحد ما شاء الله معه مسجل فإذا لم يصلح الخطأ في حينه نشر هذا العلم على خطأ , فلا بد من التنبيه في مكان الدرس, أما لو كان المسألة ليس يسمع هذا الوهم أو هذا الخطأ إلا الطلاب , فإن من الأليق أن لا تنبه الشيخ في مكان الدرس , بل إذا خرج تلتزم الأدب معه وتمشي معه وتقول : سمعت كذا وكذا فلا أدري أوهمت أنا في السمع أم أن الشيخ أخطأ ؟ مثلا ، إذن التنبيه على الخطأ والوهم حكمه واجب ولا بد منه، لأن السكوت إضرار بالطالب وإضرار بالمعلم .
لكن أين يكون التنبيه؟ حسب ما تقتضيه الحال .
وعلى كل حال فكما قال الشيخ لا ينبغي للإنسان أن يسقط الشيخ من عينه بخطأ من ألف إصابة , أما لو كان كثير الخطأ، كل ما يتكلم به خطأ فهنا لا ينبغي أن يكون شيخا، هذا ينبغي أن يكون متعلما قبل أن يكون معلما.
القارئ :
واحْذَرْ أن تُمارِسَ معه ما يُضْجِرُه ومنه ما يُسَمِّيهِ الْمُوَلَّدُون : ( حربَ الأعصابِ ) بمعنى : امتحانِ الشيخِ على القُدرةِ العِلمِيَّةِ والتَّحَمُّلِ .
الشيخ :
هذا صحيح , بعض الناس يقصد امتحان الشيخ , فيأتي بأسئلة معضلة ويراوغ فيها، كل ما أجاب الشيخ من جواب يقول طيب وإذا كان كذا، قال فإذا كان كذا فالحكم كذا، قال وإذا كان كذا، ويصعده مائة درجة بهذه التقديرات، ويقول: أنظر هل يضجر ويمل ويغضب؟ , فما رأيكم لو غضب الشيخ في هذه الحال؟ يحق له ذلك؟ نعم، طيب لو ضرب الطالب؟ هذا شيء ينظر فيه.
القارئ :
وإذا بَدَا لك الانتقالُ إلى شيخٍ آخَرَ ؛ فاستأْذِنْه بذلك ؛ فإنه أَدْعَى لِحُرْمَتِه وأَمْلَكُ لقَلْبِه في مَحَبَّتِك والْعَطْفِ عليكَ .
الشيخ :
الله أكبر، كذلك أيضا إذا بدا لك أن تنتقل إلى شيخ آخر , أو أن تتعلم من شيخ آخر علما آخر غير ما تتعلمه عند شيخك فإنه من الأدب أن تستأذن للفائدة التي ذكرها الشيخ بكر لأنه ادعى لحرمته وأملك لقلبه في محبتك والعطف عليك , ثم إنه قد يعلم عن هذا الشيخ الذي أنت تريد الذهاب إليه ما لا تعلمه أنت , فينصحك, ويقول احذر منه أو لا تذهب إليه لأن كثيرا من الشباب الصغار قد يغترون بأسلوب أحد من الناس وبيانه وفصاحته فيظنونه ذاك الرجل العظيم لكنه على خطأ , فلهذا استئذان الشيخ له فوائد . منها ما ذكره الشيخ بكر ومنها ما أشرنا إليه الآن أنه قد يكون عند شيخك من العلم عن هذا الشيخ الذي تريد أن تذهب إليه ما ليس عندك فينصحك ويبين لك، كذلك أيضا إذا أراد الأنسان أن يسافر مثلا ويعرف من شيخه أنه يتفقد الطلاب , وأنه ينشغل قلبه إذا فقد أحدا ولا سيما إن كان من الحريصين , فينبغي أن تؤذنه , وتقول إنني سأسافر . حتى لا ينشغل قلبه أو يتهمك بالخمول والكسل والملل وما أشبه ذلك .
القارئ :
إلى آخِرِ جُملةٍ من الآدابِ يَعْرِفُها بالطبْعِ كلُّ مُوَفَّقٍ مُبارَكٍ وفاءً لحقِّ شيخِك في ( أُبُوَّتِه الدينيَّةِ ) أو ما تُسَمِّيه بعضُ القوانينِ باسمِ ( الرَّضاعِ الأدبيِّ ) وتَسميةُ بعضِ العُلماءِ له ( الأبُوَّةَ الدينيَّةَ ) أَلْيَقُ ؛ وتَرْكُه أَنْسَبُ .
واعْلَمْ أنه بِقَدْرِ رِعايةِ حُرْمَتِه يكونُ النجاحُ والفلاحُ ، وبقَدْرِ الْفَوْتِ يكونُ من عَلاماتِ الإخْفَاقِ .
....... تَنبيهٌ مُهِمٌّ :


أُعيذُك باللهِ من صَنيعِ الأعاجِمِ ، والطُّرُقِيَّةِ ، والْمُبتدِعَةِ الْخَلَفِيَّةِ ، من الْخُضوعِ الخارِجِ عن آدابِ الشرْعِ ، من لَحْسِ الأيدِي ،
وتَقبيلِ الأكتافِ والقبْضِ على اليمينِ باليمينِ والشمالِ عندَ السلامِ ؛ كحالِ تَوَدُّدِ الكِبارِ للأَطفالِ ، والانحناءِ عندَ السلامِ ، واستعمالِ الألفاظِ الرَّخوةِ المتخاذِلَةِ : سَيِّدِي ، مَوْلَاي ، ونحوِها من أَلفاظِ الْخَدَمِ والعَبيدِ .


الشيخ:
اعيذك بالله ... هذه الجملة يريد بها التحذير من هذا , صنيع الأعاجم والطرقية والمبتدعة الخلفية من الخضوع الخارج عن آداب الشرع , من لحس الأيدي , هذا ما سمعنا به ، لحس الأيدي أن يخرج الإنسان لسانه ويلحس اليد لكن تقبيل الأيدي لا بأس به ما لم يخرج إلى حد الإفراط والزيادة, وتقبيل الأكتاف هذا ليس مذموما على كل حال ولا محمودا بكل حال , عندما يأتي الإنسان من سفر مثلا فلا بأس أن يقبل جبهته وهامته وكذلك أكتافه , لأنه لا يضر إلا إذا اقتضى ذلك انحناءه .
(القبض على اليمين باليمين والشمال عند السلام) , هذا أيضا لا نرى فيه بأسا فإن ابن مسعود رضي الله عنه , قال : علمني النبي صلى الله عليه وسلم التشهد وكفي بين كفيه .
وهذا يدل على أنه يجوز أن يقبض الكف بين كفين , وإذا اعتاد الناس أن يفعلوا ذلك عند السلام فلا حرج , لأنه ليس فيه نهي , صحيح أن المصافحة باليد مع اليد فقط , لكن هذا من باب إظهار الشفقة والإكرام . لا نرى أن في ذلك بأسا.
الانحناء عند السلام حقا هذا خلق ذميم ينهى عنه لأنه ورد النهي عن ذلك .
و(استعمال الألفاظ الرخوة المتخاذلة : سيدي مولاي) , هذه ليس لها داعي , والحقيقة أن الشيخ سيد بالنسبة لتلميذه لكن لا ينبغي أن يتخاذل أمامه , حتى يقول سيدي أو يقول مولاي ولكن مع ذلك هو جائز من حيث الشرع , إلا أنه يقال بالنسبة للعبد المملوك يقوله لسيده المالك , كما جاء في الحديث (وليقل سيدي ومولاي).

القارئ :

وانْظُرْ ما يَقولُه العَلَّامَةُ السَّلفيُّ الشيخُ محمَّدٌ البشيرُ الإبراهيميُّ الجزائريُّ رَحِمَه اللهُ تعالى في ( البصائِرِ )؛ فإنه فائقُ السِّيَاقِ .
الشيخ :
يعني أحالنا على هذا الكتاب المسمى (البصائر) , فإنه فائق السياق ، لا أعرف الكتاب هذا ولا طالعته .
القارئ :
الأمر التاسع عشر : رأسُ مالِك – أيُّها الطالِبُ – من شَيْخِكَ :
القدوةُ بصالحِ أخلاقِه وكريمِ شمائِلِه ، أمَّا التلَقِّي والتلقينُ ، فهو رِبْحٌ زائدٌ ، لكن لا يَأْخُذُك الاندفاعُ في مَحَبَّةِ شيخِك فتَقَعَ في الشناعةِ من حيث لا تَدْرِي وكلُّ مَن يَنْظُرُ إليك يَدْرِي ، فلا تُقَلِّدْه بصوتٍ ونَغَمَةٍ ، ولا مِشْيَةٍ وحركةٍ وهَيْئَةٍ ؛ فإنه إنما صارَ شَيْخًا جَليلًا بتلك ، فلا تَسْقُطْ أنت بالتَّبَعِيَّةِ له في هذه .


الشيخ :

القدوة بصالح أخلاقه وكريم شمائله هذا من أهم ما يكون , إذا كان شيخك على جانب كبير من الأخلاق الفاضلة والشمائل الطيبة فهنا اجعله قدوة لك , لكن قد يكون الشيخ على خلاف ذلك أو عنده نقص في ذلك , فلا تقتدي به في مثل هذا ، ولا تقل إذا صار شيخك عنده خلق سيء فاقتديت به، تقول هكذا كان شيخي مثلا , لأن الشيخ يكون قدوة بالأخلاق الفاضلة والشمائل الطيبة , أما التلقي والتلقين فهو ربح زائد, والواقع أن التلقي والتلقين هو الأصل لأن التلميذ لم يأت للشيخ من أجل أن يتعلم منه الأخلاق فقط , بل من أجل أن يتعلم العلم أولا ثم الأخلاق ثانيا , ففي الحقيقة أن التلقي والتلقين أمر مقصود , كما أن الاقتداء به في أخلاقه أمر مقصود أيضا , ولهذا لو سألت أي طالب علم لماذا حضرت عند هذا الشيخ ؟ لقال: لأتلقى علمه , ولا يقول لأجعله قدوة لي في الأخلاق .

وعلى كل فالشيخ شيخ في العلم وفي الأخلاق .
أما قوله: (لا تقلده بصوت ونغمة) , فهذا صحيح , لأن بعض الناس يملكه الحب لشيخه أو لغيره من الناس حتى يبدأ بتقليد صوته ونغمته .
كذلك (ولا مشية وحركة وهيئة) , هذا أيضا ليست على إطلاقه , بل يقال: إذا كانت مشية الشيخ كمشية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاقتد بها , لكن لا لأن الشيخ قدوتك ولكن لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوتك . وكذلك أيضا الحركة , الحركة قد تكون من بعض المعلمين حركة ممقوتة , تجده مثلا لو تكلم بكلمة تحرك كل جسده، هذا لا تقتدي به في هذا , لكن حركة تبين المراد أو تبين ما في النفس من انفعال هذه لا بأس بها وربما تكون تنشط الطالب لأنك تجد فرقا بين معلم تكون له حركات تنبئ عن المعنى وعما في نفسه من إحساسات , وبين معلم يسرد لك الحديث سردا .
ولما كنت في الطلب في المعهد العلمي في الرياض يأتينا واحد يدرس لنا النحو ما شاء الله ولكنه هو يتكلم يتحرك كل شيء يحتاج إلى حركة يتحرك تجد أننا معه نتابع تماما ويحيينا حتى ولو كان بنا نوم في الأول يطير عنا النوم، لكن يأتي واحد يتكلم يسرد الحديث سردا هذا يكسل فهذه المسألة يُفَصَّل فيها .
الهيئة , لا تقلد شيخك في الهيئة إلا إذا كانت هيئته حسنة , نحن لا نقول اترك تقليده مطلقا ولا قلده مطلقا .
قد يكون مثلا الشيخ لا يبالي بالهيئة الجميلة، وبالثياب الحسنة، بلبس العباءة على ما ينبغي ، بلبس الشماغ على ما ينبغي ، هذا لا تقلده ، وقد يكون الشيخ مراعي المروءة في ذلك ويستعمل ما يجمله عند الناس ويزينه فهنا لا بأس أن تقلده .
إذن هذه مسائل تحتاج إلى تفصيل وأما قوله: (لا تسقط أنت بالتبعية له) , فإذا كنت أتابعه في أمر محمود فليس هذا بسقوط . هو يعني مثلا صافحت الشيخ وهو قائم فانحنيت له، أما هنا انحناؤك لتقبيل جبهته ، لا تعظيما له ولكن لا يمكن أن تقبله إلا وأنت منحنٍ ولهذا يكون انحناؤك فوق رأسه ، والانحناء للتعظيم يكون انحناءك تحته.
القارئ :
الأمر العشرون: نشاطُ الشيخِ في دَرْسِه :
يكونُ على قَدْرِ مَدارِكِ الطالبِ في استماعِه ، وجَمْعِ نفسِه وتَفَاعُلِ أحاسيسِه مع شيخِه في دَرْسِه ، ولهذا فاحْذَرْ أن تكونَ وسيلةَ قَطْعٍ لعِلْمِه بالكَسَلِ والفُتورِ والاتِّكاءِ وانصرافِ الذهْنِ وفُتورِه .
قالَ الْخَطيبُ البَغداديُّ رَحِمَه اللهُ تعالى : ( حقُّ الفائدةِ أن لا تُسَاقَ إلا إلى مُبْتَغِيهَا ، ولا تُعْرَضَ إلا على الراغبِ فيها ، فإذا رَأَى الْمُحَدِّثُ بعضَ الفُتورِ من المستَمِعِ فليسكُتْ ، فإنَّ بعضَ الأُدباءِ قالَ : نَشاطُ القائلِ على قَدْرِ فَهْمِ الْمُسْتَمِعِ ) .


ثم ساقَ بسَنَدِه عن زيدِ بنِ وَهْبٍ ، قال : ( قالَ عبدُ اللهِ : حَدِّث القوْمَ ما رَمَقوكَ بأبصارِهم ، فإذا رأيتَ منهم فَتْرَةً فانْزِعْ ). اهـ .

الشيخ :

أن يكون له همة وقوة في الاستماع إلى الشيخ واتباع نطقه حتى ينشط الشيخ على هذا , ولا يظهر للشيخ أنه قد ملّ وتعب بالاتكاء تارة والحملقة تارة , (حملق يعني ينظر يمين ويسار) أو تقليب الأوراق تارة . أو ما أشبه ذلك ، ولهذا ينبغي للإنسان أن لا يلقي العلم لا بين الطلبة ولا بين عامة الناس إلا وهم متشوفون له , حتى يكون كالغيث أصاب أرضا يابسة فقبلته، وأما أن يكره أو يفرض نفسه فهذا أمر لا ينبغي , أولا لأن الفائدة تكون قليلة , وثانيا ربما يقع في قلب السامع الذي أكره على الاستماع هذه الكلمة مثلا يقع في قلبه كراهة إما للشخص وإما لما يلقيه الشخص وكلا الأمرين مر , وأمرهما أن يكره ما يلقيه الشخص . فعلى كل حال متى رأيت الناس متشوفين للكلام فتكلم وإذا رأيت الأمر لا يناسب فلا تتكلم لا تثقل على الناس وهذا قد مر علينا في البخاري في حديث عبد الله بن عباس , أنك لا تلقي على القوم حديث إلا وأنت تعلم أنهم يحبون ذلك وإلا فلا تلقيه عليهم .

وهنا يقول عن الخطيب البغدادي رحمه الله: حق الفائدة أن لا تساق إلا إلى مبتغيها ولا تعرض إلا على الراغب فيها , فإذا رأى المحدث بعض الفتور من المستمع فليسكت , فإن بعض الأدباء قال :
نشاط القائل على قدر فهم المستمع .
وهذا صحيح , القائل المتكلم نشاطه على قدر فهم المستمع وإن شئت فقل على قدر انتباه المستمع، لأن الفهم مرتبة وراء الانتباه , ينتبه الإنسان أولا ثم يفهم , والفهم أمر خفي , لا نعرفه لكن الإنسان ينشط إذا رأى القوم قد انتبهوا له , وأحسنوا الإنصات والإصغاء .

رِواءْ
28 - 11 - 2009, 02:28 AM
القارئ :
الأمر الحادي والعشرون: الكتابة عن الشيخ حال الدرس والمذاكرة
وهي تَختلِفُ من شيخٍ إلى آخَرَ فافْهَمْ .
الشيخ :
كيف تختلف الكتابة عن الشيخ حال الدرس والمذاكرة من شيخ لآخر؟ بعضهم سريع وبعضهم يملي إملاءً , وبعضهم يلقي إلقاءً , وبعضهم لا يستحق أن يكتب ما يقول , لكن مثل هذا لا يضيع الإنسان وقته بالجلوس إليه , والكلام في شيخ يأتي الإنسان إليه ليستفيد، وأيضاً في مسألة الكتابة حال إلقاء الشيخ يجب أن يتنبه الإنسان إلى مسألة مهمة , وهي أنه قد يفوته بعض الكلمات من حيث لا يشعر فيكتب خلاف ما قال الشيخ كما جرى ذلك.
ونحن الآن ولله الحمد في هذا الوقت لا نحتاج إلى أن يكتب الطالب حال إلقاء الشيخ , لماذا ؟ عندنا مسجلات والحمد لله، تسجيل ينقل لك كلام الشيخ من أوله إلى آخره وأنت تستمع إليه وتقيد ما ترى أنه جدير بالقيد .

القارئ :
ولهذا أدَبٌ وشَرْطٌ : أمَّا الأَدَبُ ؛ فيَنبغِي لك أن تُعْلِمَ شيخَك أنك ستَكْتُبُ أو كَتَبْتَ ما سَمِعْتَهُ مُذاكَرَةً . وأَمَّا الشرْطُ ؛ فتُشيرُ إلى أنك كتَبْتَه من سَماعِه من دَرْسِه .

الشيخ:
الأدب لا بد أن تخبر الشيخ أنك ستكتب وإذا كنت تريد أن تسجل أخبره بأنك سوف تسجل , لأن الشيخ ربما لا يرضى أن تكتب عنه شيئاً كما يوجد في بعض المشايخ الآن لا يرضى أن أحدا يكتب عنه شيئا أو ينقل عنه بواسطة التسجيل، ولهذا من الأدب أن تستأذن من الشيخ.
وأما الشرط فتشير إلى أنك كتبته من سماعه من درسه حتى يتبين للقارئ , لأنك لو لم تشر إلى هذا , لظن القارئ أن الشيخ أملاه عليك إملاءً , وهناك فرق بين الإملاء وبين كتابة الدرس الذي يلقيه الشيخ بدون أن يشعر بأنه يُملي على الطلبة يعني ما يسمى بالتقرير , فرق بين كتابة التقرير وبين كتابة الإملاء , لأن الإملاء سوف يكون محرراً ومنقحاً , والشيخ لا يملي كلمة إلا ويعرف منتهاها , لكن التقرير يلقي الكلام هكذا مرسلاً ربما يتداخل بعضه مع بعض وربما يقول كلمة سهواً وغير ذلك , فيفرق بين التقرير وبين الإملاء . الإملاء كأنه كتبه بيده والتقرير ليس كذلك .
ولهذا ينبغي أن يستأذن من الشيخ , فإن قال قائل : هل إقرار الشيخ إذن ؟ بمعنى أنه إذا رأى الطلبة يكتبون وسكت . هل يعتبر إذناً ؟ نعم .
نقول : هو إذن بشرط القدرة على الإنكار , فإن كان لا يقدر أن ينكر , يخشى أن تثور عليه الطلبة وتهيج عليه الطلبة إذا قال لا تكتبوا , فلا يعتبر سكوته إقرار،
بالنسبة لي معكم سكوتي إقرار أنا أرى بعضكم يكتب ولا بأس ليس هناك مانع بشرط أن لا يشغله عن الاستماع.

رِواءْ
28 - 11 - 2009, 02:30 AM
القارئ :
الأمر الثاني والعشرون: التلَقِّي عن الْمُبْتَدِعِ :
احْذَرْ ( أبا الْجَهْلِ ) المبْتَدِعَ ، الذي مَسَّهُ زَيْغُ العَقيدةِ ؛ وغَشِيَتْهُ سُحُبُ الْخُرافةِ ؛ يُحَكِّمُ الْهَوَى ويُسَمِّيهِ العَقْلَ ، ويَعْدِلُ عن النَّصِّ ، وهل العَقْلُ إلا في النصِّ ؟! ويَستمْسِكُ بالضعيفِ ويَبْعُدُ عن الصحيحِ ، ويُقالُ لهم أيضًا : ( أهلُ الشُّبُهَاتِ ) ( وأهلُ الأهواءِ ) ولذا كان ابنُ المبارَكِ رَحِمَه اللهُ تعالى يُسَمِّي المبتَدِعَةَ ( الأصاغِرَ ) .
وقالَ الذهبيُّ رَحِمَه اللهُ تعالى : ( إذا رأيتَ المتكَلِّمَ المبْتَدِعَ يَقولُ : دَعْنَا من الكتابِ والأحاديثِ وهاتِ ( العَقْلَ ). فاعْلَمْ أنه أبو جَهْلٍ وإذا رأيتَ السالكَ التوحيديَّ يَقولُ : دَعْنَا من النقْلِ ومن العَقْلِ وهاتِ الذَّوْقَ والوَجْدَ ؛ فاعْلَمْ أنه إبليسُ قد ظَهَرَ بصورةِ بَشَرٍ ، أو قد حَلَّ فيه ، فإن جَبُنْتَ منه فاهْرُبْ ، وإلا فاصْرَعْهُ وابْرُكْ على صَدْرِه واقْرَأْ عليه آيةَ الكُرْسِيِّ واخْنُقْهُ ) اهـ .
الشيخ :
يقول: (احْذَرْ ( أبا الْجَهْلِ ) ) , أبا الجهل يعني صاحب الجهل , (المبْتَدِعَ الذي مَسَّهُ زَيْغُ العَقيدةِ ؛ وغَشِيَتْهُ سُحُبُ الْخُرافةِ ؛ يُحَكِّمُ الْهَوَى ويُسَمِّيهِ العَقْلَ) , وهذا التحذير الذي قاله الشيخ بكر أمر لازم , يجب أن نحذر أهل البدع وإن صاغوا البدع بصياغة مغرية مزخرفة فإنما هم كما قيل فيهم :
حجج تهافت كالزجاج تخالها = حقا وكل كاسر مكسور
فأنت كالظمآن يرى السراب فيحسبه ماء , حتى إذا جاءه وجد الله عنده فوفاه حسابه .
احذر صاحب الهوى , وهؤلاء الذين يتبعون أهواءهم في العقيدة يسمون ذلك : العقل .
والحقيقة أنه عقل لكنه عَقَلَهُم عن الهدى إلى اتباع الهوى، فهم كما قال ابن القيم في أمثالهم :
هربوا من الرق الذي خلقوا له = وبلوا برق النفس والشيطان
(ويَعْدِلُ عن النَّصِّ) ويقول: لقد دل العقل على خلافه - سبحان الله - هل العقل يخالف النص؟! أبدا , لا يمكن لأي عقل صريح أي خالٍ من الشبهات والشهوات يخالف النقل الصريح , أبداً لكن العلة إما من النقل بحيث يكون غير صحيح , وإما من العقل بحيث يكون غير صريح .
أما مع صراحة العقل وصحة النقل فلا يمكن أن يوجد تعارض إطلاقا , ولهذا ينعى الله سبحانه وتعالى عن المخالفين للرسل ينعى عليهم عقولهم , يقول : {أفلا يعقلون} {أفلا تعقلون} {لا يفقهون وما أشبه ذلك}
فالعقل كما قال الشيخ : (وهل العَقْلُ إلا في النصِّ ؟!)
قال : (ويَستمْسِكُ بالضعيفِ ويَبْعُدُ عن الصحيحِ) , وأكثر ما يكون هذا في الوعاظ والقصاص , تجدهم يحشون أدمغتهم بالأحاديث الضعيفة من أجل تهييج الناس ترغيبا أو ترهيبا . يتأتي مثلا يقول: (قل هو الله أحد) يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يخلق من كل حرف من سورة (قل هو الله أحد) ألف طائر , ولكل طائر ألف لسان كلها تدعو أو تسبح لهذا الذي قرأها ) .
من قال هذا ؟ وأشياء عجيبة غريبة في فضائل الأعمال تذكر .
كذلك (ويُقالُ لهم أيضًا : ( أهلُ الشُّبُهَاتِ ) ( وأهلُ الأهواءِ ) ولذا كان ابنُ المبارَكِ رَحِمَه اللهُ تعالى يُسَمِّي المبتَدِعَةَ ( الأصاغِرَ ) ).
وهذا وصف مطابق لموصوفه , فهم أصاغر وإن عظموا أنفسهم , وكل من خالف النص فهو صغير .
أما كلام الذهبي فيقول : ( إذا رأيتَ المتكَلِّمَ المبْتَدِعَ يَقولُ : دَعْنَا من الكتابِ والأحاديثِ وهاتِ ( العَقْلَ ). فاعْلَمْ أنه أبو جَهْلٍ) وليس أبا علم , بل هو جاهل .
(وقالَ الذهبيُّ رَحِمَه اللهُ تعالى : وإذا رأيتَ السالكَ التوحيديَّ يَقولُ : دَعْنَا من النقْلِ ومن العَقْلِ وهاتِ الذَّوْقَ والوَجْدَ) , وهؤلاء الصوفية , الصوفية كل دينهم ذوق , ووجد .
فهذا أيضا يقول: (فاعْلَمْ أنه إبليسُ قد ظَهَرَ بصورةِ بَشَرٍ) . والظاهر أن الذهبي رحمه الله لقي النكد من هؤلاء , ولهذا شدد في تقبيح أوصافهم، (أو قد حَلَّ فيه) يعني هو إما شيطان أو حل فيه الشيطان .
(فإن جَبُنْتَ منه فاهْرُبْ ), يعني إن عجزت أن تجادله وتناظره فاهرب , لأن هذه هي الحكمة وإلا كنت تستطيع أن تجادله وتفحمه فاصرعه ، صرعا حسيا أو معنويا؟ نرى
(وإلا فاصْرَعْهُ وابْرُكْ على صَدْرِه) . هذا يدل على أنه حسي.
(واقْرَأْ عليه آيةَ الكُرْسِيِّ ) –حتى يخرج الشيطان- (واخْنُقْهُ) .
الإنسان يسمع كلام الذهبي رحمه الله هذا في ظني أنه إذا صرعه ثم برك على صدره ثم قرأ عليه آية الكرسي ثم خنقه ، سينجو ، لأن الشيطان خنقه حينئذ شديدا وقويا، ولكن على كل حال الظاهر أن الشيخ رحمه الله –الذهبي- قد أصابه ما أصابه من هؤلاء, والمعافى من عافاه الله منه .
لو ذهبت إلى بعض البلاد الإسلامية لوجدت من هؤلاء القوم عجبا , كما يذكر عنهم , كما يذكر عنهم العلماء السابقون أم نحن يعني يصلون إلى حد الجنون , يضربون بالطبول يضربون بالعصي على الأرض، يغبرون ، تغبير يأخذ كل واحد منهم سوط ويهللون بتهليلاتهم وأذكارهم ثم يضرب الإنسان الأرض , ومن كان أكثر غبار فهو أصدق إرادة , يعني إذا كان أكثر غبارا صار أشد وأقوى فيكون هذا دليلا على أنه مريد حقا .
القارئ :
وقالَ أيضًا رَحِمَه اللهُ تعالى : ( وقرأتُ بخطِّ الشيخِ الموَفَّقِ قالَ : سَمِعْنَا دَرْسَه – أي: ابنِ أبي عَصْرونَ – مع أخي أبي عُمرَ وانْقَطَعْنَا ، فسمعتُ أَخِي يقولُ : دَخَلْتُ عليه بَعْدُ ، فقالَ : لم انْقَطَعْتُم عَنِّي؟ قلتُ : إنَّ ناسًا يَقولون: إنك أَشْعَرِيٌّ. فقالَ : واللهِ ما أنا أَشعريٌّ. هذا معنى الْحِكايةِ ) اهـ .
الشيخ :
يعني يستفاد منه أنه لا ينبغي أن تجلس إلى مبتدع ولو كانت بدعته خفيفة كبدعة الأشعريين .
القارئ :
وعن مالِكٍ رَحِمَه اللهُ تعالى قالَ : ( لا يُؤْخَذُ العِلْمُ عن أربعةٍ : سفيهٌ يُعْلِنُ السَّفَهَ وإن كان أَرْوَى الناسِ ، وصاحبُ بِدعةٍ يَدْعُو إلى هَواهُ ، ومَن يَكْذِبُ في حديثِ الناسِ ، وإن كنتُ لا أتَّهِمُه في الحديثِ ، وصالحٍ عابدٍ فاضلٍ إذا كان لا يَحْفَظُ ما يُحَدِّثُ به ) .
فيا أيُّها الطالِبُ ! إذا كنتَ في السَّعةِ والاختيارِ ؛ فلا تَأْخُذْ عن مُبْتَدِعٍ : رافِضِيٍّ أو خارجيٍّ أو مُرْجِئٍ أو قَدَرِيٍّ أو قُبُورِيٍّ . . . وهكذا ؛ فإنك لن تَبْلُغَ مَبْلَغَ الرجالِ – صحيحَ العَقْدِ في الدينِ مَتينَ الاتِّصالِ باللهِ صحيحَ النظَرِ تَقْفُو الأَثَرَ إلا بِهَجْرِ المبْتَدِعَةِ وبِدَعِهِم .
الشيخ :
وظاهر كلام الشيخ رحمه الله ووفقه الله, أنه لا يؤخذ عن صاحب البدعة شيء حتى فيما لا يتعلق ببدعته , فمثلا إذا وجدنا رجلا مبتدعا لكنه جيد في علم العربية: البلاغة والنحو والصرف , فهل نجلس إليه ونأخذ منه العلم الذي هو مجيد فيه أو نهجره ؟
ظاهر كلام الشيخ أننا لا نجلس إليه , لأن ذلك يوجب مفسدتين :
المفسدة الأولى : اغتراره بنفسه فيحسب أنه على حق .
والمفسدة الثانية : اغترار الناس به حيث يتوارد عليه طلاب العلم ويتلقون منه , والعامي لا يفرق بين علم النحو وعلم العقيدة , لهذا نرى أن الإنسان لا يجلس إلى أهل الأهواء والبدع مطلقا , حتى وإن كان لا يجد علم العربية والبلاغة والصرف مثلا إلا فيهم , فسيجعل الله له خيرا منهم .
لأن كوننا نأتي إلى هؤلاء ونتردد إليهم لا شك أنه يوجب غرورهم واغترار الناس بهم .
أسئلة يجيب عنها الشيخ

القارئ :
وكُتُبُ السِّيَرِ والاعتصامِ بالسُّنَّةِ حافلةٌ بإجهازِ أهلِ السُّنَّةِ على البِدْعَةِ ومُنابَذَةِ الْمُبْتَدِعَةِ والابتعادِ عنهم كما يَبْتَعِدُ السليمُ عن الأجْرَبِ المريضِ ولهم قِصَصٌ وواقعاتٌ يَطولُ شَرْحُها لكن يَطيبُ لي الإشارةُ إلى رُؤوسِ الْمُقَيَّدَاتِ فيها :
فقد كان السلَفُ رَحِمَهم اللهُ تعالى يَحتسِبونَ الاستخفافَ بهم وتَحقيرَهم ورَفْضَ المبتدِعِ وبِدْعَتَهُ ويُحَذِّرُون من مُخالَطَتِهم ومُشاوَرَتِهم ومُؤاكَلَتِهم فلا تَتَوَارَى نارُ سُنِّيٍّ ومُبتدِعٍ .
وكان من السلَفِ مَن لا يُصَلِّي على جَنازةِ مُبْتَدِعٍ ، فيَنصرِفُ وقد شُوهِدَ من العَلَّامَةِ الشيخِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ رَحِمَه اللهُ تعالى ، انصرافَه عن الصلاةِ على مُبْتَدِعٍ .
وكان من السلَفِ مَن يَنْهَى عن الصلاةِ خَلْفَهم ويَنْهَى عن حكايةِ بِدَعِهم ؛ لأنَّ القلوبَ ضَعيفةٌ والشُّبَهَ خَطَّافَةٌ .
وكان سهْلُ بنُ عبدِ اللهِ التُّسْتَرِيُّ لا يَرَى إباحةَ الأَكْلِ من الْمَيْتَةِ للمبتدِعِ عندَ الاضطرارِ ؛ لأنه باغٍ لقولِ اللهِ تعالى : { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ … } الآيةَ . فهو باغٍ ببِدْعَتِه .
وكانوا يَطْرُدُونَهم من مَجالسِهم ؛ كما في قِصَّةِ الإمامِ مالِكٍ رَحِمَه اللهُ تعالى مع مَن سأَلَه عن كيْفِيَّةِ الاستواءِ وفيه بَعْدَ جوابِه المشهورِ : ( أَظُنُّكَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ ) وأَمَرَ به فأُخْرِجَ .
وأخبارُ السلَفِ مُتكاثِرَةٌ في النُّفْرَةِ من المبتَدِعَةِ وهَجْرِهم حَذَرًا من شَرِّهم وتَحجيمًا لانتشارِ بِدَعِهم وكَسْرًا لنفوسِهم حتى تَضْعُفَ عن نَشْرِ البِدَعِ ، ولأنَّ في مُعاشَرَةِ السُّنِّيِّ للمُبتدِعِ تَزكيةً له لدَى الْمُبْتَدِئِ والعامِّيِّ – والعامِّيُّ مُشْتَقٌّ من العَمَى ، فهو بِيَدِ مَن يَقودُه غالبًا - .
ونَرَى في كتبِ المصطَلَحِ ، وآدابِ الطلَبِ ، وأحكامِ الْجَرْحِ والتعديلِ : الأخبارَ في هذا.
الشيخ :
المؤلف وفقه الله حذر هذا التحذير البليغ من أهل البدع وهم جديرون بذلك , ولاسيما إذا كان المبتدع سليط اللسان فصيح البيان , فإن شره يكون أكبر وأعظم , ولاسيما إذا كانت بدعته أيضا مكفرة أو مفسقة تفسيقا بالغا فإن خطره أعظم , ولاسيما إذا كان يتظاهر أمام الناس بأنه من أهل السنة لأن بعض أهل البدع عنده نفاق , تجده عند من يخاف منه يتمسكن ويقول أنا من أهل السنة وأنا لا أكره فلانا ولا فلانا من الصحابة وأنا معكم وهو كاذب فمثل هؤلاء يجب الحذر منهم , وقد مر علينا في الدرس الماضي أنه وإن كان المبتدع عنده علوم لا توجد عند أهل السنة ولا تتعلق بالعقيدة كمسائل النحو والبلاغة وما أشبهها فلا تأخذ منه . لأن يتولد من ذلك مفسدتان :
الأولى : اغتراره بنفسه.
والثانية : اغترار الناس به. الناس لا يعلمون، فلذلك يجب الحذر.
وقوله: (كان من السلف من لا يصلي على مبتدع), هذه على كل حال إذا كانت البدعة مكفرة فلا شك أن الصلاة عليه لا تجوز لقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المنافقين : { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } فهذا لا يصلى عليه .
أما إذا كانت غير مكفرة , فهذا ينظر فيما يترتب على ترك الصلاة عليه من المفسدة أو عدمها .
فإذا كان أهل السنة أقوياء وكان أهل البدعة في عنفوان دعوتهم فلا شك أن ترك الصلاة عليهم أولى , لأنه أهل السنة أقوى منهم وهؤلاء في عنفوان دعوتهم ربما إذا تركنا الصلاة عليهم يحصل بذلك ردع عظيم لهم .
وما ذكر عن الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله , مفتي البلاد السعودية في زمنهم يدل على قوته رحمه الله وصرامته , حيث انصرف عن الصلاة على مبتدع وأيضا الصلاة خلفه , من باب أولى أن يحذر الإنسان منه فإن كانت بدعته مكفرة فالصلاة خلفه مع العلم ببدعته المكفرة لا تصح , لأنه ائتم بمن ليس بإمام , وإن كانت دون ذلك فالصحيح أن الصلاة خلفه صحيحة لكن لا ينبغي أن يصلي خلفه .
وأما ما ذكر عن سهل بن عبد الله التستري الذي لا يبيح أكل الميتة للمبتدع وإن اضطر إلى ذلك , فإن كان هذا المبتدع كافرا فإنه لا يباح له عند الله أكل الميتة ولا أكل المزكاة,
لقوله الله تبارك وتعالى : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا)
ولقوله الله تعالى : ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) فدل هذا على أن الطيبات من الرزق والزينة التي أخرج الله للعباد ليست خالصة لغير المؤمنين يوم القيامة بل يحاسبون عليها .
فإذا كانت بدعته مكفرة فإننا نقول لا يحل له أن يأكل الميتة عند الاضطرار ولا المزكاة عند الاختيار . لكن نقل تب إلى الله من بدعتك المكفرة وكل كما يأكل المؤمنون .
وإن كانت بدعته مفسقة , ففيما قاله رحمه الله نظر , لأن الصحيح أن قوله تعالى : ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد ) أي: غير مبتغ لأكل الميتة , ولا عاد : أي غير معتد لأكل ما لا يحتاج إليه .
هذا هو الصحيح في معنى الآية, والدليل على أن هذا هو الصحيح قوله تعالى : ( فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم )
ومن العلماء من قال إن المراد بالباغي: من بغى على الإمام , وليس كل فاعل معصية , ففي كلام سهل رحمه الله فيه هذا التفصيل .وهو إذا كانت بدعته مكفرة فحرام عليه أن يأكل الميتة والمذكاة ويحاسب بذلك عند الله ، وإن كانت غير مكفرة ففيما قاله نظر، أما طرده من المجالس ؟ فنعم , يطردوه من المجالس، وللشيخ أن يطرد من مجلسه ما دون ذلك إذا رأى من أحد الطلبة أنه يريد أن يفسد الطلب عند زملائه , بحيث يعتدون على الشيخ ولا يهابونه ويحتقرونه , فله أن يطرده , لأن هذا يعتبر مفسدا فيطرد .
والإمام مالك رحمه الله قال : ما أراك إلا مبتدعا , لأن الذين يسألون عن مثل ذلك هم المبتدعة , يسألون كيف استوى ؟ يحرجون بذلك أهل السنة , يقول: أخبرني كيف استوى؟ كيف استواؤه؟ والجواب عن ذلك سهل : أن الله تعالى أخبرنا أنه استوى ولم يخبرنا كيف استوى .
وهل نعلم كيفية شيء لم نعلم به وهو غائب عنا ؟ أبدا .
لو قال لك قائل: إني بنيت بيتا , فقد علمت أنه بنى بيتا وتعرف كيف بناء البيت , لكن هل تعرف كيفية هذا البيت وما فيه من الحُجَر والغرف؟. الجواب: لا. إذا كنت لم تشاهده.
وهكذا صفات الله عز وجل , أخبرنا عنها ولم نخبر عن كيفيتها .
وقوله: (العامي : من العمى ), لم أعرف أنه مشتق من العمى إلا الآن فينظر في ذلك، هل هو من العمى؟ أو من العموم؟ أي من عموم الناس , والعامي لا شك أنه هو الجاهل الذي لا يعرف والجهل: عمى . فينظر في ذلك.
القارئ :
فيا أيُّها الطالِبُ ! كن سَلَفِيًّا على الْجَادَّةِ ، واحْذَر الْمُبْتَدِعَةَ أن يَفتِنُوكَ فإنهم يُوَظِّفُون للاقتناصِ والْمُخاتَلَةِ سُبُلًا ، يَفْتَعِلُون تَعبيدَها بالكلامِ المعسولِ – وهو : ( عَسَلٌ ) مَقلوبٌ

الشيخ :
العسل المقلوب كيف يكون؟ لسع.

القارئ :
وهُطولِ الدَّمعةِ ، وحُسْنِ البَزَّةِ ، والإغراءِ بالْخَيالاتِ ، والإدهاشِ بالكَرَامَاتِ ، ولَحْسِ الأَيْدِي ، وتَقبيلِ الأَكْتَافِ ........
وما وراءَ ذلك إلا وَحَمُ البِدعةِ ، ورَهَجُ الفِتنةِ ، يَغْرِسُها في فؤادِك ويَعْتَمِلُكَ في شِرَاكِه ، فواللهِ لا يَصْلُحُ الأَعْمَى لقِيادةِ العِميانِ وإرشادِهم .

الشيخ :
فضلا عن قيادة المبصرين. أليس كذلك؟ الله المستعان.

القارئ :
أمَّا الأَخْذُ عن عُلماءِ السنَّةِ فالْعَق العَسَلَ ولا تَسَلْ .
وفَّقَكَ اللهُ لرُشْدِكَ ؛ لتَنْهَلَ من مِيراثِ النُّبُوَّةِ صافيًا ، وإلا ، فلْيَبْكِ على الدِّينِ مَن كان باكيًا .
وما ذَكَرْتُه لك هو في حالِ السَّعةِ والاختيارِ ، أمَّا إن كنتَ في دِراسةٍ نِظاميَّةٍ لا خِيارَ لك ، فاحْذَرْ منه ، مع الاستعاذةِ من شَرِّه ؛ باليَقَظَةِ من دَسائسِه على حَدِّ قولِهم : ( اجْنِ الثِّمَارَ وأَلْقِ الخشَبَةَ في النارِ ) ولا تَتخاذَلْ عن الطلَبِ ، فأَخْشَى أن يكونَ هذا من التَّوَلِّي يومَ الزَّحْفِ ، فما عليك إلا أن تَتَبَيَّنَ أَمْرَه وتَتَّقِيَ شَرَّه وتَكْشِفَ سِتْرَهُ .

الشيخ :
هذا احتراز جيد , يعني أنه قد يلجأ إنسان إلى الأخذ عن مبتدع , وذلك في الدراسات النظامية , قد يندب إلى التدريس في علوم العربية أو في علوم أخرى من هو مبتدع ومعروف أنه من أهل البدعة , ولكن ماذا تعمل إذا كانت لا بد أن تدرس على هذا الشيخ ؟ نقول: خذ من خيره ودع شره , إن تكلم أمام الطلاب بما يخالف العقيدة فعليك بمناقشته إن كنت تقدر وإلا فارفعه لمن يقدر على مناقشته , واحذر أن تدخل معه في نقاش لا تستطيع التخلص منه , لأن هذا ضرر، ليس عليك أنت، ضرر على القول الذي تدافع عنه , لأنك إذا فشلت أمام هذا الأستاذ مثلا صار في هذا كسر للحق ونصر للباطل , لكن إذا كان عندك قدرة في مجادلته فعليك بذلك .
وربما يكون في هذا مصلحة للجميع , مصلحة لك أنت يهديه الله على يديك , ومصلحة له هو يهديه الله من بدعته , وهل يقال مثل ذلك في من ابتلوا في الدراسة مع الاختلاط على وجه نظامي ؟ لا، وواحد يقول: نعم , والثاني: يفصل , هاتوا ثالث يفصل، يمكن أن يقال بالتفصيل إن دعت الضرورة لذلك بأن لا يوجد جامعات أو مدارس خالية من ذلك فهنا قد تكون هناك ضرورة , وفي هذه الحال يجب على الطالب أن يبتعد عن الجلوس إلى امرأة أو التحدث معها أو تكرار النظر إليها , يعني بقدر ما يستطيع يبتعد عن الفتنة فأما إذا كان يمكن أن يدرس في مدارس أخرى خالية من الاختلاط , أو بها نصف اختلاط بأن يكون النساء في جانب والرجال في جانب آخر , وإن كان الدرس واحدا فليتق الله ما استطاع .
القارئ :
ومن النُّتَفِ الطريفةِ أنَّ أبا عبدِ الرحمنِ الْمُقْرِئَ حَدَّثَ عن مُرْجِئٍ ، فقيلَ له : لِمَ تُحَدِّثُ عن مُرْجِئٍ ؟ فقالَ : ( أَبيعُكم اللحمَ بالعِظامِ ) .
فالْمُقْرِئُ رَحِمَه اللهُ تعالى حَدَّثَ بلا غَرَرٍ ولا جَهالةٍ إذ بَيَّن فقالَ : ( وكان مُرْجِئًا ) .
الشيخ :
يعني معناه ما من لحم إلا وفيه عظم , فالباء هنا ليست للبدل بل للمصاحبة والمعية ,
فأنا أعلمكم أو أحدثكم بما حدثت به لكن أقول وكان مرجئا , فيكون العظم هنا في وسط اللحم , ولا شك أنه إذا دعت الحاجة إلى التحديث عن شخص صاحب بدعة لا شك أنه يُحَدث عنه لكن يبين حاله .
ما لم تكن بدعته مكفرة فإنه لا يقبل منه الحديث .
القارئ :
وما سَطَّرْتُه لك هنا هو من قَواعدِ مُعْتَقَدِكَ ؛ عقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ ؛ ومنه ما في ( العَقيدةِ السلَفِيَّةِ ) لشيخِ الإسلامِ أبي عثمانَ إسماعيلَ بنِ عبدِ الرحمنِ الصابونيِّ ؛ قالَ رَحِمَه اللهُ تعالى : ( ويَبْغَضُونَ أهْلَ البِدَعِ الذين أَحْدَثوا في الدِّينِ ما ليس منه ، ولا يُحِبُّونَهُم ، ولا يَصْحَبُونَهم ، ولا يَسْمَعُون كلامَهم ، ولا يُجالسونَهم ولا يُجادلونَهم في الدِّينِ ، ولا يُناظِرُونَهم ، ويَرَوْنَ صَوْنَ آذانِهم عن سَماعِ أباطلهم التي إذا مَرَّتْ بالآذانِ ، وقَرَّتْ في القلوبِ ، ضَرَّتْ ، وجَرَّتْ إليها من الوَساوِسِ والْخَطَراتِ الفاسدةِ ما جَرَتْ ، وفيه أَنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ قولَه : { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } ).
الشيخ :
كلام الصابوني رحمه الله يحتاج إلى بيان , فقوله : (ويَبْغَضُونَ أهْلَ البِدَعِ الذين أَحْدَثوا في الدِّينِ ما ليس منه)
لا شك أن هذا أمر واجب، على كل مسلم أن يبغض من أحدث في دين الله ما ليس منه , لكن إذا كانت بدعته غير مكفرة فإنه يبغض من وجه ويحب من وجه آخر , لكن بدعته تبغض بكل حال .
ولا يصحبونه , أيضا الصحبة إذا صحبته تأليفا له ودعوة له فلا بأس لكن بشرط أنك إذا أيست من صلاحه تركته وفارقته .
لا يسمعون كلامهم ولا يجالسونهم ولا يجادلونهم في الدين , ولا يناظرنهم :
كل هذه تحتاج إلى قيود :
لا يسمعون كلامهم , إذا لم يكن في ذلك فائدة , فإن كان في ذلك فائدة بحيث يسمع كلامه ليرى ما عنده من باطل حتى يرد عليه , فإن السماع والاستماع هنا واجب , لأنه لا يمكنك أن ترد على قول إلا بعد أن تعرفه إذ أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره , وأيضا لا تسمع عن أقوال أهل البدع من أعدائهم بل من كتبهم , لأنه ربما تشوه المقالة , فإذا قلت: أنتم تقولون كذا وكذا قالوا: أبدا ما قلنا بهذا , أين كتبنا؟ ولهذا يخطئ بعض الناس حيث يحكم على شخص ببدعة أو بمفسق دون أن يرجع إلى الأصل , لا بد من الرجوع إلى الأصل لأنك إذا قلت لأحد أهل البدع أنتم قلتم كذا وكذا وقالوا لم نقل هذا هذه كتبنا تخسر كل الجولة ، ولا يوثق بكلامك , كذلك أيضا لا يجادلونهم في الدين, هذا يجب أن يقيد , لأن الله تعالى قال : ( وجادلهم بالتي هي أحسن)
فلا بد من المجادلة , كيف نعرف تميز الحق من الباطل إلا بالمجادلة والمناظرة.
نعم المجادلة التي يقصد بها المراء هذه (...) ويتركون , إذا علمنا أن الرجل يجادل مراءاة ما قصده الحق , فهذا (...) ويترك , وانظر إلى قصة أبي سفيان , حيث جعل ينادي يوم أحد: أفيكم محمد , أفيكم ابن أبي قحافة , أفيكم عمر ؟
قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا تجيبوه) . لماذا ؟
إهانة له وإذلالاً وعدم مبالاة به , فلما قال : أعل هبل , وافتخر بصنمه وشركه , قال : (أجيبوه) . الآن لا يمكن السكوت.
قالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا : (الله أعلى وأجلّ).
إذا كان صنمك قد علا اليوم فالله أعلى وأجل.
ثم قال : يوم بيوم بدر والحرب سجال.يوم بدر لمن؟ للمسلمين , ويوم أحد؟ لهؤلاء المشركين . قالوا له : لا سواء , قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار .
هذا أيضا افتخر بقومه واستذل المسلمين فلا بد من مجاوبته , قالوا: لا سواء , قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، على كل الحال المجادلة إذا كان المقصود بها بيان الحق كانت واجبة ولا بد منها, وكذلك المناظرة .
يرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب ضرت وجرت إليها من الوساوس والخطرات . هذا صحيح , الإنسان الذي يخشى على نفسه من سماع البدع أن يقع في قلبه شيء فالواجب عليه البعد وعدم السماع , وأما إذا كان عنده من اليقين والقوة والثبات ما لا يؤثر عليه سماعها فإنه إن كان في ذلك مصلحة سمعها , واستحببنا له أن يسمعها، وإن لم يكن في ذلك مصلحة قلنا الأولى أن لا تسمعها لما في ذلك من إضاعة الوقت واللغو.
(وفيه أَنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ قولَه : { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } )
الآية واضحة , { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } , لكن إذا كنت تريد أن تعرف ما هم عليه من الباطل لترده فإنه لا يدخل في الآية الكريمة .

سؤال : ما هي شروط وحدود إطلاق كلمة مبتدع ؟
الجواب:
هذا يعرف بتعريف البدعة , البدعة هي التعبد لله عز وجل بغير ما شرع وبغير ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه من عقيدة أو قول أو فعل , فقولنا: (التعبد) خرج به الأمور العادية , هذه وإن لم تكن معروفة في عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنها لا تضر . لكن إذا فعل الإنسان عبادة يدين الله بها سواء عقيدة أو قول أو فعل فهذه هي البدعة ومن تلبس بها فهو مبتدع .
لكن هل يضلل ويمقت ؟
نقول: لا , حتى تقوم عليه الحجة , ويبين له أن هذه بدعة , فإن أصر حينئذ قلنا إن الرجل فاسق أو كافر حسب ما تقتضيه هذه البدعة .
سؤال: هل الأشعري الذي له خير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدفاع عن حوزة الدين (...) ؟
إذا كان ينشر بدعته هذا الأشعري يجب أن تبين حاله ولكنه يثنى عليه بما معه من الخير ما لم يحصل بذلك فتنة.


الشيخ:
الذي يبدو لي والله أعلم أنها من العموم ، يعني من عموم الناس، يعني عمومهم ، فالظاهر هذا أنها من العموم، ويدل على هذا أنها تقرن في بعض الأحيان بالخاصة ، لأن الخاصة هم: حاشية الإنسان وأقاربه وأصدقاؤه وما أشبه ذلك، الظاهر أنه من عموم الناس، العامة يعني عموم الناس ، الذين لا يتميزون في شيء، هذا كلام الشيخ بكر كل يخطئ ويصيب .
الكلام السابق كان بحث جديد على كلمة العامّي ، لأن الشيخ بكر قال: إنه من العمى، وطلبت من القارئ أن يبحث الموضوع فتبين لنا أن مقتضى المادة أنه مأخوذ من العموم وأن العامية المنسوب للعامة، يعني عامة الناس، الذين لا يتميزون بشيء يختصون به.
فهذا كان بحث من أجل كلمة العامي.
القارئ :
بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد:
وعن سليمانَ بنِ يَسَارٍ أنَّ رَجُلًا يقالُ له : صَبِيغٌ ، قَدِمَ المدينةَ ، فجَعَلَ يَسألُ عن مُتشابِهِ القرآنِ ؟ فأَرْسَلَ إليه عمرُ رَضِي اللهُ عَنْهُ وقد أَعَدَّ له عَراجينَ النخْلِ ، فقالَ : مَن أنت ؟ قال : أنا عبدُ اللهِ صَبِيغٌ ، فأَخَذَ عُرجونًا من تلك العَراجينِ فضَرَبَه حتى دَمِي رأسُه ، ثم تَرَكَه حتى برَأَ ، ثم عادَ، ثم تَرَكَه حتى بَرَأَ ، فدَعَى به ليَعودَ ، فقالَ : إن كنتَ تُريدُ قَتْلِي ، فاقْتُلْنِي قَتْلًا جَميلًا فأَذِنَ له إلى أرْضِه ، وكتَبَ إلى أبي موسى الأشعريِّ باليَمَنِ : لا يُجالِسْهُ أحَدٌ من المسلمينَ .رواه الدارِمِيُّ .
وقيلَ : كان مُتَّهَمًا برأيِ الخوارجِ .
الشيخ :
هذا الحديث إذا صح سنده واتصاله فهو يدل على شدة عمر رضي الله عنه , على أولئك الذين يريدون المتشابه من القرآن , لأنه كان يورد آيات متشابه.
مثلا يقول : ( لا يؤذن لهم فيعتذرون )
ثم يأتي بالآيات الأخرى التي تدل على أنهم يعتذرون ولا يقبل منهم . ويأتي يقول : ( ولا يكتمون الله حديثا )
ثم يأتي بآيات أخرى تدل على إقرارهم بذنوبهم .
وما أشبه ذلك . وهذا لا شك أنه سعي في الأرض بالفساد وتشكيك الناس ، وحقَّ لمن هذه حاله أن يفعل به أمير المؤمنين رضي الله عنه ما فعل .
وفيه أيضا : أن بعض الناس قد يورد المتشابهات لاشتباهها عليه حقيقة وهذا لا يلام , قد يورد المتشابهات لأنه من الأصل لم يركز نفسه على إرادة الجمع بين النصوص , فتجده دائما يتتبع الأشياء المتشابهة ثم يأتي: ما الجمع بين كذا وكذا؟ .
وهذه الحقيقة مهنة ليست جيدة . وأذكر أن محمد الخلوتي رحمه الله , كان له حاشية على متن (الممتع) , وكان كل ما أتى ببحث قال: يحتمل كذا ويحتمل كذا , فلقب عند بعض طلبة العلم بالشكاك لأنه لا يستقر على رأي .
ولهذا ينبغي أن تتخذ لنفسك طريقا بأن تبني على أن الأمور واضحة ولا تتبع المتشابهات , لأنك إن تتبعت المتشابهات ربما تزل .
عرجون النخل : العذق الذي فيه التمر , قال تعالى: ( والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم )

القارئ :
والنوويُّ رَحِمَه اللهُ تعالى قالَ في كتابِ ( الأذكارِ ) : ( بابُ : التَّبَرِّي من أهلِ البِدَعِ والمعاصِي ) .
وذَكَرَ حديثَ أبي موسى رَضِي اللهُ عَنْهُ : ( أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِئَ من الصالِقَةِ ، والحالِقَةِ ، والشاقَّةِ ) . متَّفَقٌ عليه .
الشيخ :
هذه الثلاث معناها واضح:
الصالقة : هي التي ترفع صوتها بالنياحة .
والحالقة : التي تحلق شعرها تسخطا , وسواء حلقته بالموسى أو نتفته باليد .
والشاقة : التي تشق الجيب عند المصيبة.
وإنما برئ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من هؤلاء الثلاث , لعدم رضاهن بالقدر , ومن فعل من الرجال مثلهن فحكمه حكمهن .
لكنه ذكر ذلك لأن الغالب أن هذا يقع من النساء لأن الرجال أشد تحملا من النساء .
القارئ:
وعن ابنِ عمرَ بَراءَتُه من القَدَرِيَّةِ . رواه مسْلِمٌ .
الشيخ :
لأنه لما حدث بأن عندهم قوما يقولون: إن الأمر أُنف : يعني مستأنف وأن الله لم يقدره من قبل . قال للذي بلغه: أخبرهم بأن ابن عمر منهم بريء.
لأنهم أنكروا قضاء الله وقدره السابق.
تدرون من هم القدرية : هل هم الذين يثبتون القدر أم الذين ينفون القدر ؟
الذين ينفون القدر .
وهي نسبة عكسية لأن الذي يسمع القدرية يظن أن المعنى هم الذين يثبتون القدر . والأمر بالعكس , فهي نسبة سلب لا إيجاب , وهؤلاء القدرية يسمون مجوس هذه الأمة , وقد وردت في ذلك أحاديث , ووجه ذلك : أنهم جعلوا للحوادث محدثين , الحوادث الكونية التي من فعل الله أحدثها الله عز وجل كإنشاء الغيم وإنزال المطر وما أشبه ذلك , والحوادث التي تكون من فعل العبد استقل بها العبد , فهم يرون أن العبد مستقل بعمله وأن الله تعالى لا علاقة له به , إطلاقا , ولهذا سموا مجوسا لأنهم كالمجوس الذين يقولون: إن للحوادث خالقين , النور يخلق الخير والظلمة تخلق الشر .

القارئ :
والأمرُ في هَجْرِ المبتدِعِ يَنْبَنِي على مُراعاةِ المصالِحِ وتَكثيرِها ودَفْعِ الْمَفاسِدِ وتَقْلِيلِها ، وعلى هذا تَتَنَزَّلُ المشروعيَّةُ من عَدَمِها ؛ كما حَرَّرَه شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رَحِمَه اللهُ تعالى في مَوَاضِعَ .
الشيخ :
إذن عاد الشيخ إلى ما ذكرنا بالأمس وهو أن ينظر إلى المصالح , فإذا رأينا أن من المصلحة أن لا نهجره ولكن نبين الحق , لا نداهنه ونبقيه على بدعته ونقول: أنت على بدعتك ونحن على سنتنا , إذا رأينا من المصلحة هذا فترك الهجر أولى , وإن رأينا من المصلحة الهجر بأن يكون أهل السنة أقوياء وأولئك ضعفاء مهزومين فالهجر أولى .

القارئ :
والمبتدِعَةُ إنما يَكْثُرون ويَظْهَرون ؛ إذا قَلَّ العِلْمُ ، وفَشَا الْجَهْلُ، وفيهم يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحِمَهُ اللهُ تعالى : ( فإنَّ هذا الصِّنْفَ يَكْثُرُون ويَظهرونَ إذا كَثُرَت الجاهليَّةُ وأَهْلُها ، ولم يكنْ هناك من أَهْلِ العلْمِ بالنُّبُوَّةِ والمتابَعَةِ لها مَن يُظْهِرُ أنوارَها الماحيةَ لظُلمةِ الضَّلالِ ، ويَكشِفُ ما في خِلافِها من الإِفْكِ والشرْكِ والْمُحَالِ ) اهـ .
فإذا اشْتَدَّ ساعِدُك في العِلْمِ ، فاقْمَعْ المبتدِعَ وبِدعتَه بلسانِ الْحُجَّةِ والبيانِ ، والسلامُ .
الشيخ :
صحيح، إذا اشتد ساعدك في العلم , أما إذا لم يكن عندك العلم الوافي في رد البدعة فإياك أن تجادل . لأنك إذا هزمت وأنت سني لعدم قدرتك على مدافعة هذا المبتدع , فهو هزيمة لمن ؟ هزيمة للسنة , ولذلك لا نرى أنه يجوز للإنسان أن يجادل مبتدعا إلا وعنده قدرة على مجادلته .
وهكذا أيضا مجادلة غير المبتدعة - الكفار - لا نجادلهم وإلا ونحن نعلم أننا على يقين من أمرنا , وإلا كان الأمر عكسيا , بدل أن يكون الانتصار لنا ولما نحن عليه من دين وسنة , يكون الأمر بالعكس .
ومن ذلك يعني من قوة الحجة أن يكون معك من يساعدك , كما قال الشاعر :
لا تخاصم بواحد أهل بيت = فضعيفان يغلبان قويا
إذا صار معك أحد فإن حجتك سوف تقوى . لأن هو يقمعهم من الخد الأيمن وأنت تقمعهم من الخد الأيسر ، حتى يضيع. (...)

رِواءْ
28 - 11 - 2009, 02:33 AM
تم بفضل الله الباب الثالث "آداب الطالب مع شيخه "

هذا والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات حمدا طيبا مباركا فيه

وان كان من الصواب فلله الفضل وحده وان كان من الخطأ فمنى ومن

الشيطان

والله ورسوله منه بريئان

جزى الله أستاذتنا الغالية وفاء عنا خير الجزاء

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

يتبع الباب الرابع قريبا ان شاء الله

الله أسأل أن ينفعنى واياكنَ به

وأن يرزقنى الاخلاص فى القول والعمل

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

رِواءْ
29 - 11 - 2009, 10:33 PM
القارئ :
23- احْذَرْ قَرينَ السَّوءِ :
كما أنَّ العِرْقَ دَسَّاسٌ فإنَّ ( أَدَبَ السَّوءِ دَسَّاسٌ ) إذ الطَّبيعةُ نَقَّالَةٌ ، والطِّباعُ سَرَّاقَةٌ ، والناسُ كأسرابِ الْقَطَا مَجْبولون على تَشَبُّهِ بعضِهم ببعضٍ ، فاحْذَرْ مُعاشَرَةَ مَن كان كذلك ؛ فإنه العَطَبُ ، ( والدفْعُ أسْهَلُ من الرفْعِ ).
وعليه فتَخَّير للزَّمالةِ والصداقةِ مَن يُعينُك على مَطْلَبِكَ ، ويُقَرِّبُك إلى رَبِّكَ ، ويُوافِقُكَ على شَريفِ غَرَضِكَ ومَقْصِدِكَ ، وخُذْ تَقسيمَ الصديقِ في أَدَقِّ الْمَعايِيرِ .
الشيخ :
هذه الكلمات مأخوذة من قول الرسول عليه الصلاة والسلام : ( مثل الجليس الصالح كحامل المسك) (ومثل الجليس السوء كنافخ الكير )
فعليك بإختيار الصديق الصالح الذي يدلك على الخير ويبينه لك ويحثك عليه ويبين لك الشر ويحذرك منه , وإياك وجليس السوء , فإن المرء على دين خليله , وكم من إنسان مستقيم قُيد له شيطان من بني آدم فصده عن الاستقامة , وكم من إنسان جائر قاسي يُسر له من يدله على الخير بسبب الصحبة .
وبناء على ذلك نقول : إذا كان في مصاحبة الفاسق سبب لهدايته فلا بأس أن تصحبه, وتدعوه إلى بيتك , وتأتي إلى بيته تخرج معه للتمشي بشرط أن لا يقدح ذلك في عدالتك عند الناس , وكم من إنسان فاسق هداه الله تعالى بما يسر له من صحبة الخير .
وقول الشيخ بكر وفقه الله : الناس كأسراب القطا سبق أن هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو حقيقة فالناس يتبع بعضهم بعضا.
وقوله: ( الدفع أسهل من الرفع ) هذه قاعدة فقهية ذكرها ابن رجب رحمه الله في القواعد الفقهية أن الدفع أسهل من الرفع وفي معناها قول الأطباء : الوقاية أسهل من العلاج , لأن الدفع ابتعاد عن الشر وأسبابه , لكن إذا نزل الشر صار من الصعب أن يرفعه الإنسان .
لا هذا غلط هذا من وحي الشيطان أن يقع الإنسان في عرض العلماء، إذا وقع الإنسان في أعراض العلماء فإن معتد ظالم وليست غيبة العلماء كغيبة العامة لأن غيبة العلماء فيها مفسدة خاصة ومفسدة عامة، المفسدة الخاصة بالنسبة لهذا العالم، والمفسدة العامة بالنسبة لما يحمله من علم فإن الناس إذا سقط الإنسان من أعينهم لم يقبلوا منه صرفا ولا عدلا فيكون في هذا جناية على الشريعة التي يحملها هذا العالم والإنسان الناصح هو الذي إذا رأى من أحد من العلماء أو طلبة العلم أو عامة الناس إذا رأى ما ينكره أن يتصل بالعالم أو طالب العلم أو العامي ويتبين الأمر فقد يكون ما تظنه أنت خطأ وقد يكون صوابا لا لعين هذا الفعل ولكن لما يلابسه من أحوال تستدعي أن يقوله هذا العالم أو أن يفعله هذا العالم لأنه قد يكون الشيء منكرا في حد ذاته لكن يفعله بعض الناس لمصلحة أكبر لهذا نرى أن أولئك الذين يقعون في أعراض العلماء أنهم قد جنوا على العلماء وعلى ما يحملونه من علم والواجب توقيظ العالم لا سيما العالم الذي عرف بأنه يريد الحق ويجتهد في طلبه ولكنه قد يزل وهذا أمر لا يسلم منه البشر (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)
القارئ :
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد:
وخُذْ تَقسيمَ الصديقِ في أَدَقِّ الْمَعايِيرِ .
القسم الأول: صديقُ مَنْفَعَةٍ .
القسم الثاني: صديقُ لَذَّةٍ .
القسم الثالث: صديقُ فَضيلةٍ.
فالأَوَّلان مُنقَطِعان بانْقِطاعِ مُوجِبِهما ؛ الْمَنْفَعَةِ في الأَوَّلِ ، واللَّذَّةِ في الثاني .
وأمَّا الثالثُ فالتعويلُ عليه ، وهو الذي باعِثُ صداقتِه تَبادُلُ الاعتقادِ في رُسوخِ الفَضائلِ لدَى كلٍّ منهما . وصديقُ الفَضيلةِ هذا ( عُمْلَةٌ صَعبةٌ ) يَعِزُّ الْحُصولُ عليها .
ومن نَفيسِ كلامِ هِشامِ بنِ عبدِ الملِكِ قولُه : ( ما بَقِيَ من لَذَّاتِ الدنيا شيءٌ إلا أخٌ أَرْفَعُ مَؤُونَةَ التحَفُّظِ بَيْنِي وبَيْنَهُ ) اهـ .
ومن لَطيفِ ما يُقَيَّدُ قولُ بعضِهم : ( العُزْلَةُ من غيرِ عَيْنِ العِلْمِ زَلَّةٌ، ومن غيرِ زايِ الزُّهْدِ عِلَّةٌ )
الشيخ :
يعني العزلة: احذف العين: تكون زلة، والثاني من غير زاي الزهد: علة، يعني احذف الزاي تكون علة، إذا لا بد من علم ولا بد من زهد، قبل أن ينعزل الإنسان عن الناس . طيب هؤلاء الأصدقاء , قسمهم إلى ثلاثة أصدقاء :
صديق منفعة : وهو الذي يصادقك مادام ينتفع منك بمال أو جاه أو غير ذلك , فإذا انقطع الانتفاع فهو عدوك لا يعرفك ولا تعرفه .. وما أكثر هؤلاء , ما أكثر (الذين يلمزون في الصدقات إن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) , صديق لك حميم ترى أنه من أعز الناس عندك وأنت من أعز الناس عنده يسألك يوما من الأيام يقول : اعطني كتابك أقرأ به . فتقول : والله الكتاب أنا محتاجه اليوم أعطيك إياه غداً فينتفخ عليك ويعاديك . هل هذا صديق ؟ هذا صديق منفعة (...)
والثاني . صديق لذة : يعني لا يصادقك إلا لأنه يتمتع بالجلوس إليك والمحادثات والمآنسات والمسامرات , ولكنه لا ينفعك ولا تنتفع منه أنت , كل واحد منكم لا ينفع الآخر . ليس إلا ضياع وقت فقط . هذا أيضاً احذر منه أن يُضيع أوقاتك .
والثالث . صديق فضيلة : . يحملك على ما يزين وينهاك عن ما يشين ويفتح لك أبواب الخير ويدلك عليه وإذا زللت نبهك على وجه لا يخدش كرامتك , هذا هو صديق الفضيلة
كلمة صديق منفعة من أوسع هذه الأقسام , لأن المنافع كثيرة جدا , فإذا رأيت هذا الرجل لا يصادقك إلا حيث ينتظر منفعتك فاعلم أنه عدو وليس بصديق, كذلك صديق اللذة الذي يشغلك ويلهيك , بالتمتع بالسمر وإضاعة الوقت في الخروج للمنتزهات وغير ذلك أيضا هذا لا خير فيه .
الذي يجب أن تعض عليه بالنواجذ هو صديق الفضيلة . يحملك على كل فضيلة وينهاك عن كل رزيلة (...) نحن الآن بدأنا تقسيم الأصدقاء إلى ثلاثة أقسام: صديق منفعة وصديق لذة وصديق فضيلة، وقلنا استمسك بغرز صديق الفضيلة.

رِواءْ
29 - 11 - 2009, 10:35 PM
تم بفضل الله الباب الرابع "آداب الزمالة "

هذا والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات حمدا طيبا مباركا فيه

وان كان من الصواب فلله الفضل وحده وان كان من الخطأ فمنى ومن

الشيطان

والله ورسوله منه بريئان

جزى الله أستاذتنا الغالية وفاء عنا خير الجزاء

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

يتبع الباب الخامس قريبا ان شاء الله

الله أسأل أن ينفعنى واياكنَ به

وأن يرزقنى الاخلاص فى القول والعمل

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 03:00 AM
القارئ :
الفصل الخامس آداب الطالب في حياته العلمية:
الأمر الرابع والعشرون- كِبَرُ الْهِمَّةِ في العِلْمِ :
من سجايا الإسلامِ التَّحَلِّي بكِبَرِ الْهِمَّةِ ؛ مرْكَزِ السالِبِ والموجِبِ في شَخْصِك ، الرقيبِ على جوارِحِك ، كِبَرُ الْهِمَّةِ يَجْلُبُ لك بإذْنِ اللهِ خَيْرًا غيرَ مَجذوذٍ ، لتَرْقَى إلى دَرجاتِ الكَمالِ ، فيُجْرِيَ في عُروقِك دَمَ الشَّهَامةِ ، والرَّكْضَ في مَيدانِ العِلْمِ والعَمَلِ ، فلا يَراكَ الناسُ وَاقِفًا إلا على أبوابِ الفضائلِ ولا باسطًا يَدَيْكَ إلا لِمُهِمَّاتِ الأمورِ .

الشيخ :
وهذا من أهم ما يكون، أن يكون الإنسان في طلب العلم له هدف ليس مراده مجرد قتل الوقت بهذا الطلب بل يكون له همة , ومن أهم همم طالب العلم أن يريد القيادة والإمامة للمسلمين في علمه , ويشعر أن هذه درجة هو يرتقي إليها درجة درجة حتى يصل إليها , وإذا كان كذلك فسوف يرى أنه واسطة بين الله عز وجل وبين العباد في تبليغ الشرع , هذه مرتبة ثانية , وإذا شعر بهذا الشعور فسوف يحرص غاية الحرص على اتباع ما جاء في الكتاب والسنة معرضاً عن آراء الناس , إلا أنه يستأنس بها ويستعين بها على معرفة الحق , لأن ما تكلم به العلماء رحمهم الله من العلم لا شك أنه هو الذي يفتح الأبواب لنا , وإلا لما استطعنا أن نصل إلى درجة أن نستنبط الأحكام من النصوص أو نعرف الراجح من المرجوح وما أشبه ذلك .
فالمهم أن يكون الإنسان عنده همة , وهو بإذن الله إذا نوى هذه النية فإن الله سبحانه وتعالى سيعينه على الوصول إليها .

القارئ :
والتَّحَلِّي بها يَسْلُبُ منك سَفاسِفَ الآمالِ والأعمالِ ، ويَجْتَثُّ منك شَجرةَ الذُّلِّ والهوانِ والتمَلُّقِ والْمُداهَنَةِ فَكَبِيرُ الْهِمَّةِ ثابتُ الْجَأْشِ ، لا تُرْهِبُهُ المواقِفُ ، وفاقِدُها جَبانٌ رِعديدٌ ، تُغْلِقُ فَمَه الفَهَاهَةُ .

الشيخ :
هذا صحيح . التحلي بعلو الهمة يسلب عنك سفاسف الآمال والأعمال .
الآمال : هي أن يتمنى الإنسان الشيء دون السعي في أسبابه , فإن المؤمن كيس فطن لا تلهه الآمال , بل ينظر الأعمال ويرتقب النتائج .
وأما من تلهيه الآمال ويقول : إن شاء الله أقرأ هذا , أراجع هذا , الآن أستريح وبعد ذلك أراجع . أو تلهيه الآمال بما يحدث للإنسان أحياناً , يتصفح الكتاب من أجل مراجعة مسألة من المسائل ثم يمر به في الفهرس أو في الصفحات مسائل تلهيه عن المقصود الذي من أجله فتح الكتاب ليراجع وهذا يقع كثيراً , فينتهي الوقت وهو لم يراجع المسألة التي من أجلها صار يراجع هذا الكتاب أو فهرس هذا الكتاب فإياك والآمال المخيبة . اجعل نفسك قوي العزيمة عالي الهمة . وقد مر علينا أحاديث تدل على أن العناية بالمقصود قبل كل شيء. مثل عتبان بن مالك جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى بيته ليصلي في مكان يتخذه عتبان مصلى فواعده النبي عليه الصلاة والسلام فأعد لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم طعاما وأخبر الجيران بذلك فخرج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلما وصل البيت أخبره عتبان بما صنعه ولكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال أرني المكان الذي تريد أن أصلي فيه فأراه المكان وصلى قبل أن يأكل الطعام وقبل أن يجلس إلى القوم لأنه جاء لغرض فلا تشتغل عن الغرض الذي تريده بأشياء لا تريدها من الأصل لأن هذايضيع عليك الوقت وهو من علو الهمة.

القارئ :
ولا تَغْلَطْ فتَخْلِطْ بينَ كِبَرِ الْهِمَّةِ والكِبْرِ ؛ فإنَّ بينَهما من الفَرْقِ كما بينَ السماءِ ذاتِ الرَّجْعِ والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ .
كِبَرُ الْهِمَّةِ حِلْيَةُ وَرَثَةِ الأنبياءِ ، والكِبْرُ داءُ الْمَرْضَى بعِلَّةِ الْجَبابِرَةِ البُؤَسَاءِ .

الشيخ :
(كبر الهمة) إن الإنسان يحفظ وقته ويعرف كيف يصرفه ولا يضيع الوقت بغير فائدة , وإذا جاءه إنسان يرى أن مجالسته فيها إهمال وإلهاء عرف كيف يتصرف .
( وأما كبر النفس ) فهو الذي يحتقر غيره ولا يرى الناس إلا ضفادع ولا يهتم وربما يصعر وجهه وهو يخاطبهم فكما قال الشيخ بكر: بينهما كما بين السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع .

القارئ :
فيا طالبَ العلْمِ ! ارْسُمْ لنفسِكَ كِبَرَ الْهِمَّةِ ، ولا تَنْفَلِتْ منه ، وقد أَوْمَأَ الشرْعُ إليها في فِقْهِيَّاتٍ تُلابِسُ حياتَك ؛ لتكونَ دائمًا على يَقَظَةٍ من اغتنامِها ، ومنها إباحةُ التيَمُّمِ للمُكَلَّفِ عندَ فَقْدِ الماءِ وعدَمُ إلزامِه بقَبولِ هِبَةِ ثَمَنِ الماءِ للوُضوءِ ؛ لما في ذلك من الْمِنَّةِ التي تَنالُ من الْهِمَّةِ مَنَالًا وعلى هذا فقِسْ ، واللهُ أَعْلَمُ .

الشيخ :
يعني من علو الهمة أن لا تكون متشوفاً لما في أيدي الناس , لأنك إذا تشوفت ومَنَّ الناسُ عليك ملكوك؛ لأن المنة ملك للرقبة في الواقع.
لو أعطاك الإنسان قرشاً لوجد أن يده أعلى من يدك كما جاء في الحديث : ( اليد العليا خير من اليد السفلى)
واليد العليا هي المعطية , والسفلى هي الآخذة , لا تبسط يدك للناس ولا تمد كفك إليهم.
إذا كان الإنسان عادم الماء لو وهب له الماء لم يلزمه قبوله بل يعدل إلى التيمم خوفاً من المنة مع أن الوضوء بالماء فرض للقادر عليه , ولهذا فرق الفقهاء رحمهم الله بين أن تجد من يبيعه ومن يهديه .
فقالوا : من يبيعه اشتر منه وجوباً لأنه لا منة له , حيث أنك تعطيه العوض . ومن أهدى عليك لا يلزمك قبوله . من أجل أن منته تقطع رقبتك , ولكن إذا كان الذي أهدى الماء لا يمن عليك به , بل يرى أنك أنت المان عليه بقبوله , أو من جرت العادة بأنه لا منة بينهم مثل الأب مع ابنه , والأخ المشفق مع أخيه وما أشبه ذلك .
فهنا ترتفع العلة , وإذا ارتفعت العلة ارتفع الحكم . والمهم أن من علو الهمة وكبرها ألا يكون الإنسان مستشرفاً لما في أيدي الناس .
بعض الناس يكون عنده أسلوب في السؤال، أي في سؤال المال , إذا رأى مع إنسان شيئا يعجبه أخذه بيده وقام يقلبه، ما أحسن هذا، ما شاء الله، من أين اشتريته؟ هل يوجد في السوق ؟ لأجل ماذا ؟ حتى يعطيه إياه لأن الكريم سوف يخجل ويقول : إنه ما سأل هذا السؤال إلا من أجل أن أقول: (تعمل عليه) فخذه . هو إذا قال (تعمل عليه) ماذا يقول؟ لا يا أخي فالمهم أن بعض الناس يستشرف أو يسأل بطريق غير مباشر، وكل هذا مما يحط قدر طالب العلم وقدر غيره أيضاً.

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 03:05 AM
25- النهمة في الطلب:
إذا علمت الكلمة المنسوبة إلى الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
«قيمة كل امرئ ما يحسنه»، وقد قيل: ليس كلمة أحض على طلب العلم منها، فاحذر غلط القائل: ما ترك الأول للآخر. وصوابه: كم ترك الأول للآخر!
فعليك بالاستكثار من ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، وابذل الوسع في الطلب والتحصيل والتدقيق، ومهما بلغت في العلم، فتذكر: «كم ترك الأول للآخر»!
إن كل إنسان يحسن الفقه والشرع صار له قيمة، أحسن مما يحسن فتل الحبال مثلا. لأن كل منهما يحسن شيئا، لكن فرق بين هذا وهذا فقيمة كل امرئ ما يحسنه. «وقد قيل: ليس كلمة أحض على طلب العلم منها» وهذا القيل ليس بصحيح. أشد كلمة في الحض على طلب العلم قول الله تعالى (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (سورة الزمر: 90). وقوله تعالى : (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) (سورة المجادلة: 11). وقول النبي صلى الله عليه وسلم : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» .
وقوله صلى الله عليه وسلم :«العلماء ورثة الأنبياء » . وأشباه ذلك مما جاء في الحث على طلب العلم، لكن ما نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هي كلمة لا شك أنها جامعة، لكن لا شك أنها ليست أحسن ما قيل في الحث على طلب العلم.
وقوله :«ما ترك الأول للآخر» إما تكون «ما» نافية أو استفهامية فإن كانت «نافية» فالمعنى: ما ترك الأول للآخر شيئا. وإن كانت «استفهامية» فيكون المعنى: أي شيء ترك الأول للآخر؟
وكلا المعنيين يوجب أن يتثبط الإنسان عن العلم، ويقول كل العلم أخذ من قبلي فلا فائدة. فيكون بذلك تثبيط لهمته، لأنه إذا قيل لك: أن من قبلك أخذوا كل شيء. ستقول إذا ما الفائدة.
أما إذا قيل: كم ترك الأول للآخر، فالمعنى: ما أكثر ما ترك الأول للآخر، وهذا يحملك على أن تبحث على كل ما قاله الأولون، ولا يمنعك من الزيادة على ما قال الأولون.
ولا شك أن المعنى الصواب: كم ترك الأول للآخر. فإن قيل: إن الشاعر الجاهلي يقول:
ما أرانا نقول إلا معارا ** أو معادا من قولنا مكرور
فهل هذا صواب؟ الجواب: لا هذا ليس بصواب، وما أكثر الأشياء الجديدة التي تكلمنا بها ولم يتكلم بها من قبلنا. أما إن أراد بهذا حروف الكلمات أو الكلمات، وهذا صحيح لو أراد المعاني.
ولعل الشاعر الجاهلي أراد أنه كل ما يقال من الكلمات والحروف فإنه إما معار أخذه من غيره، وإما معاد.
لكن إذا كان البيت بهذا المعنى فقيمته ضعيفة جدا، رخيصة لأن هذا معلوم لا يحتاج إلى أن ينشره الإنسان في بيت شعر.
قوله :«فعليك بالاستكثار..» يحثك على أن تستكثر من ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك العلم لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر من ميراث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ثم اعلم أن ميراث النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون بالقرآن الكريم أو بالسنة النبوية. فإن كان بالقرآن الكريم، فقد كفيت إسناده والنظر فيه، لأن القرآن لا يحتاج إلى النظر بالسند لأنه متواتر أعظم التواتر.
أما إذا كان بالسنة النبوية فلا بد أن تنظر في السنة النبوية، أولا هل صحت نسبه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أم لم تصح؟ فإن كنت تستطيع أن تمحص ذلك بنفسك فهذا هو الأولى؟ وإلا:


إذا لم تستطع شيئا فدعهوجاوزه إلى ما تستطيع



قوله :«ابذل الوسع» يعني الطاقة في التدقيق، أمر مهم لأن بعض الناس يأخذ بظواهر النصوص وبعمومها دون أن يدقق. هل هذا الظاهر مراد أم غير مراد؟ وهل هذا العام مخصص أم غير مخصص؟ أم هذا العام مقيد أم غير مقيد؟
فتجده يضرب السنة بعضها ببعض لأنه ليس عنده علم في هذا الأمر. وهذا يغلب على كثير من الشباب اليوم الذين يعتنون بالسنة تجد الواحد منهم يتسرع في الحكم المستفاد من الحديث، أو في الحكم على الحديث. هذا خطر عظيم.
يقول «مهما بلغت في العلم فتذكر: كم ترك الأول للآخر» هذا طيب، ولكن نقول: إن أحسن من ذلك مهما بلغت في العلم، فتذكر قول الله عز وجل : (وفوق كل ذي علم عليم) (سورة يوسف: 76). وقوله (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) (سورة الإسراء: 85).
وفي ترجمة أحمد بن عبد الجليل من «تاريخ بغداد» للخطيب ذكر من قصيدة له:


لا يكون السري مثل الدنيلا ولا ذو الذكاء مثل الغبي
قيمة المرء كلما أحسن المرءقضاء من الإمـام علـي


هذا سبق الكلام عليه. و«السري» يعني: الشريف عالي الهمة، مثل الوفي ونفي المماثلة ظاهر أيضا، لا يكون الإنسان الذكي مثل الإنسان الغبي ولا ذو العلم مثل الجاهل.

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 03:08 AM
26- الرحلة للطلب:
«من لم يكن رحلة لن يكون رحلة»: فمن لم يرحل في طلب العلم، للبحث عن الشيوخ، والسياحة في الأخذ عنهم، فيبعد تأهله ليرحل إليه، لأن هؤلاء العلماء الذين مضى وقت في تعلمهم، وتعليمهم، والتلقي عنهم: لديهم من التحريرات، والضبط، والنكات العلمية، والتجارب، ما يعز الوقوف عليه أو على نظائره في بطون الأسفار.
قوله :«من لم يكن رحلة لن يكون رحلة» لعل: من لم يكن له.... يرجع إلى الأصل.
قوله :«التجارب» مكسور حرف الراء. والتجربة غلط ما هي لغة عربية، رغم أنها في الشائع بين الناس الآن، حتى طلبة العلم، يقول: تجارب، تجربة. رغم أن الصواب كسر الراء. والمعنى: أن من لم يكن له رحلة في طلب العلم فلن يرحل إليه وتأتي الناس إليه.
واحذر العقود عن هذا على مسلك المتصوفة البطالين، الذين يفضلون «علم الخرق» على «علم الورق». وقد قيل لبعضهم: ألا ترحل حتى تسمع من عبد الرزاق؟ فقال: ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الخلاق؟!
وقال آخر:


إذا خاطبوني بعلم الورقبرزت عليهم بعلم الخرق


فاحذر هؤلاء، فإنهم لا للإسلام نصروا، ولا للكفر كسروا، بل فيهم من كان بأسا وبلاء على الإسلام.
الصوفية يدعون أن الله يخاطبهم ويوحي إليهم، وأنه يزورهم ويزورونه وهذا من خرافاتهم.
والعبارة الأخيرة مأخوذة من كلام شيخ الإسلام رحمه الله في المتكلمين قال في هؤلاء :«لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا» يعني أنهم ما نصروا الإسلام الذي جاء لذلك أن هؤلاء المتكلمين حرفوا النصوص عن ظاهرها وأولوها إلى معان أو جددوها بما يزعمون أنه عقل، فتسلط عليهم الفلاسفة وقالوا لهم: أنتم إذا أولتم آيات الصفات وأحاديث الصفات، مع ظهورها ووضوحها، فاسمحوا لنا أن نأول آيات المعاد، أي آيات اليوم الآخر فإن ذكر أسماء الله وصفاته في الكتب الإلهية أكثر بكثير من ذكر المعاد وما يتعلق به، فإذا أبحتم لأنفسكم أن تأولوا في أسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة، فاسمحوا لنا أن نأول في آيات المعاد وننكر المعاد رأسا ولا شك أن هذه حجة قوية لهؤلاء الفلاسفة على هؤلاء المتكلمين، إذ لا فرق.
المهم أن الشيخ وفقه الله هاجم الصوفية، فهم جديرون بالمهاجمة، لأن بعضهم يصل إلى حد الكفر والإلحاد بالله، حتى يعتقد أنه هو الرب كما يقول بعضهم «ما في الجبة إلا الله» يعني نفسه. ويقول:
الرب عبد والعبد رب = يا ليت شعري من المكلف
يعني هما شيء واحد. إلى أمثال ذلك من الخرافات التي يقولونها، لكن ينبغي أيضا أن نهاجم ونركز على مهاجمة أهل الكلام الذين سلبوا الله من كماله بكلامهم انكروا الصفات، فمنهم من أنكر الصفات رأسا كالمعتزلة . ومنهم من أثبت الأسماء، لكن جعلها أسماء جامدة لا تدل على معنى، وغالى بعضهم وقال: إنها أسماء واحدة، وأن السميع هو البصير، وأن السميع والبصير هما العزيز وهما شيء واحد. وغالى بعضهم فقال: هي أسماء متعددة، لكن لا تدل على معنى.
مسلوبة المعنى.
لأنهم لو أثبتوا لها معنى- بزعمهم- لزم تعدد الصفات، وبتعددها وبتعدد الصفات يرون أنه شرك، لأنهم يقولون يلزم تعدد الصفات القديمة كالعلم والسمع والبصر، فيلزم من ذلك تعدد القدماء، وهو أشد شركا من النصارى.
فالحاصل أنه أيضا ينبغي أن يهاجم على أهل الكلام الذين عطلوا لله مما يجب له من صفات كمال بعقول واهية.
والعلماء رحمهم الله الذين تكلموا عن الرحلة لم يدركوا هذا الأثر، الأشرطة المسجلة تغني عن الرحلة، لكن الرحلة أكبر لأن الرحلة إلى العالم، يكتسب الإنسان من علمه وأدبه وأخلاقه، ثم يترك الرجل يتكلم ليس كما يعمله إياه في الشريط.
مثلا: الخطبة، أنت عند رجل يخطب وكلامه جيد... تتأثر به لكن لو تسمع هذا الكلام من الشريط لن تتأثر به تأثرك وأنت تشاهد الخطيب.

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 03:11 AM
27- حفظ العلم كتابة:
ابذل الجهد في حفظ العلم (حفظ كتاب)، لأن تقييد العلم بالكتابة أمان من الضياع، وقصر لمسافة البحث عند الاحتياج، لا سيما في مسائل العلم التي تكون في غير مظانها، ومن أجل فوائده أنه عند كبر السن وضعف القوى يكون لديك مادة تستجر منها مادة تكتب فيها بلا عناء في البحث والتقصي.
«ابذل» همزة وصل، لكن عند الابتداء بها تكون همزة قطع. بذل الجهد في الكتابة مهم، لا سيما في نوادر المسائل أو في التقسيمات التي لا تجدها في بعض الكتب.
كم من مسألة نادرة مهمة لا يقيدها اعتمادا على أنه يقول: إن شاء الله لا أنساها. فإذا به ينساها ويتمنى لو كتبها، ولكن احذر أن تكتب على كتابك على هامشه أو بين سطوره، كتابة تطمس الأصل فإن بعض الناس يكتب على هامش الكتاب أو بين سطوره كتابة تطمس الأصل، لكن يجب إذا أردت أن تكتب على كتابك أن تجعله على الهامش البعيد من الأصل لئلا يلتبس هذا بهذا، فإن لم يتيسر هذا، كأن ما تريد تعليقه أكثر من الهامش فلا ضير عليك أن تجعل ورقة بيضاء تلصقها بين الورقات وتشير إلى موضعها من الأصل وتكتب ما شئت، وكان طلبة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله يحدثوننا أنهم يأخذون مذكرات صغيرة يجعلونها في الجيب كلما ذكر الإنسان منهم مسألة قيدها، إما فائدة علم في خاطر، أو مسألة يسأل عنها الشيخ فيقيدها، فاستفادوا بذلك كثيرا. ولذا، فاجعل لك (كناشا) أو (مذكرة) لتقييد الفوائد والفرائد والأبحاث المنثورة في غير مظانها، وإن استعملت غلاف الكتاب لتقييد ما فيه من ذلك، فحسن، ثم تنقل ما يجمع لك بعد في مذكرة، مرتبا له على الموضوعات، مقيدا رأس المسألة، واسم الكتاب، ورقم الصفحة والمجلد، ثم اكتب على ما قيدته :«نقل»، حتى لا يختلط بما لم ينقل، كما تكتب :«بلغ صفحة كذا» فيما وصلت إليه من قراءة الكتاب حتى لا يفوتك ما لم تبلغه قراءة.
وللعلماء مؤلفات عدة في هذا، منها :«بدائع الفوائد»، لابن القيم، و«خبايا الزوايا» للزركشي، ومنها: كتاب «الإغفال»، و«بقايا الخفايا»، وغيرها.
ومنها أيضا «صيد الخاطر» لابن الجوزي، لكن أحسن ما رأيت «بدائع الفوائد» لأبن القيم أربعة أجزاء في مجلدين، فيها من بدائع العلوم ما لا تكاد تجده في كتاب أخر لكل فن. كل ما طرأ على باله قيده، لذلك تجد فيه من العقائد في التوحيد، في الفقه، في النحو، في البلاغة، في التفسير، في كل شيء.
أحيانا يبحث في كلمة من الكلمات اللغوية في صفحة تحليلا وتفريعا واشتقاقا وغير ذلك. بحث بحثا بالغا في الفرق بين «المدح والحمد»، كتب كتابة فائقة في ذلك، وقال: كان شيخنا إذا بحث في مثل هذا أتى بالعجب العجاب لكنه كما قيل:


تألق البرق نجديا فقلت لهإليك عني فإني عنك مشغوا


يعني رحمه الله مشغول بما هو أهم من التحقق في اللغة العربية وإلا فهو- شيخ الإسلام – رحمه الله آية في اللغة العربية، لما قدم مصر اجتمع بأبي حيان المصري الشهير صاحب «البحر المحيط» في التفسير، وكان أبو حيان يثني على شيخ الإسلام ثناء عطرا، ويمدحه بقصائد عصامية، ومن جملة ما يقول فيه:


قام ابن تيمية في نصر شريعتنامقام سيد يتم إذ عصت مضر


يعني أبي بكر يوم الردة. فلما قدم مصر شيخ الإسلام اجتمع بهذا الرجل- أبي حيان- وتناظر معه في مسألة نحوية واحتج عليه أبو حيان بقول سيبويه في كتابه، قال إن سيبويه في كتابه قال كذا وكذا. فكيف تخالفه؟.
فقال له شيخ الإسلام:«وهل سيبويه نبي النحو؟!» يعني: حتى يجب علينا اتباعه، ثم قال:«لقد غلط في الكتاب في أكثر من 80 موضعا لا تعلمها أنت ولا هو». سبحان الله !! هكذا يقول لسيد النحاة.
يقال: إن أبا حيان بعد ذلك أخذ عليه وصار بنفسه فأنشأ قصيدة يهجوه فيها.
عفا الله عنا وعنهم جميعا. المهم أن كتاب «بدائع الفوائد» من أجمل الكتب، فيه فوائد لا تجدها في غيره.
وعليه، فقيد العلم بالكتاب، لاسيما بدائع الفوائد في غير مظانها، وخبايا الزوايا في غير مساقها، ودررا منثورة تراها وتسمعها تخشي فواتها...... وهكذا، فإن الحفظ يضعف، والنسيان يعرض.
قوله:«لاسيما بدائع» الأفصح في هذا أن تكون مرفوعة بعد لاسيما، يجوز النصب ولكن الأحسن الرفع.
ومعني الكلام: أنه يحث على كتابة هذه الأشياء، بدائع الفوائد التي تعرض للإنسان حتى لا ينساها وكذلك أيضا ولاسيما إذا كانت في غير مظانها لأنك أحيانا تبحث عن مسألة تظنها مثلا في باب الصيد وهي مذكورة في مكان آخر، فإذا ذكرت في مكان آخر فقيدها، وكذلك أيضا«خبايا الزوايا في غير مساقها» وهي بمعني الجملة الأولي. و«درر منثورة تراها» وتسمعها تخشي فواتها. وهذه أيضا مسائل تعرض لك أو تعرض في كتب أهل العلم وهي منثورة، فهذه يجب أن تجمعها وتجعلها في كتاب.
قال الشعبي:«إذا سمعت شيئا، فاكتبه، ولو في الحائط». رواه خيثمة.
وإذا اجتمع لديك ما شاء الله أن يجتمع، فرتبه في (تذكرة) أو (كناش) على الموضوعات، فإنه يسعفك في أضيق الأوقات التي قد يعجز عن الإدراك فيها كبار الأثبات.
وهل الأولى أن ترتبها على الموضوعات أو أن ترتبها على ألف وباء؟ نرى أنه على ألف باء أحسن، وذلك لأن ترتيبها على الموضوعات تختلف فيه كتب العلماء، تجد مثلا: ترتيب الحنابلة يفترق عن الشافعية لاسيما في المعاملات، بل إن نفس المذهب الواحد يختلف ترتيبه. ترتيب المتقدمين منهم والمتأخرين.

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 03:15 AM
28- حفظ الرعاية:
ابذل الوسع في حفظ العلم(حفظ رعاية) بالعمل والاتباع، قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى:«يجب على طالب الحديث أن يخلص نيته في طلبه، ويكون قصده وجه الله سبحانه. وليحذر أن يجعله سبيلا إلى نيل الأعراض، وطريقا إلى أخذ الأعواض، فقد جاء الوعيد لمن ابتغى ذلك بعلمه.
جاء الوعيد لمن طلب علما وهو يبتغي به وجه الله لغير الله لم يجد عرف الجنة، أي ريحها، وما ذكره الخطيب البغدادي- رحمه الله- حق أن يخلص الإنسان النية في طلب العلم بأن ينوي امتثال أمر الله تعالى والوصول إلى ثواب طلب العلم وحماية الشريعة والذب عنها ورفع الجهل عن نفسه ورفع الجهل عن غيره، كل هذه تدل على الإخلاص، ولا يكون قصده نيل الأعراض كالجاه والرئاسة والمرتبة، أو طريقا إلى أحد الأعواض كالمرتبات لا يريد هذا.
فإذا قال قائل: كل الذين يطلبون العلم في الكليات إنما يقصدون الشهادة ولذلك نرى بعضهم يريد الوصول إلى هذه الشهادات ولو بالباطل كالشهادات المزيفة والغش وما أشبه ذلك. فيقال يمكن للإنسان أن يريد الشهادة في الكلية مع إخلاص النية وذلك أن يريد الوصول إلى منفعة الخلق لأن من لم يحمل الشهادة لا يتمكن من أن يكون مدرسا أو مديرا أو ما أشبه ذلك مما يتوقف على نيل الشهادة.
فإذا قال: أنا أريد أن أنال الشهادة لأتمكن من التدريس في الكلية مثلا، ولولا هذه الشهادة ما درست. أريد الشهادة لأن أكون داعية، لأننا في عصر لا يمكن أن يكون الإنسان فيه داعيا إلى الله إلا بالشهادة.
فإذا كانت هذه نية الإنسان فهي نية حسنة لا تضر إن شاء الله هذا في العلم الشرعي. أما في العلم الدنيوي فانو فيه ما شئت مما أحله الله. لو تعلم الإنسان الهندسة وقال أريد أن أكون مهندسا ليكون الراتب 10 آلاف ريال. فهل هذا حرام؟
لا.. لماذا؟ لأن هذا علم دنيوي، كالتاجر يتاجر من أجل أن يحصل على ربح.
وليتق المفاخرة والمباهاة به، وأن يكون قصده في طلب الحديث نيل الرئاسة، واتخاذ الأتباع، وعقد المجالس، فإن الآفة الداخلة على العلماء أكثرها من هذا الوجه.
وقد جاء الوعيد فيمن طلب ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء. فأنت لا تقصد بعلمك المفاخرة والمباهاة، وأن يكون قصدك أن تصرف وجوه الناس إليك وما أشبه ذلك. هذه نيات سيئة، وهي ستحصل لك مع النية الصالحة إذا نويت نية صالحة، صرت إماما، صرت رئيسا يشير الناس إليك وأخذوا بقولك.
وليجعل حفظه للحديث حفظ رعاية لا حفظ رواية، فإن رواة العلوم كثير ورعاتها قليل، ورب حاضر كالغائب، وعالم كالجاهل، وحامل للحديث ليس معه منه شيء إذا كان في اطراحه لحكمة بمنزلة الذاهب عن معرفته وعلمه.
ومعنى «رعاية» أن يفقه الحديث ويعمل به ويبينه للناس، لأن مجرد الحفظ بدون فقه للمعنى ناقص جدا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :«رب مبلغ أوعى من سامع» .
والمقصود بالأحاديث أو القرآن الكريم هو فقه المعنى حتى يعمل به الإنسان ويدعو إليه، ولكن الله سبحانه وتعالى بحكمته جعل الناس أصنافا، منهم راو فقط ولا يعرف من المعنى شيئا إلا شيء واضح بين لا يحتاج الناس إلى مناقشته فيه، لكنه في الحفظ والثبات قوي جدا، ومن الناس من أعطاه الله فهما وفقها لكنه ضعيف الحفظ إلا أنه يفجر ينابيع العلم من النصوص إلا أنه ضعيف الحفظ، ومن الناس من يعطيه الله الأمرين: قوة الحفظ وقوة الفقه، لكن هذا نادر، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا لما أتاه الله تعالى من العلم والحكمة مطر أصاب أرضا فصارت الأرض ثلاثة أقسام:
قسم: قيعان ابتلعت الماء ولم تنبت الكلأ، فهذا مثل من أتاه الله العلم والحكمة ولكنه لم يرفع به رأسا ولم ينتفع به ولم ينفع به غيره.
والقسم الثاني- أرض أمسكت الماء ولكنها لم تنبت الكلأ. هؤلاء من الرواة، امسكوا الماء فسقوا الناس واستقوا وزرعوا، لكن هم أنفسهم ليس عندهم إلا حفظ هذا الشيء.
والأرض الثالثة- أرض رياض قبلت الماء فأنبتت العشب والكلأ فانتفع الناس وأكلوا وأكلت مواشيهم. وهؤلاء الذين من الله عليهم بالعلم والفقه، فنفعوا الناس وانتفعوا به.
وينبغي لطالب الحديث أن يتميز في عامة أموره عن طرائق العوام باستعمال آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمكنه، وتوظيف السنن على نفسه، فإن الله تعالى يقول :(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (سورة الأحزاب: 21). اهـ.
«ينبغي» أحيانا يراد بها الوجوب، لكن الشائع في استعمالها أنها للندب. وهذا في الأمور التعبدية ظاهر. أنه ينبغي للإنسان أن يتميز باستعمال آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمور الاتفاقية التي وقعت اتفاقا من غير قصد هل يشرع أن يتبعها الإنسان أم لا ؟
كان ابن عمر رضي الله عنه وعن أبيه يتبع ذلك، حتى أنه يتحرى المكان الذي نزل فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وبال فيه، فنزل ويبول. وإن لم يكن محتاجا للبول.
كل هذا من شدة تحريه لاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم لكن هذا قد خالف أكثر الصحابة فيه ورأوا أن ما وقع اتفاقا فليس بمشروع اتباعه للإنسان. ولهذا لو قال قائل: أيسن لنا الآن ألا نقدم مكة في الحج إلا في اليوم الرابع لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قدم في اليوم الرابع؟
الصحيح أنه لا يشرع لأنه وقع اتفاقا لا قصدا.
ما وقع عادة فهل يشرع لنا أن نتبعه فيه؟ مثلا: العمامة والرداء والإزار. نقول: نعم يشرع أن نتبعه فيه.
لكن ما معنى الاتباع. هل معناه اتباعه في عين ما لبس؟ أو اتباعه في جنس ما لبس؟ الجواب: الثاني. لأنه لبس ما اعتاده الناس في ذلك الوقت.
وعلى ذلك نقول: السنة لبس ما يعتاده الناس، ما لم يكن محرما، فإن كان محرما وجب اجتنابه ما وقع على سبيل التشهي فهل نتبعه فيه. كان عليه الصلاة والسلام يحب الحلوى، يحب العسل، يتتبع الدباء في الأكل. هل نتبعه في ذلك.
قال أنس رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء- يعني القرع- في الطعام، فمازلت أتتبعها منذ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبعها.
وعلى هذا فهل نقول من المشروع أنك تتبع الدباء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يتبعه أم لا؟
الظاهر أن هذا الاتباع فيه أحرى من الاتباع فيما سبقه- وهو ما وقع اتفاقا- لأن هذا لم يقع اتفاقا، حيث أننا نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين يتتبعها أنه يتتبعها قصدا لا اتفاقا، ولا شك أن الإنسان إذا تتبع الدباء من على ظهر القصعة وهو يشعر أنه يفعل كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لا شك أن هذا يوجب له محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم واتباع آثاره وحينئذ نقول: إذا تتبعت هذا فإنك على الخير، وقد يكون في الدباء منفعة طبية، تسهل وتلين وتكون قدما للطعام.
قوله «باستعمال آثار» هذه العبارة فيها شيء من الركاكة، ولو قال «باتباع آثار» كما عبر بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية قال: من أصول أهل السنة والجماعة اتباع آثار النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا». وهذا هو اللفظ المطابق للقرآن . (فاتبعوني يحببكم الله) (سورة آل عمران: 31). أما استعمال الآثار فقد يتوهم واحد أن استعمال ثيابه وعمامته وما أشبه ذلك. لكن إذا قلنا اتباع آثار كان ذلك أحسن وأوضح.
وقوله :«توظيف السنن على نفسه» يراد بذلك أن يطبق توظيفها، بمعنى تطبيق السنن على نفسه لأن الله يقول: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة) (سورة الأحزاب: 21).
ولو ذكر آخر الآية لكان أحسن ما هي (لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) (سورة الأحزاب: 21).

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 03:17 AM
29 – تَعَاهُدُ المحفوظاتِ :
تَعاهَدْ عِلْمَك من وَقتٍ إلى آخَرَ ؛ فإنَّ عَدَمَ التعاهُدِ عُنوانُ الذهابِ للعِلْمِ مهما كان .
الشيخ:
فإن عدم التعاهد عنوان الذهاب، يعني دليل الذهاب ، ولكن لو عبر بقوله :«فإن عدم التعاهد سبب الذهاب للعلم» لكان أولى لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها». فيدل ذلك على أن عدم التعاهد سبب للنسيان، وليس عنوان الذهاب للعلم، لأن عنوان الشيء يكون بعد الشيء. وسبب الشيء يكون قبل الشيء، وعدم التعاهد سابق على عدم البقاء ، أي بقاء العلم، والخطب في هذا يسير إذا كان المعنى مفهوما ، فالأمر يسير بالنسبة للألفاظ .


القارئ:
عن ابنِ عمرَ رَضِي اللهُ عنهما أنَّ رسولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ :(( إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعْقَلَةِ ، إن عاهدَ عليها أَمْسَكَها وإن أَطْلَقَها ذَهَبَتْ )). رواه الشيخانِ ، ومالِكٌ في ( الْمُوَطَّأِ ) .
قالَ الحافظُ ابنُ عبدِ البَرِّ رَحِمَه اللهُ : ( وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ مَن لم يَتَعَاهَدْ عِلْمَه ذَهَبَ عنه ، أيْ مَنْ كان ؛ لأنَّ عِلْمَهم كان ذلك الوَقْتَ القرآنَ لا غيرَ ، وإذا كان القرآنُ الْمُيَسَّرُ للذكْرِ يَذْهَبُ إن لم يُتَعَاهَدْ ؛ فما ظَنُّكَ بغيرِه من العلومِ المعهودةِ ؟! وخيرُ العلومِ ما ضُبِطَ أَصْلُه ، واسْتُذْكِرَ فَرْعُه ، وقادَ إلى اللهِ تعالى ودَلَّ على ما يَرضاهُ ) .

الشيخ:
( وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ مَن لم يَتَعَاهَدْ عِلْمَه ذَهَبَ عنه ) وهذا واضح أن من لم يتعاهد حفظه نسي وكما أن هذا في المعقول فهو أيضا في المحسوس فمن لم يتعاهد الشجرة بالماء تموت، أو تذبل ، وكذلك من لم يتعاهد أغصانها بالشتل ، تتكاثر ويفسد بعضها بعضا فلا تستقيم وكذلك العلوم
(خيرُ العلومِ ما ضُبِطَ أَصْلُه ، واسْتُذْكِرَ فَرْعُه ) يعني كأنه يرد على القواعد والأصول وأنا أحثكم دائما عليهما عليكم بالقواعد والأصول لأن المسائل الفقهية المتفرعة كتلاقط الجراد من أرض صحراء تضيع عليك لكن الذي عنده علم بالأصول هذا هو العالم من فاتته الأصول فاته الوصول.

القارئ:
وقالَ بعضُهم ( كلُّ عِزٍّ لم يُؤَكَّدْ بعِلْمٍ فإلى ذُلٍّ مَصيرُه ) اهـ .
الشيخ:
يعني غالبا ، وإلا فقد يكون الإنسان عزيزا بماله وإنفاقه ونفع الناس به فيبقى عزيزا إلى أن يموت ولكن في الغالب أن العز الذي لم يأكد بالعلم أنه يزول

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 03:23 AM
30- التفقه بتخريج الفروع على الأصول:
من وراء الفقه: التفقه، ومعتمله هو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية.
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه : أن رسول الله قال : «نضر الله امرؤ سمع مقالتي فحفظها، ووعاها، فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه».
«التفقه» يعني طلب الفقه، والفقه ليس العلم. بل هو إدراك أسرار الشريعة. وكم من إنسان عنده كثير ولكنه ليس بفقيه، ولهذا حذر ابن مسعود رضي الله عنه من ذلك فقال: «كيف لكم إذا كثر قراؤكم وقل فقهاؤكم».
الفقيه هو العالم بأسرار الشريعة وغاياتها وحكمها حتى يستطيع أن يرد الفروع الشاردة إلى الأصول الموجودة، ويتمكن من تطبيق الأشياء على أصولها، فيحصل له بذلك خير كثير.
قال: «نضر الله.. » نضر بمعنى: حسنه، ومنه قوله تعالى : (وجوه يومئذ ناضرة) (سورة القيامة: 22). أي: حسنه، وقوله تعالى : (فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا) (سورة الإنسان: 11). نضرة: يعني حسنا في وجوههم، وسرورا في قلوبهم، فيجتمع لهم حسن الظاهر والباطن. لأن الإنسان قد يغتم قلبه، ووجهه قد أعطاه الله نضارة لكن سرعان ما تزول. ومن الناس من يكون قلبه مسرورا لكن لم يعطه الله نضارة الوجه، ومن الناس من يحصل له الأمران: السرور في القلب ونضارة في الوجه. وبذلك تتم النعمة.
قال ابن خير.- رحمه الله تعالى- في فقه هذا الحديث :«وفيه بيان أن الفقه هو الاستنباط والاستدراك في معاني الكلام من طريق التفهم، وفي ضمنه بيان وجوب التفقه، والبحث على معاني الحديث، واستخراج المكنون من سره» أ هـ. وللشيخين، شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم الجوزية رحمهما الله تعالى، في ذلك القدح المعلي، ومن نظر في كتب هذبن الإمامين، سلك به النظر فيها إلى التفقه طريقا مستقيما.
لا شك أن ما ذكره- وفقه الله- هو الصواب؛ أن الفقه هو استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة. لكن لا ينبغي أن يقتصر على الحديث، بل نقول من الأدلة في القرآن والسنة ودلالات القرآن أقوى من دلالات السنة وأثبت، لأنه لا يعتريه عيب النقل بالمعنى، وأما السنة فهي تنقل بالمعنى. وعلى هذا فيقال: «بالبحث عن معاني القرآن والحديث».
ومن أحسن من رأيت في استخراج الأحكام من الآيات شيخنا- رحمه الله- عبد الرحمن بن سعدي، فإنه يستخرج – أحيانا- من الآيات من الفقه ما لا تراه في كتاب آخر، وهذا الطريق- أعني طريق استنباط الأحكام من القرآن والسنة- هو طريق الصحابة، فما كانوا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلمونها، وما فيها من العلم والعمل. ثم أشار الشيخ بكر إلى شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم- رحمهم الله- وبيان ما يتوصلان إليه من الأحكام الكثيرة من الأدلة القليلة، وقد أعطاهما الله فهما عجيبا في القرآن والسنة.
ونضرب مثلا لهذا- أعني التفقه-، أن العلماء اتخذوا الحكم بأن أقل مدة الحمل ستة أشهر من قوله تعالى :(وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) (سورة الأحقاف:15).
ومن قوله : (وفصاله في عامين) (سورة لقمان: 14). فإن ثلاثين شهرا، عامان وستة أشهر، فإذا كان حمله وفصاله (ثلاثون شهرا) وفي الآية الآخرى (في عامين) لزم أن يكون الحمل أقله ستة أشهر.
ومن مليح كلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- قوله في مجلس للتفقه: «أما بعد، فقد كنا في مجلس التفقه في الدين، والنظر في مدارك الأحكام المشروعة، تصويرا وتقريرا، وتأصيلا، وتفصيلا، فوقع الكلام في ... فأقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا مبني على أصل وفصلين..».
واعلم أرشدك الله أن بين يدي التفقه : (التفكر). فإن الله سبحانه وتعالى دعا عباده في غير ما آية من كتابه إلى التحرك بإجالة النظر العميق في (التفكر) في ملكوت السموات والأرض، وإلى أن يمعن النظر في نفسه، وما حوله، فتحا للقوى العقلية على مصراعيها، وحتى يصل إلى تقوية الإيمان، وتعميق الأحكام، والانتصار العلمي : (كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون) (سورة البقرة: 219). ، (قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون) (سورة الأنعام: 50).
وعليه، فإن «التفقه» أبعد مدى من (التفكر)، إذ هو حصيلته وإنتاجه، وإلا: (فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا) (سورة النساء: 78). لكن هذا التفقه محجوز بالبرهان، محجوز عن التشهي والهوى: (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) (سورة البقرة: 12).
إذا نقول : المراتب، أولا- العلم، ثم الفهم، ثم التفكير، ثم التفقه. لا بد من هذا، فمن لا علم عنده كيف يتفقه؟ وكيف يعلم... من عنده علم وليس عنده فهم.. كيف يتفقه؟ حتى لو حاول أن يتفقه وهو مما لا يفهم لا يمكن ذلك. بعد أن تفهم... تتفكر ما مدلول هذه الآيات؟ وما مدلول هذا الحديث؟ وتتفكر أيضا في أنواع الدلالة، وأنواع الدلالة ثلاثة:
دلالة المطابقة، ودلالة التضمن، ودلالة الالتزام.
فدلالة اللفظ على جميع معناه، دلالة مطابقة.
ودلالته على بعض معناه، دلالة تضمن.
ودلالته على لازم خارج، هذه دلالة التزام.
وهذا النوع الثالث من الدلالة هو الذي يختلف فيه الناس اختلافا عظيما، إذ قد يلتزم بعض الناس من الدليل ما لا يلزم، وقد يفوته ما يلزم. وبين ذلك تفاوت عظيم، فلا بد أن يعمل هذه الدلالات حينئذ يصل إلى درجة التفقه واستنباط الأحكام من أدلتها.
ويذكر أن الشافعي رحمه الله نزل ضيفا على الإمام أحمد بن حنبل- وأحمد تلميذ الشافعي وكان يثني عليه عند أهله- فقدم له العشاء فأكله كله ورد الصحفة.
خالية، فتعجب أهل أحمد كيف يأكل الطعام كله، والسنة أن الإنسان يأكل قليلا.
«حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» . لكن الشافعي أكل كل الطعام. هذه واحدة ثم إن الإمام أحمد انصرف إلى أهله ونام الشافعي فلما كان في آخر الليل قام يتهجد ولم يطلب ماء يتوضأ به، أو أظنه أنه لم يقم يتهجد، ثم أذن الفجر فخرج إلى الصلاة ولم يطلب ماء للوضوء، هذه اثنتان.
فلما أصبح قال أهل الإمام أحمد له كيف تقول في الشافعي ما تقول، والرجل أكل الطعام ونام وقام ولم يتوضأ كيف إذا؟
قال :«آتيكم بالخبر ..» فسأله. قال: فأما الطعام فلا أجد أحل من طعام الإمام أحمد بن حنبل فأردت أن أملأ بطني منه، أما كوني لم أتهجد فلأن التفكير في العلم أفضل من التهجد، وأنا جعلت أتفكر في العلم واستنبط من قول الرسول صلى الله عليه وسلم : «يا أبا عمير ما فعل النغير» . كذا وكذا ما أدري قال: مائة، أو ألف.
أما كوني لم أطلب ماء وأن خارج لصلاة الفجر، فلم أشأ أن أطلب ماء وأنا على وضوء. فذكر ذلك لأهله. فقالوا: الآن !!
فهيا أيها الطالب! تحل بالنظر والتفكر، والفقه والتفقه، لعلك أن تتجاوز من مرحلة الفقيه إلى (فقيه النفس) كما يقول الفقهاء، وهو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية، أو (فقيه البدن) كما في اصطلاح المحدثين.
هناك فقه ثالث ظهر، وهو فقه الواقع الذي علق عليه بعض الناس العلم.
وقالوا: من لم يكن فقيها للواقع فليس بعالم، ونسوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». ثم غفلوا عن كون الإنسان يشتغل بفقه الواقع أن ذلك يشغله عن فقه الدين، بل ربما يشغله عن الاشتغال بالتعبد الصحيح، عبادة الله وحده وانصراف القلب إلى الله والتفكر في آياته الكونية والشرعية. والحقيقة أن انشغال الشباب بفقه الواقع صد لهم عن الفقه في دين الله، لأن القلب إذا امتلأ بشيء امتنع عن الآخر.
فانشغال الإنسان بالفقه في الدين وتحقيق العبادة والدين والإخلاص خيرا له من البحث عن الواقع، وماذا فعل فلان؟ وماذا فعل فلان، وربما يتلقون فقه الواقع من روايات ضعيفة أو موضوعة في وسائل الإعلام المسموعة أو المقرؤة أو المرئية أو يبنون ما يظنون فقه واقع على تقديرات وتخمينات يقدرها الإنسان، ثم يقول هذا فعل لهذا، ويعلل بتعليلات قد تكون بعيدة من الواقع.
أو ينظر إلى أشياء خطط لها أعداؤنا من قبل على واقع معين، تغير الواقع وزال بالكلية فبقيت هذه الخطط لا شيء.
والمهم أن فقه النفس، الذي هو صلاح القلب والعقيدة السليمة ومحبة الخير للمسلمين وما أشبه ذلك هذا ينبني عليه فقد البدن: معرفة هذا القول حلال أم حرام. هذا الفعل حلال أم حرام.
فأجل النظر عند الواردات بتخريج الفروع على الأصول، وتمام العناية بالقواعد والضوابط. وأجمع للنظر في فرع ما بين تتبعه وإفراغه في قالب الشريعة العام من قواعدها وأصولها المطردة، كقواعد المصالح، ودفع الضرر والمشقة، وجلب التيسير، وسد باب الحيل، وسد الذرائع.
لا بد لطالب العلم من أصول يرجع إليها، والأصول الثلاثة: الأدلة من القرآن والسنة والقواعد والضوابط المأخوذة من الكتاب والسنة.
والمهم أن يكون لدى الإنسان علم بالقواعد والضوابط حتى ينزل عليها الجزئيات.
والفرق بين القاعدة والضابط:
أن الضابط يكون لمسائل محصورة معينة.
والقاعدة أصل يتفرع عليه أشياء كثيرة.
فالضابط أقل رتبة من القاعدة، كما يدل ذلك اللفظ، الضابط يضبط الأشياء ويجمعها في قالب واحد. والقاعدة أصل تفرع عنه الجزيئات.
قوله:«فأجل النظر عند الواردات بتخريج الفروع على الأصوال، وتمام العناية بالقواعد والضوابط» هذا من أهم ما يكون، أن الإنسان يجعل نظره أي فكره يتجول بتخريج الفروع على الأصول حتى يتمرن، لأن بعض الناس قد يحفظ القاعدة كما يحفظ الفاتحة ولكن لا يعرف أن يخرج عليها. وهذا لا شك نقص في التفكير. فلا بد من أن يجتهد ويجيل نظره بتخريج القواعد على الأصول.
قوله: «وأجمع للنظر في فرع ما بين تتبعه وإفراغه في قالب الشريعة العام...» وهذا أيضا مهم عند أهل الحديث. يأتي مثلا نص ظاهرة. الحكم بكذا لكن إذا تأملت في هذا النص وجدنه مخالفا للقواعد العامة من الشريعة، فما موقفك؟
نقول: لا بد أن نرجع إلى القواعد، ويحكم على هذا بما تقتضيه الحاجة. وكذلك قال العلماء فيما لو خالف الإنسان الثقة الثبت من هو أرجح منه، فإن حديثه هذا- وإن كان من حيث النظر إلى مجرد الطريق نحكم بصحته- نقول: إن هذا غير صحيح. لماذا؟ لأنه شاذ. والذي أوجب لكثير من المبتدئين في طلب العلم أن يسلكوا مسلكا شاذا هو هذا. أعني عدم النظر إلى القواعد والأصول الثابتة. وهذا أمر مهم، وذلك لأن الشريعة إنما جاءت لجلب المصالح الدينية والدنيوية ولدرء المفاسد أو تقليلها، سواء كانت المفاسد دينية أو دنيوية، ولهذا تجد أن الله عز وجل يقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة شرعا وقدرا.
تنزل الأمطار على الأرض، وهذا رجل تم بنيانه قريبا. هل يضره المطر أو لا؟ نعم يضره، لكن لا عبرة. لأن العبرة بالعموم.
وكذلك تنزل وهذا الرجل قد انتهي من السقي، والمعروف أن الزرع إذا أصابه الماء، مطرا كان أو سقي بعد الانتهاء من سقيه أنه يضره لكن العبرة بالعموم.
فهذه مسائل ينبغي لطالب العلم أن ينتبه لها، ولهذا قال الشيخ بكر رحمه الله ووفقه الله«وأصولها المطردة كقواعد المصالح».
وهنا نقف لنبين أن بعض الأصوليين أتى بدليل خامس: هو المصالح المرسلة.
فقال: الأدلة هي القرآن والسنة والقياس الصحيح والمصالح المرسلة.
وهذا غلط لأن هذه المصالح الذين يدعون أنها – مصالح مرسلة – إن كان الشرع قد شهد لها أنها مصالح مرسلة فهي من الشرع داخلة في عموم الشرع: كتاب أو سنة قياس كان أو إجماع، وإن لم تكن فيها مصالح شرعية فهي باطلة فاسدة الاعتبار، وحينئذ لا تؤصل أصلا، دليلا ندين الله بالتعبد به بدون دليل من القرآن والسنة. لأن كونك تؤصل أصلا يعني أنك تبني دينك على هذا.
وعلى هذا فتمسح أو فتنسخ ذكر المصالح المرسلة من الأدلة. لماذا؟ لأننا نقول: إن شهد الشرع بهذه المصلحة فهي ثابتة بالكتاب والسنة بعمومتها وقواعدها، وإن شهد ببطلانها فهي باطلة.
الآن من أهل البدع من ركب بدعته على هذا الدليل. قال: هذا من المصالح المرسلة. فالإنسان يحيي قلبه ويحركه بماذا؟ ببدعة صوفية وما أشبه ذلك وقال: نحن نطمئن الآن إذا أتينا بهذه الأذكار وعلى هذه الصفة ويضرب الأرض حتى تتغبر قدماه. قال: هذه مصلحة عظيمة تحرك القلوب.
ماذا نقول: لو قلنا باعتبار المصالح المرسلة كل واحد يدعي أن هذه المصلحة وأصل النزاع الذي أمر الله فيه بالرد إلى الكتاب والسنة أصله أن كل واحد يرى أن كل ما عليه مصلحة، وربما يماري ليكون قوله المقبول.
المهم أن قول الشيخ بكر «كقواعد المصالح» مراده بذلك المصالح الشرعية، فإن كان هذا مراده فهو حق، وإن كان يريد المصالح المرسلة فهو بعيد، لأنه قال بعد ذلك «ودفع الضرر والمشقة»، إنا كان يشير إلى المصالح المرسلة فقد علمت فساد ما يجعلها دليلا مستقلا.
وقوله :«ودفع الضرر» أين نجد من القرآن والسنة دفع الضرر؟ كثير، قال الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) (سورة النساء: 29). وهذه الآية تعم قتل النفس مباشرة بأن ينتحر الإنسان أو فعل ما يكون سببا للهلاك، ولهذا استدل عمرو بن العاص رضي الله عنه بهذه الآية على التيمم خوفا من البرد، مع أن البرد قد لا يميت الإنسان، ولكن قد يكون سببا لموته، استدل بها، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وضحك.
هذا من القرآن. وأيضا من القرآن قوله تعالى : (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا) (سورة المائدة: 6). الشاهد قوله : (مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا) لماذا يتيمم وهو مريض، يقدر أن يستعمل الماء؟ لكن لئلا يزاد مرضه أو يتأخر برأه.
ومن دفع المشقة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى زحاما وهو في السفر، ورجلا قد ظلل عليه. فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم. قال:«ليس من البر الصيام في السفر» . مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم يصوم وهو مسافر، وهل يفعل غير البر ؟! لا لكن إذا وصلت الحال من المشقة فإنه ليس من البر، وإذا انتفى أن يكون من البر، فهو إما من الإثم وإما أن يكون من لا لك ولا عليك.
شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس عطاش وقد شق عليهم الصيام، لكنهم ينظرون متى، فدعا بماء بعد صلاة العصر ووضعه على فخده الشريفة، وجعل الناس ينظرون إليه، فأخذه وشرب، والناس ينظرون. ثم قيل له إن بعض الناس قد صام. فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة».
هل ورد نهي أن يبقوا على صيامهم؟ لا، ولكن العموم ( ولا تقتلوا أنفسكم) (سورة النساء: 29). ، (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (سورة الحج: 78). إذا الشرع يراعي قواعد المصالح ودفع الضرر، دفع المشقة.
قوله :«وجلب التيسير» كل الإسلام تيسير، لكن هل اليسر هوما تيسر على كل شخص بعينه أو باعتبار العموم؟ باعتبار العموم. ومع ذلك إذا حصل للإنسان ما يقتضي التيسير وجد الباب مفتوحا: «صل قائما..». إذا هذا تيسير، بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الدين يسر ولا يشاد الدين أحدا إلا غلبه».
كل الدين يسر، وكان إذا بعث البعوث يقول: «يسروا لا وتعسروا، بشروا ولا تنفروا فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين».
فالحمد لله. هذا الدين للإنسان دين يسر، وبناء على ذلك هل يتعمد الإنسان فعل العبادة على وجه يشق عليه أو أن يفعلها على الوجه الأيسر. أيهما أقرب إلى مقاصد الشريعة؟
الثاني، ولهذا لو أن رجلا في البرد حانت صلاة الفجر وعنده ماء، أحدهما ساخن والآخر بارد.
فقال أنا أريد أن أتوضأ بالماء البارد حتى أنال أجر إسباغ الوضوء على المكاره.
وقال الثاني أنا أريد أن أتوضأ بالماء الساخن حتى أوافق مراد الله الشرعي، حيث قال: (يريد الله بكم اليسر) (سورة البقرة: 185). أيهما أصوب؟ الثاني بالإجماع بلا شك هو الموافق للشريعة، لأن إسباغ الوضوء على المكاره ليس المراد منه أن يقتصد الإنسان ما يكره. المراد إذا لم يكن الوضوء إلا بمكروه.. يتوضأ هذا معناه.
وإلا لكان يقول أحجج البيت على قدميك... سر من أفغانستان إلى مكة على قدميك، فإن لم تفعل فعلى سيارة خربة، تمشي قليلا وتقف كثيرا لماذا؟ لأنها أشق.
فإن لم تستطع فعلى طيارة. ليس هذا بصحيح!! أيهما أفضل الطيارة لأنها أسهل وأيسر.
وأول ما خرجت الطيارات كنا نحدث ونحن صغار أن الحج على الطيارة ثمن الحج. وعلى السيارة نصف الحج.
والشاهد على كل حال: جلب التيسير هو الموافق لروح الدين. من هنا نرى أنه إذا اختلف عالمان في رأي، ولم يتبين لنا الأرجح من قولهما لا من حيث الدليل، ولا من حيث الاستدلال، ولا من حيث المستدل.
وأحدهما أشد من الثاني، فمن نتبع الأيسر أم الأشد؟ الأيسر. وقيل الأشد لأنه أحوط؟ لكن في هذا القول لأننا نقول ما هو الأحوط؟ هل هو الأشد على بني آدم أم هو الموافق للشرع؟ الثاني.... ما كان أوفق للشرع.
ثم قال :«وسد الحيل وسد الذرائع». إن هذه الأمة اتبعت سنن من كان قبلها في مسألة الحيل، وأشد الناس حيلا ومكرا هم اليهود، وهذه الأمة فيها من تشبه باليهود وتحايلوا على محارم الله.
والحيلة: أصلها حولة من حال يحول. هذا في اللغة.
أما في الشرع والاصطلاح: هي التوصل إلى إسقاط واجب أو انتهاك محرم بما ظاهره الإباحة .
مثال ذلك: رجل سافر في نهار رمضان، قصده أن يفطر في رمضان وليس له قصد في السفر إلا أن يفطر. ظاهر فعله أنه حلال، لكن أراد بذلك إلى إسقاط واجب وهو الصوم.
مثال آخر: رجل تزوج بمطلقة صاحبه ثلاثا، ورآه محزونا عليها فذهب وتزوجها من أجل أن يحللها للزوج الأول- الذي هو صاحبه- ليس له غرض في المرأة، وإنما يريد أن يجامعها ليلة ثم يدعها.
نقول: هذا تحيل على محرم، لأن هذه المرأة لا تحل لزوجها الأول الذي طلقها ثلاثا وأراد أن يحللها له.
ولهذا جاء في الحديث بما هو أهل له حيث سمي «التيس المستعار». ومن باب الحيل أيضا ما يفعله كثير من الناس اليوم في مسائل الربا رجل باع سلعة ب، 10 آلاف إلى سنة، ثم اشتراها نقدا بـ 8 آلاف. هذه حيلة على أن يعطي 8 آلاف ويأخذ 10 آلاف لأن هذا العقد صوري. ولهذا قال فيه عبد الله بن مسعود أنه دراهم بدراهم دخلت بينهم حريرة، يعني قطة قماش.
«سد الذرائع» الذرائع جمع ذريعة، وهي الوسيلة. والفرق بينها وبين الحيلة: أن فاعل الحيلة قد قصد التحيل. وفاعل الذريعة لم يقصد، ولكن فعله يكون ذريعة إلى الشر والفساد.
مثال ذلك: بعض النساء اليوم صارت تلبس النقاب، تغطي وجهها بالنقاب، لكن هل إن المرأة بقيت على هذا. بمعنى أنها لم تخرق فيه لتسر وجهها إلا مقدار العين؟... لا. إذا يمنع النقاب لأنه ذريعة يتوصل به إلى شيء محرم؟
وهكذا هديت لرشدك أبدا، فإن هذا يسعفك في مواطن المضايق. وعليك بالتفقه كما أسلفت في نصوص الشرع، والتبصر فيما يحف أحوال التشريع، والتأمل في مقاصد الشريعة، فإن خلا فهمك من هذا، أو نبا سمعك، فإن وقتك ضائع، وإن اسم الجهل عليك لواقع. وهذه الخلة بالذات هي التي تعطيك التمييز الدقيق، والمعيار الصحيح، لمدى التحصيل والقدرة على التخريج:
فالفقيه هو من تعرض له النازلة لا نص فيها فيقتبس لها حكما.
والبلاغي ليس من يذكر لك أقسامها وتفريعاتها، لكنه من تسري بصيرته البلاغية في كتاب الله، مثلا، فيخرج من مكنون علومه وجوهها، وإن كتب أو خطب، نظم لك عقدها. وهكذا في العلوم كافة.
هذا صحيح .. الفقيه حقيقة هو الذي يستنبط الأحكام من النصوص وينزل الأحكام عليها، وليس من يقرأ النصوص.
من يقرأ النصوص فهو كنسخة من الكتاب، لكن من يشقق النصوص وينزل الوقائع عليها، كالبلاغي... وهل البلاغي هو من يبين لك البلاغة وأقسامها، والفصاحة وأقسامها؟ أم من يكون كلامه بليغا؟... الثاني، من يكون كلامه بليغا فهو البلاغي، حتى ولو لم يكن يعرف من البلاغة شيئا.
ولهذا ينبغي للإنسان أن يطبق المعلومات على الواقع. بمعنى: أنه إذا نزلت نازلة يعرف كيف يتصرف في النصوص حتى يعرف الحكم، وإذا عرف شيئا يمرن نفسه على أن يطبق هذا في حياته القولية والفعلية.

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 03:27 AM
السؤال الأول : قال الشيخ ابن عثيمين ( الفقيه هو العالم باسرار الشريعة)، اليس هنا عدة محاذير منها:
- ان الصحابة كانوا لا يتجاوزون عشر ايات الا وفقهوا معناها وحكمها والعمل بها ، فكيف يكون للشريعة اسرار بعدهم.
- يفتح الباب امام الفرق الضالة التي تعتقد وجود اسرار في الشريعة مخفيه عن العامه ويبنون عليها عقائدهم.؟
الجواب : ليس مراده بأسرار الشريعة ما ذهبت إليه بأنه سر لا يطلع عليه إلا خواص من الناس كما هو ذين بعض الفرق الضالة. فعماد الدين على الكتاب والسنة وهما مشهوران معروفان
وإنما قصد بأسرار الشريعة مقاصدها وقواعدها الكلية التي تنبني عليها الأحكام ففهم تلك القواعد والمقاصد يستدعي علماً وفهماً لا يناله كل أحد ، ولذلك سماها أسراراً ، لأن إدراك هذه المقاصد والقواعد وفهمها هو من شأن الراسخين في العلم الذين هم خواص العلماء.
مع أن مادة تلك القواعد والمقاصد مبثوثة في أدلة الكتاب والسنة لم يأتوا بشيء مكتوم عن الناس لا يعلمون مصدره.



السؤال الثاني : ما المقصود بفقيه النفس وفقيه البدن ؟
الجواب : فقيه النفس هو الذي يعرف أمراض القلوب من الشبهات والشهوات ومراتبها وعلاجها من الكتاب والسنة.
وفقيه البدن: هو الطبيب الذي يعرف ما يقوم به صلاح الجسم وصحته ويعرف الأمراض التي تصيب الجسد وعلاجها.



السؤال الثالث : ما المقصود بالضابط والقاعدة والفرق بينهما ؟
الجواب : الضابط له إطلاقان:
الأول: الحد الذي يميز به بين مقدارين ينبني على التمييز بينهما فيه حكم شرعي.
مثاله: ما ضابط كثرة المطر الذي يجوز معه الجمع في الحضر؟.
الإطلاق الثاني: جملة تضبط حكماً واحداً لعدد من المسائل في باب واحد
مثاله: ما جاز في الفريضة جاز في النفل إلا ما دل الدليل على التخصيص فيه.
وأما القاعدة فهي حكم كلي تنبني عليه مسائل في أبواب متعددة
مثال: المشقة تجلب التيسير .
فهذه قاعدة تنبني عليها مسائل كثيرة في الطهارة والصلاة والصيام والحج وسائر فروض الدين.



السؤال الرابع : قوله: «وأجمع للنظر في فرع ما بين تتبعه وإفراغه في قالب الشريعة العام...» وهذا أيضا مهم عند أهل الحديث.
يأتي مثلا نص ظاهره الحكم بكذا لكن إذا تأملت في هذا النص وجدته مخالفا للقواعد العامة من الشريعة، فما موقفك؟
نقول: لا بد أن نرجع إلى القواعد، ويحكم على هذا بما تقتضيه الحاجة.
وكذلك قال العلماء فيما لو خالف الإنسان الثقة الثبت من هو أرجح منه، فإن حديثه هذا- وإن كان من حيث النظر إلى مجرد الطريق نحكم بصحته- نقول: إن هذا غير صحيح. لماذا؟ لأنه شاذ. والذي أوجب لكثير من المبتدئين في طلب العلم أن يسلكوا مسلكا شاذا )
- هل يمكن القواعد تكون مناقضة للنص؟
- ارجو شرح الفقرة .
الجواب : القاعدة الصحيحة لا تعارض النص الصحيح
لكن من أحوال بعض القواعد أنها غير مستغرقة للعموم في مسائلها ، فيدخلها الاستثناء والتخصيص والتقييد كما سيأتي بيانه عند دراسة أصول الفقه إن شاء الله تعالى.
والشيخ رحمه الله قال: نص ظاهره المعارضة...
ومعنى (الظاهر) له دلالة عند العلماء يريدون به المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق ، وهذا الأمر
أحيانا يكون هو معنى النص ، وأحياناً يراد به معنى آخر على خلاف الظاهر لقرينة صارفة
كما سيأتي بيانه عند دراسة أصول الفقه بإذن الله تعالى.

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 03:35 AM
31- اللجوء إلى الله تعالى في الطلب والتحصيل:
لا تفزع إذا لم يفتح لك في علم من العلوم، فقد تعاصت بعض العلوم على بعض الأعلام المشاهير، ومنهم من صرح بذلك كما يعلم من تراجمهم، ومنهم: الأصمعي في علم العروض، والرهاوي المحدث في الخط، وابن الصلاح في المنطق، وأبو مسلم النحوي في علم التصريف، والسيوطي في الحساب، وأبو عبيدة، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري، وأبو الحسن القطيعي، وأبو زكريا يحيي بن زياد الفراء، وأبو حامد الغزالي، خمستهم لم يفتح لهم بالنحو.


لكن هذا لا يضر... ما دمنا نطلب الفقه لا يضرنا أن نتكلم بكلام أو ألا نعرف النحو. لكن لا شك إذا تكلم بكلام مطابق للغة العربية فإن كلامه يكون مقبولا محبوبا للنفس، والإنسان الذي يعرف العربية أكره ما يسمع أن يتكلم الإنسان ويلحن يكره الكلام من هذا الرجل كراهية عظيمة.
فإن عجزت عن فن فالجأ إلى الله عز وجل، ومر علينا في خلاف الأدباء أن أحد أئمة النحو- إذا لم يكن الكسائي- فهو مثله، طلب النحو وعجز عن إدراكه في يوم من الأيام رأى نملة تريد أن تصعد بطعم لها من الجدار فكلما صعدت سقطت ثم تأخذ هذا الطعم وتمشي ثم تسقط ثم تصعد وربما كل مرة تقول: أرفع قليلا حتى اقتحمت العقبة وتجاوزته، فقال: إذا كانت هذه تحاول وتفشل عدة مرات ولكنها استمرت حتى انتهى أمرها، فرجع إلى علم النحو وتعلمه حتى صار من أئمته.
فأنت تحاول لا تقول عجزت هذه المرة، تعجز هذه المرة، لكن المرة الثانية يقرب لك الأمر.

فيا أيها الطالب! ضاعف الرغبة، وافزع إلى الله في الدعاء واللجوء إليه والانكسار بين يديه. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- كثيرا ما يقول في دعائه إذا استعصى عليه تفسير آية من كتاب الله تعالى:«اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني». فيجد الفتح في ذلك.

وهذا من باب التوسل بأفعال الله، والتوسل بأفعال الله جائز، لأن التوسل جائز وممنوع، وإن شئت فقل: مشروع وغير مشروع.
التوسل إلى الله بأسماءه وصفاته وأفعاله من المشروع، وكذلك التوسل إلى الله تعالى بذكر شكوى الحال وأنه مفتقر إليه، والتوسل إلى الله بالإيمان به، والتوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح، والتوسل إلى الله تعالى بدعاء من يرجي استجابة دعاءه.كل هذا مشروع.

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 03:38 AM
السؤال : دعاء شيخ الإسلام رحمه الله ( اللهم يا معلم ادم علمني ...) هل ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟
وإذا كان الدعاء لم يرد هل يجوز ان ندعو به بقصد التقرب إلى الله وطلب التوفيق ؟
الجواب : هذا الدعاء لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما أعلم ، ولكنه من الأدعية الجائزة ، ولا يشترط في لفظ الدعاء
أن يكون توقيفياً وارداً لفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بل من دعا بدعاء ليس فيه إثم ولا قطيعة رحم ولا تعدٍّ فدعاؤه صحيح بإذن الله تعالى
والأخذ بجوامع الدعاء الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل وأنفع للعبد.

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 03:41 AM
الأمر الثاني والثلاثون - الأمانةُ العلْمِيَّةُ :
يَجِبُ على طالبِ العلْمِ ، فائِقُ التحَلِّي بالأمانةِ العِلْمِيَّةِ ، في الطلَبِ والتحَمُّلِ والعمَلِ والبلاغِ ، والأداءِ :
( فإنَّ فَلاحَ الأُمَّةِ في صَلاحِ أعمالِها ، وصلاحَ أعمالِها في صِحَّةِ عُلُومِها ، وصِحَّةَ عُلومِها في أن يكونَ رجالُها أُمناءَ فيما يَرْوُونَ أو يَصِفُونَ، فمَن تَحَدَّثَ في العِلْمِ بغيرِ أمانةٍ ؛ فقد مَسَّ العلْمَ بقُرحةٍ ووَضَعَ في سبيلِ فَلاحِ الأُمَّةِ حَجَرَ عَثْرَةٍ ) .


الشيخ:
هذا أيضا من أهم ما يكون في طالب العلم أن يكون أمينا في علمه، فيكون أمينا في نقله، وأمينا في وصفه. إذا وصف الحال فليكن أمينا لا يزيد ولا ينقص، وإذا نقل فليكن أمينا في النقل لا يزيد ولا ينقص وكثير من الناس تنقصه هذه الأمانة، فتجده يصف من الأحوال ما يناسب رأيه ويحذف الباقي، وينقل من أقوال أهل العلم، بل ومن النصوص ما يوافق رأيه ويحذف الباقي فيكون كالذي قال:
ما قال ربك ويل للأولى سكروا = بل قال ربك ويل للمصلينا
نعوذ بالله وحذف (الذين هم عن صلاتهم ساهون) . وهذا لا شك أنه حجر عثرة وأنه تدليس على العلم، لأن الواجب النقل بأمانة والوصف بأمانة، وما يضرك إذا كان الدليل على خلاف ما تقول، فإنه يجب عليك أن تتبع الدليل وأن تنقله للأمة حتى يكونوا على بصيرة من الأمر.
ومثل هذه الحال- أعني عدم الأمانة- يوجب أن يكون الإنسان فاسقا لا يوثق له بخبر ولا يقبل له نقل لأنه مدلس.

القارئ:
لا تَخلُو الطوائفُ المنتمِيَةُ إلى العلومِ من أشخاصٍ لا يَطلبونَ العِلْمَ ليَتَحَلَّوْا بأَسْنَى فضِيلَةٍ ، أو ليَنْفَعُوا الناسَ بما عَرَفُوا من حِكمةٍ ، وأمثالُ هؤلاءِ لا تَجِدُ الأمانةُ في نفوسِهم مُسْتَقَرًّا ، فلا يَتَحَرَّجُون أن يَرْوُوا ما لم يَسْمَعُوا أو يَصِفُوا ما لم يَعْلَمُوا ، وهذا ما كان يَدْعُو جهابذةَ أهلِ العلْمِ إلى نَقْدِ الرجالِ .

الشيخ:
يقول: (لا تَخلُو الطوائفُ المنتمِيَةُ إلى العلومِ من أشخاصٍ لا يَطلبونَ العِلْمَ ليَتَحَلَّوْا بأَسْنَى فضِيلَةٍ ) لأن طلب العلم يؤدي إلى التحلي بأسنى فضيلة، أي: بأعلاها، (أو ليَنْفَعُوا الناسَ بما عَرَفُوا من حِكمةٍ) ، وإنما يطلبون العلم من أجل نصر آرائهم فتجده يبحث في بطون الكتب ليجد شيئا يقوي به رأيه، سواء كان خطأ أم صوابا، وهذا والعياذ بالله هو المراء والجدال المنهي عنه، أما من يقلب بطون الكتب من أجل أن يعرف الحق فيصل إليه، فلا شك أن هذا هو الأمين المنصف.

القارئ:
وهذا ما كان يَدْعُو جهابذةَ أهلِ العلْمِ إلى نَقْدِ الرجالِ

الشيخ:
يعني هذا هو الذي يدعو جهابذة أهل العلم إلى نقد الرجال ليبينوا أحوالهم وأنه رجل يتبع الهوى ولا يريد الهدى.

القارئ:
وتَمييزِ مَن يُسْرِفُ في القوْلِ مِمَّنْ يَصوغُه على قَدْرِ ما يَعْلَمُ ، حتى أَصْبَحَ طُلَّابُ العِلْمِ على بَصيرةٍ من قِيمةِ ما يَقرؤونَه ، فلا تَخْفى عليهم مَنْزِلَتُه ، من القطْعِ بصِدقِه أو كَذِبِه ، أو رُجحانِ أحدِهما على الآخَرِ ، أو احتمالِهما على سواءٍ ) اهـ .

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 03:46 AM
33- الصدق:
صدق اللهجة: عنوان الوقار، وشرف النفس، ونقاء السريرة، وسمو الهمة، ورجحان العقل، ورسول المودة مع الخلق، وسعادة الجماعة، وصيانة الديانة، ولهذا كان فرض عين، فيا خيبة من فرط فيه، ومن فعل فقد مس نفسه وعلمه بأذى.
الصدق هنا قريب من مسألة الأمانة العلمية، لأن الأمانة العلمية تكون بالصدق، والصدق كما قال: عنوان الوقار، وشرف النفس، ونقاء السريرة وإذا كان الكذب ينجي، فإن الصدق أنجى وأنجى. وإن كان الكذب أيضا لا يدوم، لأنه سرعان ما يتبين الكذب ويفتضح الكاذب.
لكن الصدق عاقبته حميدة. فعليك بالصدق، ولو كنت تتخيل أنه يضرك فاصبر، فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا.
وإني لأذكر رجلا من عامة الناس شهر بالصدق، فكان الناس يتناقلون أخباره في المجالس على التلذذ بها أكثر مما يذكرون أخبار العلماء الذين في وقته لأن الصدق يرفع الله به من اتصف به، لا سيما في مسائل العلم.
فلا تقل إن الله حرم هذا وهو لم يحرمه، ولا أوجب هذا وهو لم يوجبه، ولا قال فلان كذا وهو لم يقله. بل تجنب هذا كله.
وكان الإمام أحمد – رحمه الله – وغيره من الأئمة لا يصرحون بالتحريم إلا ما جاءت النصوص به، وإلا فإنك تجد الإمام أحمد يقول: أكره كذا، لا يعجبني ، لا تفعل . وما أشبه ذلك.
وقول الشيخ بكر – وفقه الله- «ولهذا كان فرض عين»، يعني الصدق فرض عين، لا فرض كفاية، فلا يقول: أنا أكذب، والثاني يصدق.. لا ... لا يجوز أن تكذب.
استثنى بعض العلماء ما جاء عن طريق التورية، ولكن لا حاجة للاستثناء، لأن التورية صدق باعتبار ما في نفس القائل، كمثل قول إبراهيم عليه السلام للملك الجبار هذه أختي.
وهذا ليس بالكذب، وإن كان إبراهيم اعتذر عن الشفاعة بأنه كذب ثلاث كذبات، لكنه كذب من وجه وهو التلبيس على الظالم المعتدي، ولكنه صدق باعتبار ما في نفس القائل.
استثنى بعض العلماء أيضا ما جاء في الحديث أنه لا يجوز الكذب إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث المرأة لزوجها وحديث الرجل لزوجته.
ولكن بعض العلماء يقول: إن هذا محمول على التورية، وليس على الحقيقة، فالحرب خدعة، بأن تري عدوك أنك تريد جهة ما، وأنت تريد الجهة الأخرى، أو تري عدوك أن عندك جنود كثيرة بحيث أن تجعل الجيش يتراسم، كما فعل القعقاع بن عمرو في أحدى غزواته، قسم الجيش وهم عدد قليل، لكن العدو يظنه عددا كثيرا.
كذلك الإصلاح بين الناس ... لا تكذب، ولكن تأل. إذا قال لك فلان: يقول في كذا وكذا. تقول: لا لم يقل فيك شيئا.
كذلك حديث المرأة زوجها وحديث الرجل زوجته، يعني: على سبيل التورية لا التصريح وهذا القول ليس ببعيد، لأن الكذب كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم يهدي إلى الفجور، لا يهدي إلى الخير. ثم إن الإنسان إذا اعتاد هذا- لاسيما مع الزوجة وصار كلما حدثها بحديث وبحثت عنه وجدته كذبا لم تثق فيه بعد ذلك، وربما يكون سببا لفقدها إياه وللفراق التام.
وعند العامة يستثني كذبا أكثر من ذلك يقولون: الكذب الحرام ما كان فيه أكل للمال بالباطل، وأما ما سواه فهو كذب أبيض ويقسمون الكذب إلى قسمين: كذب أبيض وكذب أسود. والأبيض حلال، والأسود حرام. والأسود ما فيه أكل المال بالباطل، والأبيض ما ليس كذلك، ولكن هذا هو دين العامة وليس شريعة محمد صلى الله عليه وسلم
قال الأوزاعي- رحمه الله تعالي-:«تعلم الصدق قبل أن تتعلم العلم».
وقال وكيع- رحمه الله تعالى-:«هذه الصنعة لا يرتفع فيها إلا صادق».
فتعلم- رحمك الله- الصدق قبل أن تتعلم العلم، والصدق: إلقاء الكلام على وجه مطابق للواقع والاعتقاد، فالصدق من طريق واحد، أما نقيضه الكذب فضروب وألوان ومسالك وأودية، يجمعها ثلاثة:
1- كذب المتملق: وهو ما يخالف الواقع والاعتقاد، كمن يتملق لمن يعرفه فاسقا أو مبتدعا فيصفه بالاستقامة.
2- وكذب المنافق: وهو ما يخالف الاعتقاد ويطابق الواقع، كالمنافق ينطق بما يقوله أهل السنة والهداية.
3- وكذب الغبي: بما يخالف الواقع ويطابق الاعتقاد، كمن يعتقد صلاح صوفي مبتدع فيصفه بالولاية.
الصدق لا شك أنه سبيل واحد، والكذب سبل، وهكذا الهداية والضلالة.
الهداية سبيلها واحد، والضلالة سبل متفرقة. قال الله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) (سورة الأنعام:153). وأما قوله: (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام)(سورة المائدة:16). فقد جمعها باعتبار تنوع الشرائع... صلاة، زكاة، صيام، حج، بر، صلة، صدقة- وما أشبه ذلك فجمعها باعتبار وتوحيدها باعتبار آخر.
أما الكذب فضروب وألوان متعددة، ويتعدد بتعدد أغراضه فهو يجمعها ثلاثة. يقول:
1- «كذب المتملق: وهو ما يخالف الواقع والاعتقاد، كمن يتملق لمن يعرفه فاسقا أو مبتدعا فيصفه بالاستقامة».
تعرف أن هذا الرجل فاسق ثم تأتي إليه وتقول: ما شاء الله أنت رجل مستقيم، مستقيم الأخلاق، مستقيم الدين، مستقيم المنهج. وأنت تعرف أنه أفسق عباد الله.
هذا ماذا يقال له؟ يقال له متملق وهذا أكثر ما يكون عند الملوك والأمراء، تجد الرجل يتملق إلى الأمير أو الملك ويقول: أنت فيك كذا وأنت فيك كذا، وهذا من النفاق العلمي: إذا حدث كذب والعياذ بالله.
2- «كذب المنافق: وهو ما يخالف الاعتقاد ويطابق الواقع» ومنه قوله تعالي (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله). وكونه رسول الله مطابق للواقع. ما الدليل؟ قوله: (والله يعلم إنك لرسوله) . لكن شهادتهم هذه مخالفة لاعتقادهم، لأن الله قال: (والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) (سورة المنافقون:1).
أي في قولهم نشهد إنك لرسول الله لا في قولهم إنه لرسول الله. هذا يخالف الاعتقاد ويطابق الواقع.
وهذا باعتبار قول المنافق في غيره، أما باعتبار قوله في نفسه مثلا أنه صالح، فهو يخالف الاعتقاد، ويخالف الواقع إلا ظاهرا.
3- «كذب الغبي: بما يخالف الواقع ويطابق الاعتقاد». وهو أن يقول الشيء ما ليس فيه لغباءه، فيقول مثلا عن أهل الكلام أنهم هم العقلاء، وأنهم أهل العلم والحكمة، أما أهل السنة فهم أغبياء يفوضون النصوص ولا يعرفون لها معنى.
نقول: هذا غبي، ولهذا عبر شيخ الإسلام- رحمه الله- في كتابه الفتوى الحموية، عبر بهذا الوصف فقال:«قال بعض الأغبياء: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم».
وكذلك من يشاهد الصوفية وتصنعهم وعباداتهم، فيقول: إنهم أهل الصلاح وأهل الولاية.
نقول: أنت غبي لا تعرف حقيقتهم فلا تحكم عليهم بالصلاح حتى تعرف الحقيقة، وإلا كنت غبيا.
فهذا كاذب، فهل يعذر بكذبه؟ نقول: إذا أفرط في البحث فلا بعذر وإن كان هذا منتهي علمه، فإنه يعذر لأنه جاهل. أما الأول فهو متملق، والثاني فهو منافق فلا عذر لهم في ذلك.
فالزم الجادة(الصدق)، فلا تضغط على عكد اللسان، ولا تضم شفتيك، ولا تفتح فاك ناطقا إلا على حروف تعبر عن إحساسك الصادق في الباطن، كالحب والبغض، أو إحساسك في الظاهر، كالذي تدركه الحواس الخمس: السمع، البصر، الشم، الذوق، اللمس. فالصادق لا يقول:«أحببتك» وهو مبغض، ولا يقول: «سمعت» وهو لم يسمع، وهكذا... واحذر أن تحوم حولك الظنون، فتخونك العزيمة في صدق اللهجة، فتسجل في قائمة الكذابين. وطريق الضمانة لهذا- إذا نازعتك نفسك بكلام غير صادق فيه: أن تقهرها بذكر منزلة الصدق وشرفه، ورذيلة الكذب ودركه، وأن الكاذب عن قريب ينكشف. واستعن بالله ولا تعجزن.
ولا تفتح لنفسك سابلة المعاريض في غير ما حصره الشرع. فيا طالب العلم! احذر أن تمرق من الصدق إلى المعاريض فالكذب، وأسوأ مرامي هذا المروق (الكذب في العلم)، لداء منافسة الأقران، وطيران السمعة في الآفاق.
هنا إضافة مهمة جدا، هو أن بعض الناس يتسرع في الرقي إلى العلو بما يلفقه ويوهم الناس به من أنه عنده علم واسع، وأنه عبقري، وأنه في كل فن له يد وما أشبه ذلك. وهذا لا شك أنه غلط عظيم، فهو مع جمعه الكذب، فيه خيانة الناس وإيهامهم بخلاف الواقع. وفيه أيضا التغرير بالنفس، أن الإنسان يزهو بنفسه حتى يحجمها ويكبرها وهي دون ذلك، وكم من إنسان هلك بمثل هذا سواء في طريق العلم أو في طريق العبادة، ولكن سرعان ما ينكشف، سرعان ما يرد عليه شيء يعجز عنه وحينئذ إما أن يقول ما هو معلوم كذبه فينكشف، وإما أن يتذبذب ويفتضح أمره.
ولهذا كان مما قاله عبد الله بن مسعود:«إن من العلم أن تقول لما لا تعلم لا أعلم».
وذكر بعضهم أن قول القائل:«لا أعلم» هي نصف العلم، ولكن في الواقع: العلم كله، والإنسان إذا عرف بالتحري وأنه يقول بما لا يعلم«لا أعلم» وثق الناس بقوله، أما إذا كان يجيب على كل ما يسأل حتى لو كان لا يعرف شيئا فيما سئل فيه، فإنه سوف ينكشف أمره وسوف لا يثق الناس بقوله حتى ولو كان حقا. ولكن ما الذي يحمل الإنسان على أن يقول مثل هذا؟
يحمله طلب العلو، أن يكون فائقا على الأقران، أو طلب الصيت والشهرة بحيث يقال العلامة، الفهامة، البحر الزاخر وما أشبه ذلك.
وهذه لا شك أنها من مكائد الشيطان، فالواجب عليك أن تعرف قدر نفسك وأن لا تنزلها فوق منزلتها، ثم إن القول في مسائل الدين أخطر ما يكون لأنه قول على الله بلا علم، وقد قال الله عز وجل (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) (سورة الأعراف: 33).
بعض الناس إذا عثر على خطأه قال: سبحان الله، سبحان الذي لا ينسى نعم.... لكن أنت لم تنس، بل أنت جاهل من أصله.
ومن تطلع إلى سمعة فوق منزلته فليعلم أن في المرصاد رجالا يحملون بصائر نافذة، وأقلاما ناقدة، فيزنون السمعة بالأثر، فتتم تعريتك عن ثلاثة معان:
1- فقد الثقة في القلوب.
2- ذهاب عملك وانحسار القبول.
3- أن لا تصدق ولو صدقت.
وبالجملة، فمن يحترف زخرف القول، فهو أخو الساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى (1). والله أعلم.
هذا صحيح.. الإنسان إذا تطلع إلى السمعة فقط ونزل فوق منزلته فسرعان ما ينكشف،ثم إن النية في طلب العلم يجب فيها الإخلاص لله عز وجل، ولهذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم :«أن من طلب علما وهو مما يبتغي به وجه الله لا يريد إلا أن ينال عرضا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة. وأن من طلب العلم ليماري به السفهاء أو ليجاري به العلماء فليتبوء مقعده من النار» . فالمسألة خطيرة، ولا سيما العلوم الشرعية. وذكر ثلاث مضار.
أولا- فقد الثقة في القلوب، متى تفقد؟ إذا تبين أنه قال عن جهل؛ ما يثقون به وينصرفون إلى غيره.
ثانيا- ذهاب عملك وانحسار القبول: لأنه إذا فقدت الثقة لم يقبله الناس فإذا كان يقبله مثلا (10)، فإنهم إذا فقدوا الثقة انحسروا إلى (5) أو إلى (4).
ثالثا- أن لا تصدق ولو صدقت: حتى لو حدثتهم بحديث يعرفونه. قالوا: هذا رمية من غير رام.
فالحاصل أن الإنسان يجب أن يعرف مقدار نفسه وأن يحترم العلم، وأن لا يجعله به وسيلة للرقي الخادع.

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 03:59 AM
الأمر الرابع والثلاثون-جُنَّةُ طالِبِ العلْمِ :
جُنَّةُ العالِمِ ( لا أَدْرِي ) ويَهْتِكُ حِجابَه الاستنكافُ منها ، وقولُه: يُقالُ ..... وعليه ؛ فإن كان نِصْفُ العلْمِ ( لا أَدْرِي ) ؛ فنِصْفُ الجهْلِ ( يُقالُ ) و( أَظُنُّ ) .

الشيخ:
نعم صحيح. هذا تتميم لما قبله، أن الإنسان يجب عليه إذا لم يعلم أن يقول: لا أعلم ولا يضره هذا، بل يزيده ثقة بقوله.
وأما قوله :«نصف الجهل أظن أو يقال » هذا صحيح. بعض العوام تسأله هل هذا حرام أم حلال ؟ يقول أظنه حرام. هذا عامي، يقول أظنه حرام. أو يقولون: إنه حرام، بدل يقال ، هذا أيضا نصف الجهل في الواقع، ولكن هل أثق بقول العامي أظن كذا؟! لا يجوز، ولهذا كم من أناس أفتاهم العوام بفتاوي خاطئة ولا سيما في أيام الحج. سبحان الله العظيم أيام الحج يكثر العلماء تجد كل عمود خيمة تحته عالمان كل واحد منهما يفتي ، حتى إنه قيل لي: إن أحد الناس قال: إن الذي يطوف في السطح أو في الدور الثاني يكفيه عن سبعة أشواط ثلاثة أشواط ونصف . لماذا؟ لاتساع الدائرة ، وكأنه قاس الأشواط بالخطوات، وعلى قياس قوله أن الذي يطوف في أطراف الصحن يكفيه كم؟ خمسة ، لأنه ليس كالذي عند الكعبة ن لأن عند الكعبة أقل، إلا أن يقال: مشقة هذا الذي عند الكعبة، تقابل كثرة خطوات هذا فيمتنع القياس ، على كل حال أنا أقول: إنه لا يجوز الاعتماد على فتوى العامي أبداً، لا تستفتي إلا إنسانا تثق في علمه وأمانته.

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 04:02 AM
35- المحافظة على رأس مال (ساعات عمرك):
الوقت الوقت للتحصيل، فكن حلف عمل لا حلف بطالة بطر؛ وحلس معمل لا حلس تله وسمر، فالحفظ على الوقت، بالجد والاجتهاد، وملازمة الطلب، ومثافنة الأشياخ، والاشتغال بالعلم قراءة وإقراء، ومطالعة وتدبر وحفظا وبحثا، لا سيما في أوقات شرخ الشباب، ومقتبل العمر، ومعدن العافية، فاغتنم هذه الفرصة الغالية، لتنال رتب العلم العالية، فإنها «وقت جمع القلب، واجتماع الفكر»، لقلة الشواغل والصوارف عن التزامات الحياة والترؤس، ولخفة الظهر والعيال:
ولهذا قال عمر رضي الله عنه :«تفقهوا قبل أن تسودوا» وفي لفظ «تسودوا» لأن الإنسان إذا ساد كثرت المشاكل، وكثرت أفكاره وتفرقت وتمزقت عزائمه، فبينما يعزم على شيء إذا بحاجة نزلت به أشد إلحاحا مما عزم عليه... فيتفرق. ولذلك اجتهد ما دمت في زمن الإمهال وانتبح، واعمل، وابحث، واجعل بطون الكتب هي مرئياتك حتى تعتاد على هذا، واعلم أنك إذا اعتدت على هذا- يعني على الجد والاجتهاد- صار طبيعة لك بحيث لو أنك إذا كسلت يوما من الأيام في الرحلة فإنك تستنكر هذا وتجد الفراغ.
وليكن بحثك مركزا، بحيث لا تقطف من كل زهرة جزءا، اجعل بحثك مركزا الأهم فالأهم، حتى يكون لك ملكة تستطيع أن تخرج المسائل على القواعد والفروع على الأصول.
ما للمعيل وللعوالي إنما = يسعى إليهن الفريد الفارد
المعيل: كثير العيال. والعوالي: جمع عالية- يعني المنازل العالية فإذا كثرت العيال وكثرت المشاغل ألهتك لأن الإنسان بشر، والطاقة محدودة، فما دمت متفرغا فلتكن متفردا. ولا تظن أن المؤلف يريد بهذا إلا تطلب العيال والنكاح، بل إن النكاح قد يكون من أسباب الراحة إذا وافق الإنسان فيه ويسرت له امرأة صالحة.
وإياك وتأمير التسويف على نفسك، فلا تسوف لنفسك بعد الفراغ من كذا، وبعد (التقاعد) من العمل هذا... وهكذا، بل البدار قبل أن يصدق عليك قول أبي الطحان القيني:
حنتني حانيات الدهر حتى = كأني خاتل أدنو لصيد
قصير الخطو يحسب من رآني = ولست مقيدا أني بقيد
خاتل أدنو لصيد: الرجل يكسر ظهره كأنه راكب يمشي ببطء على الأرض يخشى أن الطير يحس به فيطير.
«ولست مقيدا أني بقيد» وهذا صحيح، لأن الله عز وجل قال في كتابه (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير) (سورة الروم:54).
والإنسان في حالة شبابه يظن أنه لن يتعب ولن يسأم ولن يمل، لكن إذا كبر فكما قال عن زكريا :(رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا) (سورة مريم:4). لا بد أن يتعب، لا بد أن يمل، فكون الإنسان ينتهز الفرصة هذا أمر لا بد منه.
وقال أسامة بن منقذ:


مع الثمانين عاث الضعف في جسديوساءني ضعف رجلي واضطراب يدي
إذا كتبت فخطي خـط مضطـربكخط مرتعـش الكفيـت مرتعـد
فاعجب لضعف يدي عن حملها قلمامن بعد حمل القنا فـي لبـة الأسـد
فقـل لمـن يتمنـى طـول مدتـههذي عواقب طول العمـر والمـدد


فإن أعملت البدار، فهذا شاهد منك على أنك تحمل «كبر الهمة في العلم».
هذه كلها أبيات تدل على الحكمة، أن الإنسان مآله إلى هذا. يقول: «مع الثمانين عاث الضعف في جسدي» أي: انتشر وشاع.
لكن المؤمن- والحمد لله- ما دام عقله باقيا وقلبه ثابتا، فإن بلغ هذا المبلغ من العجز البدني، فالقلب حاضر يستطيع أن يشغل وقته بذكر الله عز وجل والتفكير في آياته، لأن هذا لا عجز عن مراده إلا الغفلة، والغفلة شيء مشكل.
على كل حال فالمؤلف- وفقه الله- يدعونا إلى انتهاز الفرصة وألا نضيع الأوقات واعلم أنك إذا اعتدت على تضييع الوقت، عجزت بعد ذلك عن الحرص عليه وعن الانتفاع به، لأنك تكون قد اعتدت على الكسل. فإن قال قائل: أليس لنفسك عليك حقا؟
فالجواب: بلى، إن لنفسك عليك حقا، ونحن لا نقول إذا تعبت أو مللت استمر. نقول: لا استرح، حتى إن الإنسان الذي يصلي إذا أتاه النعاس مأمور أن يدع الصلاة وينام.
لكن ما دمت نشيطا فاحرص، لأن هناك فرقا بين العجز والكسل. الكسل ضعف في الإرادة، والعجز ضعف في البدن، وضعف البدن لا حيلة فيه. لكن الإرادة هي التي يستطيع الإنسان يعود نفسه على الهمة العالية كي يستغل.

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 04:19 AM
الأمر السادس والثلاثون-إجمامُ النفْسِ :
خُذْ من وَقْتِك سُويعاتٍ تُجِمُّ بها نفسَك في رِياضِ العِلْمِ من كُتُبِ المحاضراتِ ( الثقافةِ العامَّةِ ) ؛ فإنَّ القلوبَ يُرَوَّحُ عنها ساعةً فساعةً .
وفي المأثورِ عن أميرِ المؤمنينَ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ أنه قالَ : ( أَجِمُّوا هذه القلوبَ ، وابْتَغُوا لها طرائفَ الْحِكمةِ ، فإنها تَمَلُّ كما تَمَلُّ الأبدانُ ) .
وقالُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رَحِمَه اللهُ تعالى في حِكْمَةِ النهيِ عن التَّطَوُّعِ في مُطْلَقِ الأوقاتِ :( بل في النهيِ عنه بعضَ الأوقاتِ مصالِحُ أُخَرُ من إِجمامِ النفوسِ بعضَ الأوقاتِ ، من ثِقَلِ العِبادةِ ؛ كما يُجَمُّ بالنوْمِ وغيرِه ، ولهذا قالَ مُعاذٌ : إني لأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي ، كما أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي ... )
وقالَ : ( بل قد قيلَ : إنَّ من جُملةِ حِكمةِ النهيِ عن التَّطَوُّعِ المطلَقِ في بعضِ الأوقاتِ : إجمامَ النفوسِ في وَقْتِ النهيِ لتَنْشَطَ للصلاةِ ؛ فإنها تَنْبَسِطُ إلى ما كانت مَمنوعةً منه ، وتَنْشَطُ للصلاةِ بعدَ الراحةِ . واللهُ أَعْلَمُ ) اهـ .



الشيخ:
وهنا يجب أن نعلم أن إجمام النفس وإعطاءها شيئا من الراحة حتى تنشط في المستقبل وحتى تستريح بعض الراحة مما سبق أن هذا من الأمور الشرعية التي دل عليها قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (إن لنفسك عليك حقا ولربك عليك حقا ولأهلك عليك حقا ولزوجك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه). وهذا الحديث هو الميزان الحقيقي الذي تطمئن إليه النفس لا ما روي عن عمر ولا عن علي وغيرهما، فلو أن المؤلف استدل بهذا الحديث لكان أبين وأظهر، والنفس إذا جعلتها دائما في جد لا بد أن تمل وتسأم، وأما ما قيل: إن من جملة حكمة النهي عن التطوع المطلق في بعض الأوقات. فهذا من جملة الحكمة، وليس هو الحكمة، بل الحكمة الحقيقية ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام: أن الشمس إذا طلعت فإنها تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار وكذلك إذا غربت يسجدون لها. فهم يسجدون لها استقبالا، ويسجدون لها وداعا.
أما وقت الزوال فإن الحكمة فيه: أنه الوقت التي تسجر فيه جهنم فيلحق النفس من التعب في الحر لا سيما في أيام الصيف ما ينهى أن يصلي الإنسان فيه. وليس هذا القيل الذي قيل معارضا للحديث لكنه من جملة الحكمة، والله أعلم.

القارئ:
ولهذا كانت العُطَلُ الأسبوعيَّةُ للطُّلَّابِ مُنتشِرَةً منذُ أَمَدٍ بعيدٍ ، وكان الأَغْلَبُ فيها يومَ الْجُمعةِ وعَصْرَ الخميسِ ، وعندَ بعضِهم يومَ الثلاثاءِ ويومَ الاثنينِ ، وفي عِيدَي الفطْرِ والأَضْحَى من يومٍ إلى ثلاثةِ أيَّامٍ وهكذا .


الشيخ:
صحيح... العطل الأسبوعية منتشرة منذ زمن، لكن بعضهم يقتصر على الجمعة فقط، وبعضهم يضيف إلى الجمعة يوم الخميس، وبعضهم يجعل الجمعة ونصف الأسبوع، وكان شيخنا عبد الرحمن بن سعدي –رحمه الله- يفعل هذا، يكون العطلة يوم الجمعة، ويوم الثلاثاء الذي هو وسط الأسبوع لأجل ألا يتوالى يومان كلاهما عطلة، ولئلا يمل الإنسان، وهذا يرجع على كل حال إلى أحوال الناس والأحوال تختلف، فيجعل من العطل ما يناسب.

القارئ:
ونَجِدُ ذلك في كُتُبِ آدابِ التعليمِ ، وفي السِّيَرِ ، ومنه على سبيلِ الْمِثالِ : ( آدابُ المعَلِّمِينَ ) لسُحْنونٍ ( ص 104 ) ، ( والرسالةُ الْمُفَصَّلَةُ ) للقابسيِّ ، ( والشقائقُ النُّعْمانيَّةُ ) وعنه في : ( أَبْجَدِ العلومِ ) ، وكتابِ ( أَلَيْسَ الصبْحُ بقريبٍ ) للطاهرِ ابنِ عاشورٍ ، ( وفتاوَى رَشيد رِضَا ) و( مُعْجَمِ البِلدانِ ) و ( فتاوى شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ ) .

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 04:25 AM
الأمر السابع والثلاثون – قراءةُ التصحيحِ والضبْطِ :
احْرِصْ على قِراءةِ التصحيحِ والضبْطِ على شيخٍ مُتْقِنٍ؛ لتأْمَنَ من التحريفِ والتصحيفِ والغلَطِ والوَهْمِ . وإذا اسْتَقْرَأْتَ تَراجمَ العُلماءِ – وبخاصَّةٍ الْحُفَّاظَ منهم – تَجِدُ عَددًا غيرَ قليلٍ مِمَّنْ جَرَّدَ المطَوَّلَاتِ في مجالِسَ أو أيَّامٍ قراءةَ ضَبْطٍ على شيخٍ مُتْقِنٍ .


الشيخ:
وهذه الفقرة من أهم الفقرات، وهو إتقان العلم وضبطه ومحاولة الرسوخ في القلب، لأن ذلك هو العلم، ولا بد أن يكون على شيخ متقن أما الشيخ المتمشيخ فإياك إياك فقد يضرك ضررا كثيرا والإتقان يكون في كل فن بحسبه، قد نجد رجلا متقنا في الفرائض مثلا غير متقن في أحكام الصلاة، ونجد رجلا متقنا في علوم العربية غير عارف بالعلوم الشرعية وآخر بالعكس، فخذ من كل عالم ما يكون متقنا فيه ما لم يتضمن ذلك ضررا، مثل أن نجد رجلا متقنا في علوم العربية، لكنه منحرف في عقيدته وسلوكه فهذا لا ينبغي أن نجلس إليه لأننا إذا جلسنا إليه اغتر به الآخرون وظنوا أنه على حق، فنحن نطلب العلم من غيره وإن كان أجود الناس في هذا الفن، لكن ما دام منحرفا فلا ينبغي أن نجلس إليه.

القارئ:
فهذا الحافظُ ابنُ حَجَرٍ رَحِمَه اللهُ تعالى قَرَأَ ( صحيحَ البخاريِّ ) في عشرةِ مجالسَ ، كلُّ مجلِسٍ عشرُ ساعاتٍ .

كم عدد الساعات ؟ ! 100 ساعة .. الله المستعان ، ولكن على كل حال هو قراءة فقط دون شرح وتأمل.

( وصحيحَ مسلِمٍ ) في أربعةِ مجالسَ في نحوِ يومينِ وشيءٍ من بُكْرَةِ النهارِ إلى الظهْرِ وانتهى ذلك في يومِ عَرَفَةَ ،

وانتهى ذلك في يومِ عَرَفَةَ ، وكان يومَ الجمُعَةِ سنةَ 813 هـ ، وقرأَ ( سُنَنَ ابنِ ماجهْ ) في أربعةِ مجالِسَ ، و ( مُعجَمَ الطبرانيِّ الصغيرَ ) في مَجلِسٍ واحدٍ ، بينَ صَلَاتَي الظهْرِ والعَصْرِ .
وشيخُه الفَيروزآباديُّ قَرَأَ في دِمَشْقَ ( صحيحَ مُسْلِمٍ ) على شيخِه ابنِ جَهْبَلَ قِراءةَ ضَبْطٍ في ثلاثةِ أيَّامٍ .
وللخطيبِ البَغدادىِّ والمؤتَمَنِ الساجيِّ ، وابنِ الأبَّارِ وغيرِهم في ذلك عجائبُ وغرائبُ يَطولُ ذِكْرُها، وانْظُرْها في ( السِّيَرِ ) للذهبيِّ و ( طَبقاتِ الشافعيَّةِ ) للسُّبْكيِّ ، و ( الجواهِرِ والدُّرَرِ ) للسَّخَاويِّ ، و( فتْحِ الْمُغيثِ ) و ( شَذَراتِ الذهَبِ ) ، و ( خُلاصةِ الأثَرِ ) ، و ( فِهْرِسِ الفهارِسِ ) للكَتَّانِيِّ ، و ( تاجِ العَروسِ ) .
فلا تَنْسَ حَظَّكَ من هذا .
الشيخ:
الظاهر أن ما لي حظ أبدا في هذا . سبحان الله، والله المستعان.

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 04:26 AM
السؤال : ما المراد بقراءة التصحيح والضبط ؟ وهل هناك فرق بينهما؟
الجواب : قراءة التصحيح هي أن يقابل نسخته على أصل موثوق يصححه عليه أو يقرأه على شيخ متقن ليصحح له قراءته ، وأما الضبط فهو أن يعنى بضبط المفردات الغريبة والأعلام وكيف ضبطها بالشكل.

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 04:40 AM
القارئ:
الأمر الثامن والثلاثون: جَرْدُ الْمُطَوَّلَاتِ :
الْجَرْدُ للمُطَوَّلاتِ من أَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ ؛ لتَعَدُّدِ المعارِفِ ، وتوسيعِ الْمَدَارِكِ واستخراجِ مَكنونِها من الفوائدِ والفرائدِ ، والخبرةِ في مَظَانِّ الأبحاثِ والمسائلِ ، ومَعرِفَةِ طرائقِ الْمُصَنِّفِينَ في تآليفِهم واصطلاحِهم فيها .

وقد كان السالِفون يَكتبون عندَ وُقوفِهم : ( بَلَغَ ) حتى لا يَفوتَه شيءٌ عندَ الْمُعاوَدَةِ ، لا سيَّمَا مع طُولِ الزَّمَنِ .

الشيخ:
هذه فيها نظر – يعني جرد المطولات- قد يكون فيه مصلحة للطالب وقد يكون فيه مضرة، فإذا كان الطالب مبتدئا، فإن جرد المطولات له هلكة، كرجل لا يحسن السباحة يرمي نفسه في البحر.
وإن كان عند الإنسان العلم، ولكنه أراد أن يسرد هذه المطولات من أجل أن يكسب فوق علمه الذي عنده، فهذا قد يكون حسن.
فهذه الفقرة تحتاج إلى تفصيل. لو أن رجلا بدأ بالعلم من الآن ونقول له اذهب راجع المغني وراجع شرح المهذب وراجع الحاوي الكبير... وراجع كذا وعددت له من الكتب الموسعة. هذا معناه أنك أهلكته، رميته في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج. أما الإنسان الذي أعطاه الله علما وأراد أن يتبحر ويتوسع فهنا نقول: عليك بالمطولات، وقد ذكر لي بعض الإخوة أن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين -رحمه الله- أنه لم يتجاوز (الروض المربع) في مراجعاته في الفقه، ومع ذلك كان يطلق عليه مفتي الديار النجدية وله حواش على الروض المربع وهو لم يتجاوزه، لكنه يكرره ويتأمله منطوقا ومفهوما وإماء وإشارة.
أما كتابة «بلغ» فهذا طيب إنك إذا راجعت كتابا فاكتب عند المنتهى «بلغ» لتستفيد فائدتين:
الأولى- ألا تنسى ما قرأت، لأن الإنسان ربما ينسى فلا يدري هل بلغ هذه الصفحة أم لا؟ وربما يفوته بعض الصفحات إذا ظن أنه قد تقدم في المطالعة.
والفائدة الثانية- أن يعلم الآتي بعدك الذي يقرأ هذا الكتاب أنك قد أحصيته وأكملته فيثق به أكثر.

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 04:47 AM
39- حسن السؤال:
التزم أدب المباحثة من حسن السؤال، فالاستماع، فصحة الفهم للجواب، وإياك إذا حصل الجواب أن تقول: لكن الشيخ فلانا قال لي كذا، أو قال كذا، فإن هذا وهن في الأدب، وضرب لأهل العلم بعضهم ببعض، فاحذر هذا. وإن كنت لا بد فاعلا، فكن واضحا في السؤال، وقل: ما رأيك في الفتوى بكذا، ولا تسم أحدا.
من آداب طالب العلم:
أولا- أن يكون عنده حسن سؤال، حسن إلقاء مثل أن يقول: أحسن الله إليك ما تقول في كذا، وإن لم يقل هذه العبارة فليكن قوله رقيقا بأدب.
الثاني- حسن الاستماع، أما أن تقول: يا شيخ أحسن الله إليك ماذا تقول في كذا وكذا.. وانتظر.
الثالث- صحة الفهم للجواب.. وهذا أيضا يفوت بعض الطلبة، تجده إذا سأل وأجيب. يستحيي أن يقول ما فهمت.
بعد هذا يأتي بعض الناس بعدما يستمع للجواب يقول: لكن قال الشيخ الفلاني كذا وكذا.. في وسط الحلقة. هذا من سوء الأدب، معنى هذا إنك لم تقتنع بجوابه، ومعنى هذا إثارة البلبلة بين العلماء.
وإن كان لا بد فيقول: قال قائل... ثم يورد ما قاله الشيخ فلان لأن أحدا لا يفهم إذا قال إن قال قائل أنه أراد بذلك جواب شيخ آخر. لهذا يقول: «لكن إذا كنت لا بد فاعلا فقل ما رأيك في الفتوى بكذا» وهذا أيضا ما هو بحسن.
أحسن منه أن تقول (فإن قال قائل)، لأنك إذا قلت: ما رأيك في الفتوى بكذا- وهي خلاف ما أفتاك به- فيعني إنك تريد أن تعارض فتواه بفتوى آخر، لكن هي أحسن من قولك: قال الشيخ الفلاني كذا.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «وقيل: إذا جلست إلى عالم، فسل تفقها لا تعنتا» أ هـ.
وقال أيضا :«وللعلم ست مراتب:
أولها- حسن السؤال. الثانية- حسن الإنصات والاستماع.
الثالثة- حسن الفهم. الرابعة- الحفظ.
الخامسة- التعليم. السادسة: وهي ثمرته، العمل به ومراعاة.
حدوده» أ هـ. ثم أخذ في بيانها ببحث مهم.
ترتيبها على هذا الوجه لا شك أنه مناسب.
حسن السؤال: إذا دعت الحاجة إلى حسن السؤال أما إذا لم تدع إلى السؤال فلا تلق السؤال، لأنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل إلا إذا احتاج هو إلى السؤال، أو أظن أن غيره يحتاج إلى السؤال قد يكون مثلا هو فاهم الدرس، ولكن فيه مسائل صعبة يحتاج إلى بيانها إلى بقية الطلبة، بل من أجل حاجة غيره.
والسائل من أجل حاجة غيره كالمعلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه جبريل وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأشراطها. قال «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم».
فإذا كان الباعث على السؤال حاجة السائل. فسؤاله واضح أنه وجيه أو حاجة غيره إن سئل ليعلم غيره فهذا أيضا طيب، أما إذا سأل ليقول الناس: ما شاء الله فلان عنده حرص على العلم كثير السؤال، وابن عباس رضي الله عنه يقول: لما سئل بما أدركت العلم؟ قال :«بلسان سؤول وقلب عقول وبدن غير ملول»، فهذا غلط، وعلى عكس من ذلك من يقول: لا أسأل حياء. فالثاني مفرط.
والأول- مفرط، وخير الأمور الوسط.
الثاني- حسن الاتصال الانصات للاستماع.
الثالث- حسن الفهم.
الرابع- الحفظ، وهذا الحفظ ينقسم إلى قسمين: قسم غريزي يهبه الله لمن يشاء، فتجد الإنسان يمر عليه المسألة والبحث فيحفظه ولا ينساه، وقسم آخر كسبي.
بمعنى أن يمرن الإنسان نفسه على الحفظ ويتذكر ما حفظ، فإذا عود نفسه تذكر ما حفظ، سهل عليه الحفظ.
الخامسة- التعليم، والذي أرى أن تكون هي السادسة وأن العمل بالعلم قبل السادسة، فيعمل بالعلم ليصلح نفسه قبل أن يبدأ بإصلاح غيره ثم بعد ذلك يعلم الناس. قال النبي صلى الله عليه وسلم :«ابدأ بنفسك ثم بمن تعول». فالعمل به قبل تعليمه. بلى قد تقول أن تعليمه من العمل به، لأن من جملة العمل بالعلم أن تفعل ما أوجب الله عليك فيه من بثه ونشره.

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 05:04 AM
40- المناظرة بلا مماراة:
إياك والمماراة، فإنها نقمة، أما المناظرة في الحق، فإنها نعمة، إذ المناظرة االحقة فيها إظهار الحق على الباطل، والراجح على المرجوح، فهي مبنية على المناصحة والحلم، ونشر العلم، أما المماراة في المحاورات والمناظرات، فإنها تحجج ورياء، ولغط وكبرياء، ومغالبة ومراء، واختيال وشحناء، ومجاراة للسفهاء، فاحذرها واحذر فاعلها، تسلم من المآثم وهتك المحارم، وأعرض تسلم وتكبت المآثم والمغرم.
االمناظرة والمناقشة تشحذ الفهم وتعطي الإنسان قدرة على المجادلة. والمجادلة في الحق مأمور بها كما قال الله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (سورة النحل: 125).
فإذا تمرن الإنسان على المناظرة والمجادلة حصل على خير كثير، وكم من إنسان جادل بالباطل فغلب صاحب الحق لعدم قدرته على المجادلة.
لكن المجادلة نوعان: مجادلة المماراة، يماري بذلك السفهاء ويجادل الفقهاء ويريد أن ينتصر قوله،فهذه مذمومة.
والثاني لإثبات الحق وإن كان عليه، فهذه محمودة مأمور بها. وعلامة ذلك- المجادلة الحقة - أن الإنسان إذا بلغه الحق اقتنع وأعلن الرجوع، أما المجادل الذي يريد الانتصار لنفسه فتجده لو بان الحق، وكان ظاهر الحق مع خصمه يورد إيرادات: لو قال قائل. ثم إذا أجيب. ولو قال قائل. ثم إذا أجيب، قال ولو قال قائل. ثم تكون سلسلة لا منتهي لها، ومثل هذا عليه خطر أن لا يقبل قلبه الحق، لا بالنسبة للمجادلة مع الآخر، لكن حتى في خلوته، ربما يورد لشيطان عليه هذه الإيرادات.
قال الله تعالى: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) (سورة الأنعام:110). وقال الله تعالى: (فإن تولوا فأعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم) (سورة المائدة:49).
فعليك يا أخي ابتغاء الحق سواء كان بمجادلة غيرك أو بمجادلة نفسك متى تبين قل: سمعنا وأطعنا. لهذا تجد الصحابة يقبلون ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم وما أخبر به دون أن يوردوا عليه الاعتراضات أو قول: أرأيت . . . أرأيت.
ولهذا جادل رجل عبد الله بن عمر فقال له: أرأيت؟! قال له :«اجعل أرأيت في اليمن». لأنه من أهل اليمن.
عندما سأل أهل العراق عن دم البعوضة. وهل يجوز قتل البعوضة؟! قال: سبحان الله !! أهل العراق يقتلون ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأتون يسألون عن دم البعوضة!! هذه مجادلة ولا شك.

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 05:09 AM
القارئ:

الأمر الحادي والأربعون: مُذاكَرَةُ العِلْمِ :
تَمَتَّعْ مع البُصَرَاءِ بالْمُذاكَرَةِ والْمُطارَحَةِ ؛ فإنها في مَواطِنَ تَفوقُ الْمُطالَعَةَ وتَشْحَذُ الذهْنَ وتُقَوِّي الذاكرةَ ؛ مُلْتَزِمًا الإنصافَ والملاطَفَةَ مُبْتَعِدًا عن الْحَيْفِ والشَّغَبِ والمجازَفَةِ .
وكُنْ على حَذَرٍ ؛ فإنها تَكْشِفُ عُوارَ مَن لا يَصْدُقُ .
فإن كانت مع قاصرٍ في العِلْمِ ، باردِ الذهْنِ ؛ فهي داءٌ ومُنافَرَةٌ ، وأمَّا مُذاكرَتُك مع نفسِك في تقليبِك لمسائِلِ العلْمِ ؛ فهذا ما لا يَسوغُ أن تَنْفَكَّ عنه .
وقد قيلَ : إحياءُ العِلْمِ مُذاكرَتُه .

الشيخ:
هذا أيضا من الذي ينبغي لطالب العلم أن يقوم به، وهو المذاكرة. والمذاكرة نوعان: مذاكرة مع النفس. ومذاكرة مع الغير.
المذاكرة مع النفس: تجلس مثلا جلسة واحدة، ثم تفرض مسألة من المسائل أو تكون مسألة مرت عليك، ثم تأخذ في محاولة ترجيح ما قيل في هذه المسألة بعضه على بعض. يعني ترجيح بعض الأقوال على بعض في هذه المسألة. وهذه سهلة على (...) هي أيضا تساعد على مسألة المناظرة السابقة.
أما المذاكرة مع الغير: فهي أيضا واضحة يختار الإنسان من إخوانه الطلبة من يكون عونا له على طلب العلم، مفيدا له فيجلس معه ويتذاكرا، يقرأن مثلا ما حفظاه كل واحد يقرأ على الآخر قليلا أو يتذاكرن في مسألة من المسائل بالمراجعة أو بالمفاهمة إن قدرا على ذلك، فإن هذا مما ينمي العلم ويزيده.
لكن إياك والشغب والصلف، لأن هذا لا يفيد. أنت الآن تحاج في مقام الإقناع أم في مقام التأديب؟ في مقام الإقناع. واعلم أنه لن يقتنع كلما اشتد غضبك عليه، بل ربما إذا اشتد غضبك عليه، اشتد غضبه عليك ثم ضاع الحق بينكما، لكن بالهدوء.
أما لو علمت منه الإعنات، مثل أن تكون أنت أعلم منه وتفهم من العلم ما لا يفهم، ولكن عرفت أن هذا الرجل يريد العنت. فحينئذ لك أن تشتد عليه وأن تقول: لن أفهمك لقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : (فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) . ولهذا قال المؤلف : «فإن كانت مع قاصرٍ في العِلْمِ ، باردِ الذهْنِ ؛ فهي داءٌ ومُنافَرَةٌ ».
(...) بعض الناس أكثر علما من الآخر لكن الثاني أفهم منه في معرفة النصوص والثالث أعقل منهم أيضا في معرفة مصادر الشريعة ومواردها لأنه قد يفهم الإنسان النص فهما كاملا لكن ليس عنده ذاك العقل الذي يجمع بين أدلة الشريعة وبين مقاصدها وأسرارها فتجده يأخذ بظاهر اللفظ ولو كان بعيدا عن مقاصد الشرع وهذا خلل عظيم، أرأيت قول ابن حزم في الشاة الثنية لا تجزئ وفي الجذعة، تجزئ، هذا بعيد جدا عن مقاصد الشريعة ، إذا كانت الجذعة تجزئ فالثنية من باب أولى ولا شك، أو يقول بعض الظاهرية: إذا استأذن الرجل ابنته البكر في أن يزوجها رجلا فقالت: يا أبت لا أريد إلا هذا الرجل وأمثاله وأنا موافقة يقول: هذا ليس بإذن ، لا يزوجها ، والبنت الثانية لما شاورها سكتت ولم تقل شيء هذه تزوج والأخرى لا تزوج مع أنها صرحت بالرضا والثانية سكوتها دليل الرضا وليس هو الرضا فالمهم أنه لا بد من عقل، فقد يكون بعض الناس أكثر علما لكنه لا يفهم، وقد حدثتكم مرة عن حمار الفروع تذكرون، رجل حفظ كتاب الفروع لابن مفلح (ثلاثة مجلدات) ولكنه لا يفهم منه ولا معنى واحد فكان أصحابه يجعلونه كمكتبة إذا أشكل عليهم شيء قالوا: ماذا قال صاحب الفروع في الفصل الفلاني أو الباب الفلاني أوالكتاب الفلاني؟ (...) وهو ما يعرف معناه أبدا ، فهذا ليس عنده فهم، فلا بد من فهم.

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 05:31 AM
القارئ:
الأمر الثاني والأربعون: طالبُ العلْمِ يَعيشُ بينَ الكتابِ والسُّنَّةِ وعلومِها :

فهما له كالْجَناحينِ للطائرِ ، فاحْذَرْ أن تكونَ مَهيضَ الْجَناحِ .
الشييخ:
صحيح .. هذا أيضا من آداب طالب العلم. وبقي شيء آخر (طالب العلم يعيش بين الكتاب والسنة)، فهما كالجناجين للطائر والطائر لا يطير إلا بجناحين إذا انكسر أحدهما لم يطر، إذا لا تراعي السنة وتغفل عن القرآن، أو القرآن وتغفل عن السنة، كثير من طلبة العلم يعتني بالسنة وشروحها ورجالها، ومصطلحاتها اعتناء كاملا، لكن لو سألته عن آية من كتاب الله. ما قدم الإجابة، ولا عرف شيئا.
هذا غلط، لكن لا بد أن يكون الكتاب والسنة كلاهما جناحان لك، والجناح الأصل هو: القرآن.
وثم أيضا شيء ثالث- لكن هو داخل في قول المؤلف و(علومها): كلام العلماء، أيضا لا تهمل كلام العلماء ولا تغفل عنه، لأن العلماء أشد منك رسوخا في العلم، وعندهم من قواعد الشريعة وضوابط الشريعة وأسرارها ما ليس عندك فلا تغفله.
ولذلك كان العلماء الأجلاء المحققون إذا ترجح عندهم قول يقولون: «إن كان أحد قال به وإلا فلا نقول به».
شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- على علمه وسعة إطلاعه، إذا قال قولا لا يعلم به قائلا. قال : «أنا أقول به إن كان قد قيل به». ولا يأخذ برأيه، ويقول: خلاص أنا فهمت من القرآن كذا ولا علي من الناس.
هذا غلط. أنت إذا رأيت أكثر العلماء على قول، فلا تعدل عن قول أكثر العلماء إلا بعد التمحيص والتحقق، لأنه من المستبعد أن يكون الأقل هم أهل العلم. بمعنى: إذا رأيت مسألة من المسائل اختلف فيها العلماء وأكثرهم يقول بكذا، والآخرون يقولون بكذا، وترجح عندك قول الأقل ، لا تأخذ به مباشرة ، فكر، ما أدلة الآخرين؟ لأن الأكثر في الغالب يكون معهم الحق ، ففكر أولا ، ثم إذا تبين لك أن الحق مع الأقل فاتبع الحق ، لكن كونك تأخذ مباشرة بما ترجح عندك والجمهور على خلافه هذا لا ينبغي أبدا .
كذلك أيضا تأتي مثلا أدلة شواذ تخالف الأدلة التي هي كالجبال في الشريعة والدلالة فيأخذ الإنسان بهذا الدليل الشاذ، ولعله لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أو ثبت وهو منسوخ ، أو ثبت وهو مخصوص، فنقول ارفق ما دام هذا يخالف الأدلة التي هي كالجبال للشريعة فلا تتعجل في الأخذ به انتظر وتمهل ، فهذان أمران أنبه عليهما لأهميتهما :
- مخالفة الجمهور.
- ومخالفة القواعد في الشريعة الإسلامية.
القواعد التي تعتبر كالجبال للأرض ، رواسخ.

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 05:37 AM
الأمر الثالث والأربعون: استكمالُ أدواتِ كلِّ فَنٍّ :

لن تكونَ طالبَ عِلْمٍ مُتْقِنًا مُتَفَنِّنًا – حتى يَلِجَ الْجَمَلُ في سَمِّ الْخِياطِ – ما لم تَستكمِلْ أدواتِ ذلك الفَنِّ ، ففي الفِقْهِ بينَ الفقْهِ وأصولِه ، وفي الحديثِ بينَ عِلْمَي الروايةِ والدِّرايةِ .... وهكذا ، وإلا فلا تَتَعَنَّ .
قالَ اللهُ تعالى : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ } فيُستفادُ منها أنَّ الطالِبَ لا يَتْرُكُ عِلْمًا حتى يُتْقِنَهُ .
الشيخ:
استكمال أدوات كل فن. يريد بذلك: أنك إذا أردت أن تكون طالب علم في فن معين، وهو ما يعرف عندنا بالتخصص، فلا بد أن تكون مستكملا أدوات ذلك الفن، يعني عندك علما به، فمثلا في الفقه إذا كنت تريد أن تكون عالما بالفقه، فلا بد أن تقرأ الفقه وأصول الفقه لتكون متبحرا فيه، وإلا فيمكن أن تعرف الفقه بدون علم الأصول، ولكن لا يمكن أن تعرف أصول الفقه بدون الفقه.
يعني: يمكن أن يستغني الفقيه عن أصول الفقه، لكن لا يمكن أن يستغني الأصولي عن الفقه، إذا كان يريد الفقه.
ولهذا اختلف العلماء، علماء الأصول: هل الأولى لطالب العلم أن يبدأ بأصول الفقه لابتناء الفقه عليه أو بالفقه لدعاء الحاجة إليه، حيث أن الإنسان يحتاجه في عمله، حاجاته، ومعاملاته قبل أن يفطن إلى أصول الفقه.
والثاني- هو الأولى وهو المتبع غالبا. وهنا استدل بقول الله تعالى :(الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته) (سورة البقرة: 121). والمراد بالتلاوة هنا: التلاوة اللفظية، والتلاوة المعنوية، والتلاوة العملية، مأخوذة من تلاه إذا اتبعه، فالذين آتاهم الكتاب لا يمكن أن يوصفوا بأنهم أهل الكتاب حتى يتلوه حق تلاوته.
قوله :«وفي الحديث بين علمي الرواية والدراية» يعني بذلك الرواية في أسانيد الحديث ورجال الحديث. والدراية في فهم معناه.

رِواءْ
22 - 12 - 2009, 05:42 AM
تم بفضل الله الباب الخامس آداب طالب العلم فى حياته العلمية

هذا والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات حمدا طيبا مباركا فيه

وان كان من الصواب فلله الفضل وحده وان كان من الخطأ فمنى ومن

الشيطان

والله ورسوله منه بريئان

جزى الله أستاذتنا الغالية وفاء عنا خير الجزاء

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

يتبع الباب السادس قريبا ان شاء الله

الله أسأل أن ينفعنى واياكنَ به

وأن يرزقنى الاخلاص فى القول والعمل

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لا تنسونى بدعوة فى سجودكم

والآن أذهب وأناااااااااااااااااااااااااام
تصبحوا على طاعة
:))

رِواءْ
02 - 01 - 2010, 10:45 AM
الفصل السادس
التحلي بالعمل
44- من علامات العلم النافع:
تساءل مع نفسك عن حظك من علامات العلم النافع، وهي:
1- العمل به.
2- كراهية التزكية، والمدح، والتكبر على الخلق.
3- تكاثر تواضعك كلما ازددت علما.
4- الهرب من حب الترؤس والشهرة والدنيا.
5- هجر دعوى العلم.
6- إساءة الظن بالنفس، وإحسانه بالناس، تنزها عن الوقوع بهم.
هذه من علامات العلم النافع:
أولا- العمل به: وهذا بعد الإيمان، أن تؤمن بما علمت ثم تعمل إذ لا يمكن العمل إلا بإيمان، فإن لم يوفق الإنسان لذلك، بأن كان يعلم الأشياء ولكن لا يعمل بها فعلمه غير نافع، لكن هل هو ضار أم لا نافع ولا ضار؟ هو ضار... لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القرآن حجة لك أو عليك» ولم يقل: لا لك ولا عليك فالعلم إما نافع أو ضار.
ثانيا- كراهية التزكية، والمدح، والتكبر على الخلق: وهذه ابتلي به بعض الناس، فيزكي نفسه ويرى أن ما قاله هو الصواب وأن غيره إذا خالفه فهو مخطأ وما أشبه ذلك، كذلك يحب المدح. تجده يسأل ماذا قالوا لما تحدثوا عنه؟ وإذا قالوا: إنهم مدحوك، انتفخ وزاد انتفاخه حتى يعجز جلده عن تحمل بدنه، كذلك التكبر على الخلق، بعض الناس- والعياذ بالله – إذا آتاه الله علما تكبر. الغني بالمال ربما يتكبر، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم : العائل المستكبر من الذين لا يكلمهم الله عز وجل يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.
لأنه ليس عنده مال يوجب الكبرياء، ولكن العالم لا ينبغي أن يكون كالغني كلما ازداد علما ازداد تكبرا، بل ينبغي العكس كلما ازداد علما ازداد تواضعا، لأن من العلوم التي يقرؤها أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخلاقه كلها تواضع للحق، وتواضع للخلق، لكن على كل حال إذا تعارض التواضع للخلق أو الحق. أيهما يقدم؟ التواضع للحق.
ثالثا- تكاثر تواضعك كلما ازددت علما: وهذا في الحقيقة فرع من الثاني، يعني تتكبر على الخلق، وينبغي كلما ازددت علما تزداد تواضعا.
رابعا- الهرب من حرب الترؤس والشهرة والدنيا: هذه أيضا قد تكون متفرعة عن كراهية التزكية والمدح، يعني لا تحاول أن تكون رئيسا لأجل علمك، لا تحاول أن تجعل علمك مطية إلى نيل الدنيا، فإن هذا يعني أنك جعلت الوسيلة غاية، والغاية وسيلة، ولكن هل معنى ذلك لو أنك كنت تجادل شخصا لإثبات الحق هل ينبغي أن تجعل نفسك فوقه أو دونه؟ فوقه لأنك لو شعرت بأنك دونه ما استطعت أن تجادله، أما لو أنك شعرت أنك فوقه من أجل أن الحق معك، فإنك حينئذ تستطيع أن تسيطر عليه.
خامسا- هجر دعوى العلم: معناها: لا تدعي العلم. لا تقول أنا العالم.


أنا ابن جلا وطلاع الثنايامتى أضع العمامة تعرفوني


ومتى كان في المجلس تصدر المجلس، وإذا أرد أحد أن يتكلم يقول: اسكت أنا أعلم منك.
سادسا- إساءة الظن بالنفس، وإحسانه بالناس، تنزها عن الوقوع بهم: أن يسيء الظن بنفسه لأنها ربما تغره وتأمره بالسوء فلا يحسن الظن بالنفس، وكلما أملت عليه أخذ بها.
أما قوله :«إحسانه بالناس» فهذا يحتاج إلى تفصيل. الأصل إحسان الظن بالناس وإنك متى وجدت محملا حسنا للكلام غيرك فأحمله عليه ولا تسي الظن، لكن إذا علم عن شخص من الناس أنه محل لإساءة الظن، فهنا لا حرج أن تسيء الظن من أجل أن تحترس منه لأنك لو أحسنت الظن به لأفضت إليه كل ما في صدرك، ولكن ليس الأمر كذلك.
وقد كان عبد الله بن المبارك إذا ذكر أخلاق من سلف ينشد:


لا تعرضن بذكرنا مع ذكرهـمليس الصحيح إذا مشى كالمقعد

رِواءْ
02 - 01 - 2010, 10:46 AM
- زكاة العلم:
(زكاة العلم): صادعا بالحق، أمارا بالمعروف. نهاء عن المنكر، موازنا بين المصالح والمضار، ناشرا للعلم، وحب النفع، وبذل الجاه، والشفاعة الحسنة للمسلمين في نوائب الحق والمعروف.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال :«إذا مات الإنسان انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». رواه مسلم وغيره.
قال بعض أهل العلم: هذه الثلاث لا تجتمع إلا للعالم الباذل لعلمه، فبذله صدقة، ينتفع بها، والمتلقي لها ابن للعالم في تعلمه عليه. فاحرص على هذه الحلية، فهي رأس ثمرة علمك. ولشرف العلم، فإنه يزيد بكثرة الإنفاق، وينقص مع الإشفاق، وآفته الكتمان. ولا تحملك دعوى فساد الزمان، وغلبة الفساق، وضعف إفادة النصيحة عن واجب الأداء والبلاغ، فإن فعلت، فهي فعلة يسوق عليها الفساق الذهب الأحمر، ليتم لهم الخروج على الفضيلة، ورفع لواء الرذيلة.
هذا زكاة العلم. تكون بأمور:
منها: نشر العلم. كما يتصدق الإنسان بشيء من ماله، فهذا العالم يتصدق بشيء من علمه، وصدقة العلم أبقى دواما وأقل كلفة ومؤنة.
أبقى دواما لأنه ربما كلمة من عالم تسمع ينتفع بها فئام من الناس وما زلنا الآن ننتفع بأحاديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولم ننتفع بدرهم واحد من الخلفاء الذين كانوا في عهده.
وكذلك العلماء تنتفع بكتبهم وعلومهم، فهذه زكاة. وهذه الزكاة لا تنقص العلم بل تزيده.


يزيد بكثرة الإنفاق منـهوينقص إن به كفا شددت


ومن زكاة العلم أيضا: العمل به لأن العمل به دعوة إليه بلا شك، وكثير من الناس يتأسون بالعالم وبأعماله، أكثر مما يتأسون بأقواله وهذا بلا شك زكاة أيما زكاة، لأن الناس يشربون منها وينتفعون.
ومنها أيضا: ما قاله المؤلف أن يكون صداعا للحق. وهذا من جملة النشر، ولكن النشر قد يكون في حال السلامة والأمن على النفس، وقد يكون في حالة الخطر، فيكون صداعا بالحق.
ومنها: أي من تزكية العلم- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا شك أنه من زكاة العلم، لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر هو عارف بالمعروف وعارف بالمنكر، ثم قائم بواجبه نحو هذه المعرفة.
والمعروف: كل ما أمر به الله ورسوله. والمنكر: كل ما نهى الله عنه ورسوله. موازنا بين المصالح والمضار. لأنه قد يكون من الحكمة ألا تنهي حسب ما تقتضيه المصلحة، فالإنسان ينظر إلى المصالح والمضار.
وقوله :«ناشرا للعلم وحب النفع» يعني تنشر العلم بكل وسيلة للنشر من قول باللسان وكتابة بالبنان. وبكل طريق، وفي عصرنا هذا سخر الله لنا الطرق لنشر العلم، فعليك أن تنتهز هذه الفرصة من أجل أن تنشر العلم الذي أعطاك الله إياه، فإن الله تعالى أخذ على أهل العلم ميثاق أن يبينوه للناس ولا يكتموه، ثم ساق المؤلف حديث أبي هريرة رضي الله عنه والشاهد في قوله «أو علم ينتفع به».
أما قوله :«قال بعض أهل العلم. فبدله صدقة ينتفع بها والمتلقي لها ابن للعالم في تعلمه عليه».
هذا قصور. والصواب خلاف ذلك. أن المراد بالصدقة الجارية، صدقة المال.
وأما صدقة العلم فذكرها بعده بقوله «أو علم ينتفع به أو ولد صالح» المراد به الولد بالنسب، لا الولد بالتعليم.
فحمل الحديث على أن المراد بالعالم يعلم فيكون صدقة ويبقى علمه بعد موته ينتفع به ويكون طلابه أبناء له، فهذا لا شك تقصير في تفسير الحديث.
والصواب: أن الحديث دل على ثلاثة أجناس مما ينتفع به الإنسان بعد موته.
الصدقة الجارية، والصدقة إما جارية وإما مؤقتة. فإذا أعطبت فقيرا يشتري طعاما فهذه صدقة لكنها مؤقتة، وإذا حفرت بئرا ينتفع به المسلمون بالشرب، فهذه صدقة جارية.
والأولى أو يقال «ولبركة العلم» فهذا أمثل، لكونه يزيد بكثرة الإنفاق. ووجه زيادته أن الإنسان إذا علم الناس مكث علمه في قلبه واستقر، وإذا غفل نسي.
ثانيا- أنه إذا علم الناس فلا يخلو هذا التعليم من الفوائد الكثيرة، بمناقشة أو سؤال، فينمي علمه ويزداد، وكم من أستاذ تعلم من تلاميذه. قد يذكر التلميذ مسألة ما جرت على بال الأستاذ وينتفع بها الأستاذ فلهذا كان بذل العلم سببا في كثرته وزيادته.
ثم لا تيأس ولا تقل: إن الناس غلب عليهم الفسق والمجون والغفلة، لا! أبذل النصيحة ما استطعت ولا تيأس لأنك إذا تقاعست واستحسرت فمن يفرح بذلك ؟ الفساق والفجار. كما قيل:
خلا لك الجو = فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري
فلا تيأس، فكم من إنسان يأست من صلاحه، ففتح الله عليه وصلح.
لكن يئست.

رِواءْ
02 - 01 - 2010, 10:49 AM
- عزة العلماء:
التحلي بـ (عزة العلماء): صيانة العلم وتعظيمه، وحماية جناب عزه وشرفه، وبقدر ما تبذله في هذا يكون الكسب منه ومن العمل به، وبقدر ما تهدره يكون الفوت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
وعليه، فاحذر أن يتمندل بك الكبراء، أو يمتطيك السفهاء، فتلاين في فتوى أو قضاء، أو بحث، أو خطاب... ولا تسع به إلى أهل الدنيا، ولا تقف به على أعتابهم، ولا تبذله إلى غير أهله وإن عظم قدره.
هذا فيه شيء صواب، وشيء فيه نظر، صيانة العلم وتعظيمه وحماية جنابه، لا شك أنه عز وشرف. فإن الإنسان إذا صان علمه عن الدناءة وعن التطلع إلى ما في أيدي الناس، وعن بذل نفسه فهو أشرف له وأعز، ولكن كون الإنسان لا يسعى به إلى أهل الدنيا ولا يقف على أعتابهم ولا يبلغه إلى غير أهله وإن عظم قدره فيه تفصيل.
فيقال إذا سعيت به إلى أهل الدنيا وكانوا ينتفعون بذلك فهذا خير، وهو داخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أما إن كانوا يقفون من هذا العالم الذي دخل عليهم وأخذ يحدثهم، موقف الساخر المتململ، فهنا لا ينبغي أن يهدي العلم إلى هؤلاء، لأنه إهانة له وإهانة لعلمه. ولنفرض أن رجلا دخل على أناس من هؤلاء النفر، وجلس، وجعل يتحدث إليهم بأمور شرعية، ولكنه يشاهدهم تتمعر وجوههم، ويتململون ويتغامزون، فهؤلاء لا ينبغي أن يحوم حولهم لأن هذا ذل له ولعلمه.
أما إذا دخل على هؤلاء وجلس وتحدث، ووجد وجوها تهش، وأفئدة تطمئن، ووجد منهم إقبالا، فها هنا يجب أن يفعل، ولكل مقام مقال.
لو كان دخل طالب علم صغير على هؤلاء المترفين، فلربما يقفون منه موقف الإستهزاء والسخرية، لكن لو دخل عليهم من له وزن عندهم وعند غيرهم لكان الأمر بالعكس، فلكل مقام مقال.
ومتع بصرك وبصيرتك بقراءة التراجم والسير لأئمة مضوا، تر فيها بذل النفس في سبيل هذه الحماية، لا سيما من جمع مثلا في هذا، مثل كتاب «من أخلاق العلماء» لمحمد سليمان – رحمه الله تعالى - وكتاب «الإسلام بين العلماء والحكام» لعبد العزيز البدري – رحمه الله تعالى- وكتاب «مناهج العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لفاروق السامرائي.
وأرجو أن ترى أضعاف ما ذكروه في كتاب «عزة العلماء» يسر الله إتمامه وطبعه. وقد كان العلماء يلقنون طلابهم حفظ قصيدة الجرجاني علي بن عبد العزيز (م سنة 392هـ) رحمه الله تعالى كما نجدها عند عدد من مترجميه، ومطلعها:
ومن أحسن ما رأيت في هذا كتاب «روضة العقلاء» للبسني، كتاب عظيم على اختصاره، فيه فوائد عظيمة ومآثر كريمة للعلماء المحدثين وغيرهم، وكان مقررا في المعاهد أيام كنا ندرس في المعهد، مقررا كتاب مطالعة للطلاب وانتفع به الكثير.
أما ما ذكره الشيخ بكر، يعضها اطلعنا عليه، وبعضها لم نطلع عليه، لكن بعضها مختصر جدا، لا يستفيد الإنسان منه كثير فائدة. لكن سير أعلام النبلاء مفيد أيضا فائدة كبيرة، فمراجعته عظيمة. أما كتاب «عزة العلماء» فهو من كتابات المؤلف، وهو يدعو إلى الله تعالى أن ييسر إتمامه وطبعه.


يقولون لي فيك انقبـاض وإنمـارأوا رجلا عن موضع الذل احجما
أرى الناس من داناهم هان عندهمومن أكرمته عزة النفس أكرمـا
ولو أن أهل العلم صانوه صانهـملو عظموه في النفـوس لعظمـا


(لعظما)، بفتح الظاء المعجمة المشالة.
هذا الضبط فيه نظر، والظاهر: ولو عظموه في النفوس لعظما. يعني لكان عند الناس عظيما، لكنهم لم يعظموه في النفوس، بل أهانوه وبذلوه لكل غال ورخيص.
وهذه مرت علي في البداية والنهاية لابن كثير في ترجمة الناظم الذي نظمها.

رِواءْ
02 - 01 - 2010, 10:51 AM
47- صيانة العلم:
إن بلغت منصبا، فتذكر أن حبل الوصل إليه طلبك للعلم، فبفضل الله ثم بسبب علمك بلغت ما بلغت من ولاية في التعليم، أو الفتيا، أو القضاء...
وهكذا، فأعط العلم قدره وحظه من العمل به وإنزاله منزلته. واحذر مسلك من لا يرجون لله وقارا، الذين يجعلون الأساس (حفظ المنصب)، فيطوون ألسنتهم عن قول الحق، ويحملهم حب الولاية على المجاراة. فالزم – رحمك الله- المحافظة على قيمتك بحفظ دينك، وعلمك، وشرف نفسك، بحكمة ودراية وحسن سياسة : «احفظ الله يحفظك» «احفظ الله في الرخاء يحفظك في الشدة..».
إذا أراد بهذا الحديث، فليس هذا لفظ الحديث، والجملة الثانية «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» هذا نص الحديث.
يريد بهذه الآداب: أن الإنسان يصون علمه، فلا يجعله مبتذلا، بل يجعله محترما، معظما، فلا يلين في جانب من لا يريد الحق، بل يبقى طورا شامخا، ثابتا، وأما أن يجعله الإنسان سبيلا إلى المداهنة وإلى المشي فوق بساط الملوك وما أشبه ذلك، فهذا أمر لا ينبغي، ولم يكن الإنسان صائنا لعلمه إذا سلك الإنسان هذا المسلك.
والواجب قول الحق، لكن قول الحق قد يكون في مكان دون مكان، والإنسان ينتهز الفرصة فلا يفوتها، ويحذر الذلة فلا يقع فيها.
قد يكون من المستحسن أن لا أتكلم في هذا المكان بشيء، وأن أتكلم في مكان آخر، لأني أعرف أن كلامي في الموضع الآخر أقرب إلى القبول والاستجابة. فلكل مقام مقال، ولهذا يقال : «بحكمة ودراية وحسن سياسة»، فلا بد أن الإنسان يكون عنده علم ومعرفة وسياسة، بحيث يتكلم إذا كان للكلام محل، ويسكت إذا كان ليس للكلام محل.
وقوله :«وفي الحديث «احفظ الله يحفظك» يعني: احفظ حدود الله كما قال الله تعالى في سورة التوبة : ( والحافظون لحدود الله) (سورة التوبة: 112). فلا ينتهكونها بفعل محرم، ولا يضيعونها بترك واجب.
وقوله «يحفظك» يعني في دينك ودنياك وفي أهلك ومالك. فإن قال قائل: إننا نرى بعض الحافظين لحدود الله يصيبهم ما يصيبهم. فنقول: هذا زيادة في تكفير سيئاتهم ورفعة درجاتهم، ولا ينافي قوله صلى الله عليه وسلم: «احفظ الله يحفظك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» قوله «يعرفك» لا تظن أن الله تعالى لا يعرف الإنسان إذا لم يتعرف إليه، لكن هذه معرفة خاصة، فهي كالنظر الخاص المنفي عمن نفي عنه كما في قوله تعالى : (ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم) (سورة آل عمران: 77). مع أن الله لا يغيب عن نظره شيء، لكن النظر، نظران:
نظر خاص، ونظر عام. كذلك المعرفة: معرفة خاصة، ومعرفة عامة. والمراد هنا المعرفة الخاصة.
بقي أن يقال: إن المشهور عند أهل العلم أن الله تعالى لا يوصف بأنه عارف.
يقال: عالم، ولا يقال عارف.
وفرقوا بين العلم والمعرفة. بأن المعرفة تكون للعلم اليقيني والظني وأنها- أي معرفة- انكشاف بعد خفاء. وأما العلم فليس كذلك.
فنقول ليس المراد بالمعرفة هنا ما أراده الفقهاء أو أراده الأصوليون إنما المراد بالمعرفة هنا: أن الله تعالى يزداد عناية لك ورحمة بك، مع علمه بأحوالك- عز وجل.
وإن أصبحت عاطلا من قلادة الولاية. وهذا سبيلك ولو بعد حين- فلا بأس، فإنه عزل محمدة لا عزل مذمة ومنقصة.
هذه قاعدة مهمة: وهي أن الإنسان إذا أصبح عاطلا عن قلادة الولاية، - وهذا سبيلك ولو بعد حين- يعني سوق تترك الولاية ولو بقيت في الولاية حتى الموت فإنك ستتركها لا بد.
وقوله :«فلا بأس، فإنه عزل محمدة لا عزل مذمة ومنقصة». هذا أيضا ليس على عمومه، لأن من الناس من يعزل عزل محمدة وعزة لكونه يقوم بالواجب عليه من الملاحظة والنزاهة، لكن يضيق على من تحته فيحفرون له حتى يقع، وهذا كثير مع الأسف. ومن الناس من يعزل لأنه قد تبين أنه ليس أهلا للولاية، فهل هذا العزل عزل محمدة أم عزل مذمة؟ عزل مذمة لا شك.
ومن العجيب أن بعض من حرم قصدا كبيرا من التوفيق لا يكون عنده الالتزام والإنابة والرجوع إلى الله إلا بعد (التقاعد) فهذا وإن كانت توبته شرعية، لكن دينه ودين العجائز سواء، إذ لا يتعدى نفعه، أما وقت ولايته، حال الحاجة إلى تعدي نفعه، فتجده من أعظم الناس فجورا وضررا، أو بارد القلب، أخرس اللسان عن الحق. فنعوذ بالله من الخذلان.
من العجب أن بعض الناس إذا عزل عن الولاية وترك المسئولية إزداد إنابة إلى الله عز وجل، لأنه إن عزل في حالة يحمد عليها لجأ إلى الله وعرف أنه لا يغنيه أحد عن الله عز وجل، وعرف افتقاره إلى الله تبارك وتعالى، فصلحت حاله. وإن كان انفصاله إلى غير ذلك فلربما يمن الله عليه بالتوبة لتفرغه وعدم تحمله المسئولية، فيعود إلى الله تبارك وتعالى.
وأما قوله :«وأما في وقت ولايته، وقت تعدي نفعه، فتجده من أعظم الناس فجورا وضررا».
هذا موجود بلا شك، لكنه ليس كثيرا في الناس، والحمد لله. لكن من الناس من يكون متهاونا في أداء وظيفته، فإذا تركها رجع إلى الله عز وجل.

رِواءْ
02 - 01 - 2010, 10:54 AM
القارئ:
الأمر الثامن والأربعون: الْمُداراةُ لا الْمُداهَنَةُ :
الْمُداهَنَةُ خُلُقٌ مُنْحَطٌّ ، أمَّا الْمُدارَاةُ فلا ، لكن لا تَخْلِطْ بينَهما فتَحْمِلَك المداهَنَةُ إلى حَضَارِ النفاقِ مُجاهَرَةً ، والْمُداهَنَةُ هي التي تَمَسُّ دِينَك .
الشيخ:
لا بد أن نعرف ما الفرق بين المداهنة والمداراة؟.
المداهنة: أن يرضى الإنسان بما عليه قبيله، كأنه يقول: لكم دينكم ولي دين، ويتركه.
وأما المداراة: فهو أن يعزم بقلبه على الإنكار عليه، لكنه يداريه فيتألفه تارة، ويؤجل الكلام معه تارة أخرى، وهكذا حتى تتحقق المصلحة.
فالفرق بين المداهنة والمداراة ، أن المداراة يراد بها الإصلاح لكن على وجه الحكمة والتدرج في الأمور.
وأما المداهنة، فإنها الموافقة ولهذا جاءت بلفظ الدهن، لأن الدهن يسهل الأمور، والعامة يقولون في أمثالهم: ادهن السيل يسير يعني: أعطي الرشوة إذا أردت أن تمشي أمورك. على كل حال المداهنة أن الإنسان يترك خصمه وما هو عليه ولا يحاول إصلاحه يقول ما دام أنت ساكت عني فأنا أسكت عنك، {ودوا لو تدهن فيدهنون} والمداراة: أنه يريد الإصلاح ويحاول إصلاح خصمه لكن على وجه الحكمة فيشتد أحيانا ويلين أحيانا وينطق أحيانا ويسكت أحيانا ، وما المطلوب من طالب العلم المداراة أم المداهنة؟ المداراة.

رِواءْ
02 - 01 - 2010, 10:56 AM
49- الغرام بالكتب:
شرف العلم معلوم، لعموم نفعه، وشدة الحاجة إليه كحاجة البدن إلى الأنفاس، وظهور النقص بقدر نقصه، وحصول اللذة والسرور بقدر تحصيله، ولهذا اشتد غرام الطلاب بالطلب، والغرام بجمع الكتب مع الانتقاء، ولهم أخبار في هذا تطول، وفيه مقيدات في «خبر الكتاب» يسر الله إتمامه وطبعه.
وعليه، فأحرز الأصول من الكتب، واعلم أنه لا يغني منها كتاب عن كتاب، ولا تحشر مكتبتك وتشوش على فكرك بالكتب الغثائية، لا سيما كتب المبتدعة، فإنها سم ناقع.
جمع الكتب مما ينبغي لطالب العلم أن يهتم به، ولكن يبدأ بالأهم فالأهم. فإذا كان الإنسان قليل الراتب فليس من الخير ولا من الحكمة أن يشتري كتبا كثيرة يلزم نفسه بغرامة قيمتها، فإن هذا من سوء التصرف.
ولذلك لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي أراد أن يزوجه ولم يجد شيئا، أن يقترض ويستدين.
واحرص على كتب الأمهات، الأصول، دون المؤلفات الحديثة لأن بعض المؤلفين حديثا ليس عنده علم راسخ، ولهذا إذا قرأت كتابا ما تجد أنه سطحي، قد ينقل الشيء بلفظه، وقد يحرفه إلى عبارة طويلة، لكنها غثاء.
فعليك بالأمهات، عليك بالأصل ككتب السلف، فإنها خير وأبرك بكثير من كتب الخلف.
ثم احذر أن تضم مكتبتك الكتب التي ليس فيها خير، لا أقول التي فيها ضرر، بل أقول التي ليس فيها خير لأن الكتب تنقسم إلى ثلاثة أقسام: خير، وشر، ولا خير ولا شر.
فاحرص أن تكون مكتبتك خالية من الكتب التي ليس فيها خير. هناك كتب يقال أنها كتب أدب، لكنها تقطع الوقت وتقتله من غير فائدة، هناك كتب غامضة ذات أفكار معينة ومنهج معين، فهذه أيضا لا تدخل مكتبتك.

50- قوام مكتبتك:
عليك بالكتب المنسوجة على طريقة الاستدلال، والتفقه في علل الأحكام، والغوص على أسرار المسائل، ومن أجلها كتب الشيخين: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وتلميذه ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى. وعلى الجادة في ذلك من قبل ومن بعد كتب:
1- الحافظ ابن عبد البر (م سنة 463 هـ) رحمه الله تعالى، وأجل كتبه «التمهيد».
2- الحافظ ابن قدامة (م سنة 620هـ) رحمه الله تعالى، وأرأس كتبه «المغني».
3- الإمام الحافظ النووي «م سنة 676 هـ» رحمه الله تعالى.
4- الحافظ الذهبي (م سنة 748هـ ) رحمه الله تعالى.
5- الحافظ ابن كثير (م سنة 774هـ ) رحمه الله تعالى.
6- الحافظ ابن رجب (م سنة 759هـ ) رحمه الله تعالى.
7- الحافظ ابن حجر (م سنة 852هـ ) رحمه الله تعالى.
8- الحافظ الشوكاني (م سنة 1250هـ ) رحمه الله تعالى.
9- الإمام محمد بن عبد الوهاب (م سنة 1206هـ ) رحمه الله تعالى.
10- كتب علماء الدعوة ومن أجمعها «الدرر السنية».
11- العلامة الصنعاني (م سنة 1182هـ) رحمه الله تعالى، لا سيما كتابه. النافع «سبل السلام».
12- العلامة صديق حسن خان القنوجي (م سنة 1307هـ) رحمه الله تعالى.
13- العلامة محمد الأمين الشنقيطي (م سنة 1393هـ) رحمه الله تعالى، لا سيما كتابه :«أضواء البيان».
هذا أيضا منهم، أن يختار الإنسان في مكتبته الكتب الأصيلة القديمة، لأن غالب المتأخرين قليلة المعاني، كثيرة المباني، تقرأ صفحة كاملة يمكن أن تلخصها في سطر أو سطرين مع التعريج والمطآب والتغريزات في بعض الكلمات التي لا تفهم إلا بعد افتراض، لكن كتب السلف تجدها سهلة لينة رصينة، لا تجد كلمة واحدة ليس لها معنى.

51- التعامل مع الكتاب:
لا تستفد من كتاب حتى تعرف اصطلاح مؤلفه فيه، وكثيرا ما تكون المقدمة كاشفة عن ذلك،فابدأ من الكتاب بقراءة مقدمته.
التعامل مع الكتاب يكون بأمور:
الأول- معرفة موضوعه، حتى يستفيد الإنسان منه لأنه يحتاج إلى التخصص.
الثاني- أن تعرف مصطلحاته، وهذا في الغالب يكون في المقدمة، لأن معرفة المصطلحات يحصل بها في الواقع أنك تحفظ أوقات كثيرة، وهذا يفعله الناس في مقدمات الكتب، فمثلا نعرف أن صاحب بلوغ المرام إذا قال: متفق عليه، يعني رواه البخاري ومسلم. لكن صاحب المنتقى إذا قال: متفق عليه في الحديث يعني أنه رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم، كذلك أيضا كتب الفقه يفرق بين القولين، الوجهين، الروايتين، والاحتمالين، كما يعرف الناس من تتبع كتب الفقهاء. الروايتين عن الإمام، والوجهين عن أصحابه، لكن أصحاب المذهب الكبار أهل التوجيه، والاحتمالين للتردد بين قولين: والقولين أعم من ذلك كله.
كذلك يحتاج أن تعرف إذا قال المؤلف: إجماعا أو إذا قال: وفاقا. إذا قال: إجماعا يعني بين الأمة، وفاقا مع الأئمة الثلاثة كما هو اصطلاح صاحب الفروع في فقه الحنابلة.
الثالث- معرفة أسلوبه وعباراته، ولهذا تجد أنك إذا قرأت الكتاب أول ما تقرأ لا سيما من الكتب العلمية المملوءة علما، تجد أنك تمر بك العبارات تحتاج إلى تأمل وتفكير في معناها، لأنك لم تألفها فإذا كررت هذا الكتاب ألفته، وانظر مثلا إلى كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، الإنسان الذي لا يتمرن على كتبه يصعب أن يفهمها لأول مرة، لكن إذا تمرن عرفها بسر وسهولة.
أما ما يتعلق بأمر خارجي عن التعامل مع الكتاب، وهو التعليق بالهوامش أو بالحواشي، فهذا أيضا مما يجب لطالب العلم أن يغتنمه، وإذا مرت به مسألة تحتاج إلى شرح أو دليل أو إلى تعليق ويخشى أن ينساها فإنه يعلقها، إما بالهامش وهو الذي على يمينه أو يساره وإما بالحاشية، وهي التي تكون بأسفل.
وكذلك أيضا إذا كان الكتاب فيه فقه مذهب من المذاهب ورأيت أنه يخالف المذهب في حكم هذه المسألة، فإنه من المستحسن أن تقيد المذهب في الهامش أو الحاشية حتى تعرف أن الكتاب خرج عن المذهب، ولا سيما إذا كان المذهب أقوى مما ذهب إليه صاحب الكتاب.

52- ومنه:
إذا حزت كتابا، فلا تدخله في مكتبتك إلا بعد أن تمر عليه جردا، أو قراءة لمقدمته، وفهرسه، ومواضع منه، أما إن جعلته مع فنه في المكتبة، فربما مر زمان وفات العمر دون النظر فيه، وهذا مجرب، والله الموفق.
هذا صحيح..... وهو حاصل كثيرا، أكثر ما يكون في حال الإنسان إذا جاءه كتاب جديد بتصفحه، أو إذا كان كثيرا يقرأ الفهرس.
قل أن تجد شخصا- مثلا- أو مر بك حال من حين يأتيك الكتاب أن تقرأه. هذا قليل.
وإنما قال الشيخ هذا، لأجل إن احتجت إلى مراجعته عرفت أنه يتضمن حكم الذي تريد، أما إذا لم تجرده مراجعة ولو مرورا فإنك لا تدري ما فيه من الفوائد والمسائل، فيفوتك شيء كثير موجود في هذا الكتاب الذي عندك في الرف.

رِواءْ
02 - 01 - 2010, 10:57 AM
القارئ:
الثالث والخمسون: إعجامُ الكتابةِ :
إذا كَتَبْتَ فأَعْجِم الكتابةَ بإزالةِ عُجْمَتِها
الشيخ:
يقول أعجم، كتاب معجم، أعجم الكتابة معناه: اجعله أعجميا؟! لا، معناه أزل عجمته بإعرابه وتشكيله ونقطه، حتى لا يشكل وهذا من الأفعال التي يراد بها الضد ن كما جاء في الحديث (يتحنث) يعني النبي صلى الله عليه وسلم (يتحنث في غار حراء الليالي ذوات العدد) يتحنث يعني؟ يزيل الحنث أم يفعل الحنث؟ يزيله ، وهذه لها أمثلة كثيرة ، فمعنى أعجم الكتاب: أزال عجمته بتشكيله وإعرابه.

القارئ:
وذلك بأمورٍ :
أولاً: وضوحُ الخطِّ .
ثانيا: رَسْمُه على ضَوْءِ قواعدِ الرسْمِ ( الإملاءِ ) .


الشيخ:
لا بد أن تكون عالما بالنحو أخشى أن تقع في قول القائل يريد أن يعربه فيعجمه، أو فأعجمه، لا بد أن تكون عالما بالنحو أما مثلا فكرة أن يقول لك هذه مرفوعة ، منصوبة ، مكسورة، وتفعل لا، لا بد أن تكون عالما ، وإذا أشكلت عليك الكلمة فارجع إلى مظانها ، إذا أشكل عليك ترقيم الكلمة
أو حركاتها في تركيبها لا في إعرابها فارجع إلى كتب اللغة لأن هناك أخطاء شائعة بين الناس، مثلا يقولون: تَجْرِبة وتَجَارِب. أكثر الناس إن لم أقل كل الناس يضمونها ، فأخشى أن يأتي واحد بيعجن فتمر به تجربة فيقول: تجربة بضم الراء ، فيشكلها نطقا وإعرابا ، وهذا غلط ، لأنه قد يشتهر بين الناس أشياء وليس لها أصل فلا بد أن ترجع للأصل .

القارئ:
وفي هذا مؤلَّفاتٌ كثيرةٌ من أَهَمِّها :

( كتابُ الإملاءِ ) لحسين والي .
( قواعدُ الإملاءِ ) لعبدِ السلامِ محمد هارون .
( الْمُفْرَدُ العَلَمُ ) للهاشميِّ ، رَحِمَهُم اللهُ تعالى .
ثالثا: النَّقْطُ للمُعْجَمِ والإهمالُ للمُهْمَلِ .
رابعا: الشَّكْلُ لِمَا يُشْكِلُ .


خامسا: تَثبيتُ عَلاماتِ الترقيمِ في غيرِ آيةٍ أو حديثٍ .
الشيخ:
هذه قواعد إملائية ينبغي مراعاتها

رِواءْ
02 - 01 - 2010, 11:03 AM
تم بفضل الله الباب السادس "التحلى بالعمل "

هذا والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات حمدا طيبا مباركا فيه

وان كان من الصواب فلله الفضل وحده وان كان من الخطأ فمنى ومن

الشيطان

والله ورسوله منه بريئان

جزى الله أستاذتنا الغالية وفاء عنا خير الجزاء

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

وإلى هنا نكون قد انتهينا من المقرر

الله أسأل أن ينفعنى واياكنَ به

وأن يرزقنى الاخلاص فى القول والعمل

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أم فردوس
15 - 09 - 2014, 11:52 AM
ما شاء الله بارك الله فيكم